حركة التوحيد والإصلاح سوط «الإخوان» على حكومة بنكيران
  عبد الرحيم أريري
مباشرة بعد قيام الجيش المصري، يوم الثالث من يوليوز 2013، بعزل الرئيس محمد مرسي «تجاوبا مع المطالب المشروعة للشعب المصري» التي عكستها احتجاجات 30 مليون مصري بالشوارع، أصدرت حركة التوحيد والإصلاح (الإطار المرجعي والمذهبي لحزب العدالة والتنمية الذي يقود التحالف الحكومي بالمغرب) بلاغا يندد بقرار الجيش المصري، وينادي بعودة «الشرعية» إلى هناك معتبرا أن «مسار الانقلابات على إرادة الشعوب واختياراتها المنبثقة من صناديق الاقتراع لن يؤدي سوى إلى مزيد من الصراع وتدهور الأوضاع»، ولذلك أهاب بأنصار الحركة إلى تنظيم سلسلة وقفات تصرف هذا الموقف بمختلف ربوع المملكة، وضمنها الدعوة إلى وقفة تضامنية بمدينة الدارالبيضاء، تزامنا مع احتفالات عيد العرش يوم 30 يوليوز2013، وتحديدا بنفس المكان الذي يحتضن الحفلات الرسمية المعدة بهذه المناسبة الوطنية.
ليس هذا تفصيلا عاديا في مسار الحركة المدنية والسياسية ببلادنا، بل هو تعبير جوهري عن مجموعة مفارقات في السياسة التي يدبرها الإسلاميون المغاربة، والتي تؤكد تواشج العلاقة بين إسلاميي المغرب والمشرق، واندراجهم ضمن الموقف العام لحركة الإخوان المسلمين. كما تكشف عن حقيقة الهيمنة والدور الذي تلعبه حركة التوحيد والإصلاح في توجيه عمل حزب العدالة والتنمية. وهو ما يتجاوز إطارها المدني والدعوي الذي تتحدث عنه في ميثاقها وفي أدبياتها التنظيمية والمذهبية إلى حرصها على إحكام القبضة على كل ما يهم توجيه مواقف وسياسات حزب العدالة والتنمية.
وفي ما يلي توضيح لهذه المفارقات:
1 – إذا كانت حركة التوحيد والإصلاح هي الراعية المذهبية لحزب العدالة والتنمية فلماذا يتناقض موقفها مما يجري في مصر مع موقف وزارة الخارجية التي يرأسها سعد الدين العثماني (رئيس المجلس الوطني للعدالة والتنمية) التي قدر إيجابيا ما حدث هناك.
ولماذا أعلن في نفس السياق عبد الله بها وزير الدولة (والرقم الثاني في نفس الحزب) عن موقف متفهم معتبرا «العقلية الطائفية ومنطق الاستحواذ لدى الإخوان المسلمين كانت السبب في عزل الرئيس مرسي». ثم عاد بعد أربع وعشرين ساعة ليعدل قوله باتجاه إرضاء حركة التوحيد والإصلاح التي ردته إلى «جادة الصواب» والصواب في نظرها هو إدانة عزل مرسي وتجاهل فورة الشارع المصري الذي خرج بالملايين يحتج على أخونة الدولة. (انظر العدد 528).
ليس لهذا التجاذب سوى تفسير واحد يوضح تناقض الموقف بين حركة التوحيد وحزب العدالة وتراجع وزير الدولة، تفسير لا يوجد في ديناميكية الحياة السياسية المغربية، بل في الديناميكية التي تعيشها حركة الإخوان المسلمين في مصر والعالم، ذلك أن حركة التوحيد والإصلاح ليست في الواقع سوى الذراع المغربي لهذه الحركة العالمية التي تعيش بأذرع مماثلة في كل من الأردن وقطاع غزة والسودان وتونس ومصر وليبيا وغيرها، ولذلك فالذراع المغربية معنية بما يجري هناك على اعتبار أن فشل تجربة حكم نظرائهم في مصر هو فشل لتجربة الإسلام السياسي بشكل عام، وكبح لجماح الإسلاميين في السيطرة على العالم العربي الإسلامي، من أجل إقرار مشروع الخلافة الإسلامية وهو ما يتم التعبير عنه جهارا في أدبيات الإخوان المسلمين، وفي تصريح قادتهم لوسائل الإعلام. فيوم الخميس فاتح غشت 2013تم الكشف في نقاش بإحدى القنوات الفضائية عن أن مرسي ما أن نجح في الانتخابات الرئاسية بمصر حتى قال إن «الخلافة بدأت» وزاد على ذلك بالتأكيد أن «تباشيرها تظهر في الشام عبر المعركة الدائرة حاليا لإسقاط نظام بشار لتكوين دولة الخلافة من المحيط إلى الخليج». وقبل ذلك صرح صلاح الجبالي (العضو القيادي بحركة النهضة التونسية والوزير الأول السابق) قد تحدث عن قرب تحقيق الخلافة الإسلامية بعد وصول النهضة إلى الحكم. وهذا ما تقره كل الحركات الإسلامية بما فيها حركة التوحيد التي لا تخفي عملها في هذا الاتجاه (انظر الإطار في الصفحة الموالية).
