سياسة وحقوق الانسان

” الديمقراطية السياسية”، وتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي” ـ خالد غميرو

Joomla скачать

علا اليوم مطلب /شعار الديمقراطية في العالم بشكل لم يسبق له مثيل بل أصبح هو المؤطر الأساسي لكل الحركات السياسية خاصة في العالم العربي وما يسمى بدول “العالم الثالث”، بعد ما عرفته ولا زالت تعرفه من انتفاضات واحتجاجات تطالب بالديمقراطية كمطلب أساسي ورئيسي لحل أزمة الحكم وأزمة حقوق الإنسان والحريات وكرامة العيش، فجميع التيارات والأحزاب والحركات السياسية أصبحت ترفع “شعار الديمقراطية” رغم اختلاف توجهاتها وإيديولوجياتها، بل حتى بعض التيارات الدينية التي كانت إلى وقت قريب تنشد الحكم بإقامة “دولة الخلافة” أو “الدولة الدينية” أقحمت في مطالبها وشعاراتها “الديمقراطية” لتساير هذه (الموضة) وتكون طرفا في هذه الديمقراطية المنشودة. إن هذا التحول الكبير اليوم في المطالبة بالديمقراطية بهذه الحدة يطرح في نفس الوقت مجموعة من التساؤلات حول الديمقراطية نفسها؟ وماهية المضامين التي يحملها هذا المطلب أو هذا الشعار اليوم؟ ولماذا هذا النزوح الجماعي نحو الديمقراطية بهذا الشكل؟
من الطبيعي أن هذا النزوح الجماعي نحو “الديمقراطية” يجب أن يوازيه ويلازمه نقاش و وعي جماعي/مجتمعي حول طبيعة الديمقراطية، ومن المفترض أن تتحرك معه أقلام المثقفين والمفكرين لتخط معنى واضحا وتحدد ملامح المجتمع الديمقراطي ليستطيع السياسيون وبشكل دقيق رسم المعالم الكبرى للمجتمع الديمقراطي، كما حدث في أوروبا الغربية إبان وقبل ما سمي بالنهضة الأوروبية وما تبعها من هزات سياسية واجتماعية غيرت تاريخ أوروبا والعالم بالكامل. لكن ما يحدث عندنا اليوم هو واقع مغاير تماما لما حدث في أوروبا آن ذاك، فكلما ازدادت حدة المطالبة بالديمقراطية اليوم إلا ويزداد الغموض بالنسبة لهذه الديمقراطية المنشودة وشكلها أو أشكالها وتعبيراتها اليومية، خصوصا عندما نتحدث عنها في ظل تطور هيمنة النظام النقدي الرأسمالي العالمي وهيمنة الشركات المتعددة الجنسيات والبنوك على سياسة الدول و ثروات الشعوب كما لم يسبق أن هيمن نظام اقتصادي وسياسي بهذا الشكل على مر تاريخ البشرية. لذا إما من الغباء أو من التواطؤ أن نرفع مطلب/ شعار الديمقراطية دون أن نستحضر هذا الوضع العالمي ويكون لنا منه نقد وموقف واضح ودقيق، لأنه وطالما أن الديمقراطية تعني بشكل عام حكم الشعب لنفسه وتقريره لمصيره السياسي والاقتصادي والثقافي فإنها تتناقض بشكل صارخ مع طبيعة ما وصل إليه اليوم النظام الرأسمالي العالمي.
ديمقراطية السلطة السياسية
إن هذا القبول الجماعي للديمقراطية والمطالبة بها اليوم حتى من طرف الحركات السياسية التي كانت في ماض قريب تنبذ فكرة الديمقراطية وتعتبرها مجرد فكرة “إصلاحية” في ظل النظام الرأسمالي المهيمن عالميا، أوجدت الكثير من المبررات والتحليلات لتبني هذا الشعار وهذا المطلب اليوم، لكن حقيقة الأمر أن هذا “التراجع”* ليس مرده مراجعة واقعية وموضوعية للتطورات السياسية والاجتماعية التي حصلت في العالم – بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار الإتحاد السوفيتي ونهاية “الحرب الباردة” – بل هو ردة فعل ناتجة عن “انعدام” القراءة العلمية لهذه التطورات والنقد موضوعي للتاريخ وإعادة صياغته، وبالتالي عن عدم القدرة على خلق نموذج جديد يخرج المجتمع من أزماته ويحقق الرفاهية لأفراده. إذن يمكن أن نقول أنه نوع من التسليم والتعايش مع الرأسمالية ومحاولة انتزاع بعض المكاسب الغير الثابتة عبر “السباق الجماعي المسموح به” على السلطة السياسية ، لأنه يلعب دورا تمويهيا لاستمرار الوضع الاقتصادي والاجتماعي وينفس عن أزماته لكي لا يصل لدرجة الانفجار في كل مرة، وهذا السباق بطبيعة الحال لكي يكون نزيها يجب أن تكون وسائل وآليات ومؤسسات الحكم، “شفافة” و “ديمقراطية” لتضمن للجميع التداول عليها، ومن البديهي أيضا أن تكون التحالفات السياسية بجميع أنواعها مباحة، حتى التحالفات الهجينة منها بين برامج وإيديولوجيات متناقضة “فالهدف بطبيعة الحال يبرر الوسيلة”. إنها فعلا لعبة سخيفة ستضمن دائما السلطة الحقيقية للمؤسسات المالية والشركات الكبرى وستستمر أزمات المجتمع وتبقى الشعوب مقيدة وثرواتها مستعمرة وتعطينا دائما نموذجا واحدا للدولة وهو ما يسمى “بالدولة الشركاتية”*. إذن من يدعي أنه يمكن تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي عن طريق هذه”الديمقراطية” في ظل هذه الهيمنة العالمية إما أن له مصلحة من وراء هذا الإدعاء ولاتهمه سوى المشاركة في لعبة “ديمقراطية السلطة السياسية” وإما أنه يفكر خارج هذا السياق والوضع العالمي.
إذن وبما أن “الشعارات السياسية التي تسود في مرحلة تاريخية معينة تعكس ولابد ، بشكل من الأشكال، شيئا ما في الواقع وما يدور فيه من صراعات “إيديولوجية “وعلاقات اجتماعية ، فإن شعار “الديمقراطية” الآن في هذه المرحلة هو ما يعكس الصراع العالمي على السلطة السياسية، الذي يصب في ضمان استمرار الرأسمالية العالمية التي ستؤدي في النهاية لا محالة إلى تدمير الكرة الأرضية وكل من عليها عبر تدمير مواردها. وإن هذا الشعار هو أيضا في بعده السياسي، القانوني، ليس سوى شعار تمويهي يقدم كتلك العصا السحرية التي ستحل مشاكل المجتمعات وأزماتها الاجتماعية والاقتصادية، وفي الحقيقة أن البشرية على مر تاريخها لم تعرف قانونا أكثر غموضا من “الديمقراطية” الآن، رغم أنها تبدو مفهومة وواضحة للجميع.
بعودتنا إلى الفكرة الأصيلة التي تأسست عليها “الديمقراطية” اليوم بكل ما تحمله من معاني وأشكال وهي “حكم الشعب لنفسه بنفسه”، وبتلك الصور والأشكال التي كانت تأخذه هذه الفكرة في بداياتها وارتباطها بمستويات الوعي والنقاش الذي كان آنذاك ، وما كانت تعكسه من علاقات ومشاكل اقتصادية واجتماعية وصراعات وقضايا ، والذي لا يمكن أن نسقطها ببساطة على واقعنا العالمي اليوم وما وصل إليه من تطور صناعي وعلمي وتكنولوجي وأثر هذا كله على الوعي والإدراك الإنساني. بالتالي هل من الممكن ومن المعقول أن نتحدث عن الديمقراطية اليوم وبنفس هذا المضمون؟؟ ومن هو هذا “الشعب” الذي تطالب هذه الحركات السياسية اليوم الحكم له؟ وأين يظهر هذا الشعب كوعي وإدراك لهذه “الديمقراطية” المنشودة الذي يتحدث عنها جميع هؤلاء السياسيون باسمه و(بنيابة عنه)؟
ستكون الإجابة “البديهية” عن هذا السؤال الأخير بأن هذا الإدراك يظهر في كل هذه الاحتجاجات العفوية للفئات الاجتماعية التي تخرج للشوارع مطالبتا بالخبز وبتحسين ظروف العيش..إلخ. لكن هل هذا يعني أن هناك وعي أو حاجة لهذا “الشعب” بهذه الديمقراطية أو بالحكم أو بكل هذه الشعارات السياسية؟ إنها “أسطورة”* أخرى تضاف إلى كل تلك “الأساطير السياسية” التي تبعت على المزيد من الغموض والمزيد من التمويه لطبيعة الوعي الذي يحتاجه مجتمعنا الإنساني و الذي يجب أن ينطلق منه لتحقيق رفاه العيش والحرية لأفراده.