2 – في ارتباط مع ذلك، لماذا اختارت حركة التوحيد والإصلاح التظاهر في زمن الاحتفالات بعيد العرش، وفي نفس المكان الذي تنظم فيه الأنشطة الرسمية دون مراعاة لطبيعة المناسبة الوطنية، ولخصوصية الظرف وحساسيته؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نستحضر مكونا أساسيا في فكر الإخوان المسلمين يتمثل في أن الإسلاميين بشكل عام لا يؤمنون بفكرة الوطن الذي تحده جغرافية محددة وسيادة مضبوطة، بل هم مشدودون إلى فكرة يعتبرونها هي الأسمى، والتي تفيد بأن الوطن هو الأمة الإسلامية. ولذلك يعتبرون ما يجري في مصر يجري في بيتهم الخاص.
وهذا الإصرار الشديد لحركة التوحيد والإصلاح على تعبئة أنصارها للتظاهر بالمغرب ضد ما تسميه «الانقلاب على الشرعية في مصر» لا يفسر إلا بشيء واحد، ألا وهو اعتقادها بأن ذهاب مرسي هو إيذان بذهاب حركات الإسلام السياسي من المقاعد الحكومية، لدرجة أن شدة هلعهم وفزعهم من استحضار هذا المآل جعلهم يبرمجون وقفات احتجاجية يوم عيد العرش بعدة مدن مغربية! لدرجة أن حركة التوحيد – في شخص محمد الهيلالي النائب الثاني لرئيسها – لم تتردد في تهديد حكومة بنكيران وتحذيرها من الاستمرار في «الخرس» حيال ما يقع في مصر، علما بأن الهيلالي هو من أوفدته حركة التوحيد إلى إسطمبول لحضور الملتقى المنظم من طرف حزب سعادة «الإخواني» لبحث سبل نصرة الإخوان المسلمين بالعالم للرئيس مرسي. ولذلك فحركة التوحيد والإصلاح ترى أن ما وقع لمرسي وقع لهم، وبالتالي فالنهوض للتظاهر والاحتجاج هو «واجب شرعي»، وتعبير عن نصرة المسلمين حيثما يوجدون. هذا المكون المذهبي هو نفسه الذي جعل الإخوان المسلمين في مصر مستعدين للتضحية بجزء من سيناء لإيواء عناصر حماس الفلسطينية، وهو نفس السبب الذي يجعلهم يقاتلون في سوريا اليوم، بل وجعل الرئيس المعزول مرسي يستضيف «قمة الجهاد لنصرة المعارضة بسوريا» وحث الشباب المسلم بالعالم ككل للنفير والقتال. وقبل ذلك جعلت الإخوان «يجاهدون» في اليمن والبوسنة والهرسك وأفغانستان والشيشان…
3 – أما ذريعة الشرعية التي يناضل الإسلاميون المغاربة من أجل استعادتها أسوة بإخوانهم في مصر، فتعبر عن طبيعة فهم كل فروع الإخوان المسلمين للسياسة وللفكرة الديمقراطية ولنمط تدبير الحكم، ذلك أن اصطفافهم المتأخر وراء العمل الديمقراطي الذين كانوا يكفرون منظريه لم يكن في الواقع سوى الجسر الذي يركبونه للوصول إلى الحكم، ومن ثم للانقلاب عليه. حدث هذا في مصر حين استولى مرسي وجماعته في ظرف سنة على المناصب العليا وأقر الإعلان الدستوري القائم على الاستبداد وحاصر القضاء والإعلام والفن والثقافة، وهو نفسه ما يحدث في المغرب اليوم، حيث قامت الحكومة الحالية بإصدار قانون تنظيمي واحد ألا وهو قانون التعيين في المناصب السامية لتتمكن من زرع أوتادها في الإدارة وبالقطاعات الحساسة وأيضا بتكذيب كل وعودها الانتخابية، بدءا من التراجع عن رفع نسبة النمو، والعمل باتجاه تحسين شروط الحياة للمواطن المغربي، وتعطيل العمل التشريعي…
نعم، إن مرحلة الوصول إلى الأجهزة التنفيذية والتشريعية في سلوك الإسلاميين ما هي إلا مرحلة انتقالية يتم فيها الاستيلاء على الدولة وأجهزتها على طريق استنبات كل شروط قيام الخلافة، دون أن يشركوا المعارضة في القرار، ودون الوفاء بمشاريعهم الانتخابية. وكذلك بدون استحضار أن الشرعية ليست فقط نتائج الانتخابات، بل هي الآلية التي تتضمن حماية التعدد السياسي والفكري المجتمعي. وهم ماضون في التجني على الديمقراطية فكرا وسلوكا فقط لأنهم مدججون بسلاح «الشرعية». وهذا ما يفسر انتفاضتهم اليوم من أجل عودة مرسي واستعادة «الشرعية» المفترى عليها.
4 – أما المفارقة الأخيرة في سلوك الجماعات الإسلامية فله وجه تنظيمي وآخر دبلوماسي. يتمثل الوجه التنظيمي في تماثل البنيان الهيكلي لهذه الجماعات، فهي تستند أولا على الجماعة الدينية ذات الطابع الدعوي التي يقودها المرشد العام في مصر، أو المراقب العام في الأردن أو الرئيس في المغرب و تونس.. ومن صلب هذه الجماعة تنحدر التنظيمات الحزبية بحيث تخضع لسلطات الجماعة الأصل وتأتمر بتوجيهاتها العامة. ومن ثم فالمسؤول الرئيسي عن سياسات الجماعة ليس الحزب، ولكنهم رجال الدين أصلا. بهذا المعنى فحزب العدالة والتنمية بالمغرب، وحزب العدالة والحرية في مصر، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحركة حماس في فلسطين، وحزب النهضة في تونس، ما هي إلا التجليات للجماعات الإسلامية في هذه الأقطار. ألم يكن خيرت الشاطر ومحمد بديع هما الحاكمان الفعليان في مصر؟ ألم يختر كل وزراء العدالة والتنمية في الحكومة المغربية من حركة التوحيد والإصلاح؟ ألا يعتبر 84 نائبا «بيجيديا» من أصل 107 بمثابة خلايا نائمة لحركة التوحيد والإصلاح في مجلس النواب؟ ألم تكن أول خطوة قام بها بنكيران بعد توليه رئاسة الحكومة هي زيارة مقر حركة التوحيد والإصلاح للمباركة والمبايعة، علما بأنه وفي لطقس شهري يتمثل في أداء منحة 3000 درهم من أجرته كمساهمة مادية في أنشطة الحركة؟
أما البعد الثاني فيهم نشاط الإسلاميين على صعيد العمل الدبلوماسي، ونمثل ذلك بنموذجين دالين:
الأول من مصر، حيث كانت تجري كل الاتصالات التي تقيمها السفارات مع المرشد العام للإخوان المسلمين، وليس مع رئيس الدولة. نذكر في هذا الإطار زيارة آن باترسون السفيرة الأمريكية بالقاهرة للمرشد العام محمد بديع، وهي (أي السفيرة الأمريكية) ليست بليدة، إذ لما ترغب أمريكا في التفاوض مع الدولة تقصد بيت المرشد العام للإخوان المسلمين بديع ولا تقصد القصر الجمهوري. لأن السفيرة الأمريكية تعي أن مركز القرار يوجد بمقر المرشد العام وليس بقصر محمد مرسي.
في نفس الإطار نقرأ زيارة السفير المصري بالمغرب أبو بكر حنفي محمود لحركة التوحيد والإصلاح عقب قرار عزل محمد مرسي. ولنا أن نتساءل حول معنى هذه الزيارة إن لم تكن التعبير البليغ عن وعيه بمكانة إطار حركة التوحيد وتحكمها في الذراع السياسي أي في حزب العدالة والتنمية، والمغاربة يقولون «اللي بغا يشرب يقصد راس العين». بهذا الخصوص توقف المحللون عند إشارة ذات دلالة عميقة، فإثر زيارة كاترين أشتون وزيرة خارجية الاتحاد الأوربي للرئيس المصري المعزول فوجئ المتتبعون بأن محمد مرسي لم يطلب إطلاق سراحه، ولكنه فقط كان يسأل عن المرشد العام، وناشد أشتون على أن تسخر كل جهودها كي يتم إطلاق سراح خيرت الشاطر، وهو ما يؤكد التراتبية التي نتحدث عنها، ولذلك علق أحدهم ساخرا إنه يطلب من رئيسيه أن يعملا على إطلاق سراحه.
نستنتج من عرض هذه المفارقات الوصول إلى تجديد القول بأن البناء المذهبي والتنظيمي لتيارات الإسلام السياسي تهدف أساسا إلى إقناعنا بأن فكرة الجماعة الدينية أكبر من فكرة الوطن، وبأن الولاء للجغرافيا الإسلامية أكبر من فكرة السيادة، وبأن صناديق الاقتراع أكبر من الديمقراطية ذاتها. ومن حظنا أن التجربة -النموذج لحكم الإخوانيين- قد سقطت في مهدها (مصر) وإلا كنا سنعيش تاريخا معاقا محجوز السيادة لا مشيئة فيه إلا للمرشد العام.

حركة التوحيد وتنظيم الإخوان المسلمين: التماثل التام

تقدم حركة التوحيد والإصلاح نفسها باعتبارها ثمرة اجتهادات الحركة الإسلامية المغربية، ونتيجة للتجاوب بين اجتهادات الإسلاميين المغاربة وإخوانهم في الشرق. وبرغم ذلك فإنها تؤكد على «مسافة تنظيمية من حركة الإخوان المسلمين»، وكذلك على مسافة من بعض اجتهادات هذه الحركة.
إذا ما دققنا النظر في هذا القول على ضوء تاريخ الكيانين وهيكلتهما التنظيمية، وكذلك على ضوء تقييم فترة ممارستهما للحكم من خلال حزب العدالة والتنمية في المغرب (نونبر 2012 إلى الآن) وحزب الحرية والعدالة في مصر (يونيو 2012 – يوليوز2013)، فسنجد أن هناك تماثلا بين الكيانين لا يخرج عن الإطار العام الذي رسمه حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في الثلث الأول من القرن العشرين. وحين نمعن النظر في أدبيات حركة التوحيد والإصلاح نجد أن ميثاقها المصادق عليه سنة 1998 يستمد منهجه من النظام العام لحركة الإخوان المسلمين، فهو يقسم مواده إلى مقاصد وأهداف ووسائل تماما كما لدى نظرائهم المصريين، حيث يجري الاتفاق على بناء دولة الخلافة الإسلامية وفق مبدأ التدرج في إقامة الدين على مستوى الفرد أولا، ثم الأسرة. فالمجتمع والدولة (بتعبير ميثاق الإصلاح والتوحيد)، أو التدرج في إقامة الدين على مستوى الفرد المسلم ثم البيت المسلم، المجتمع المسلم وصولا إلى الدولة الإسلامية الواحدة والدولة الإسلامية العالمية كهدف عام بصفة الإخوان المسلمين.
إن هذا التماثل لا يخص علاقة التوحيد والإصلاح بالإخوان المسلمين. بل هو الناظم لكل فروع الإخوان في العالم مع الاحتفاظ بدور القيادة لجماعة مصر التي تخضع لبناء تنظيمي يتصدره المرشد العام ثم مكتب الإرشاد فمجلس الشورى. يتداخل المذهبي مع التنظيمي، حيث نجد تماثلا آخر على مستوى العمل السياسي. فحين اختار الإخوان المسلمون الانخراط في العملية الديمقراطية خلقوا ذراعهم السياسي الحزبي ممثلا في حزب الحرية والعدالة وأبقوا على آليات التحكم فيه توجيها وتنظيما فكل السلطات مركزة في يد المرشد العام (محمد بديع) وليس رئيس الحزب (محمد مرسي). وهو نفس التصور الذي حدث في الحالة المغربية، إذ يمثل حزب العدالة والتنمية التجسيد الحزبي والسياسي للتوحيد والإصلاح. فالقرار الفعلي يبقى بيد محمد الحمداوي رئيس الحركة، أما عبد الإلاه بنكيران فمجرد واجهة مكلف بمهمة لتصريف موقف الحركة.
معنى ذلك أن الحديث عن الخصوصية المغربية في ميثاق الذراع المغربي، ليست إلا حديثا للاستهلاك ودرءا للشبهة، أما واقع الحال والممارسة فيؤكد مذهبيا وتنظيميا أننا إزاء تيار يسكن ماديا في المغرب لكنه يقيم روحيا في جغرافيا مفترضة هي إقامة الدولة الدينية في المغرب، أي الطريق إلى أخونة العالم.

العدد531
أعد الغلاف: عبد الرحيم أريري