الإدراك و الوعي الاجتماعي
إن المبدأ الأساسي والطبيعي الذي يحدد أي نوع من التغيير هو الوعي بهذا التغيير، وإن وجود أي نوع من الوعي هو دائما محكوم بالتفاعل مع الظروف والبيئة المحيطة به، وما أقصده هنا بالتفاعل هو درجة القبول أو الرفض لهذه الظروف و هذه البيئة. وهذا المبدأ يظهر بوضوح في علاقة الحيوانات مثلا ببيئة معينة، فعندما تصبح هذه البيئة لا توفر لهم الطعام والماء والأمان تصبح مرفوضة بالنسبة لها وتبدأ بتغييرها، وذلك يكون عن طريق الهجرة إلى مكان أخر أكثر وفرة، وإن لم يكن لها مكان آخر تهاجر إليه فمصيرها الانقراض. انطلاقا من هذا المبدأ يمكن أن نحدد بصورة عامة طبيعة ومحددات الوعي الذي يحتاجه مجتمعنا لتغيير بيئته وظروفه.
الأكيد أن أغلب الفئات الاجتماعية في مجتمعنا ترفض بدرجة وبمستوى معين الظروف والبيئة التي تعيش فيها، وهذا الرفض يظهر جليا في احتجاجاتها “العفوية” ومجموعة من الممارسات التي تأتي كردة فعل وكنوع آخر من الاحتجاج الناتج عن هذا الرفض (كالسلوك الإجرامي والعنف والإدمان والنزوح نحو الخرافة والهجرة …) ولكن هذا الرفض يبقى غير واضحة أسبابه وتفسيراته عند هذه الفئات الاجتماعية، أو بمعنى أدق “ليس هناك وعي بهذا الرفض” وطبيعته وهذا ما يعمل النظام الاجتماعي والاقتصادي الحالي على مقاومته وطمسه بكل الطرق والوسائل، بخلق المزيد من التمويه والغموض عن طريق الخرافة والإعلام والسياسة والتعليم…إلخ إنه ذلك الوعي الطبيعي بالرفض الذي يؤدي لا محالة إلى تغيير البيئة والظروف. رغم أن حياتنا نحن البشر أصبحت أكثر تعقيدا من هذا “المبدأ الطبيعي البسيط”، فنحن لا نستطيع تغيير بيئتنا عن طريق الهجرة لأن العالم بأكمله أصبح يعاني من الندرة التي يخلقها هذا النظام الاحتكاري، و برغم من أن مواردنا الطبيعية لازالت متوفرة وقادرة على توفير الرخاء لكائنات الأرض كلها، وبل أكثر من ذلك إن ما وصل إليه تطور العلوم والتكنولوجيا قادر على إيجاد وتوفير موارد أخرى وتطوير مواردنا الحالية وضمان تجددها.
إن الوعي الذي يتحدث عنه السياسيون والإعلاميون وبعض المثقفون الآن، والذي يضعونه تحت مسميات كثيرة مثل الوعي الشعبي والجماهيري، أو الوعي السياسي أو الطبقي، يبقى دائما في حدود ذلك السباق أو النزاع على السلطة وفي تغيير غير ثابت للبيئة الاجتماعية التي تخلق دائما أزمات الندرة، وهذا ما أثبتته تجارب التاريخ السابقة حتى تلك التي كانت تطمح بشدة لتغيير هذا النظام، إذن يبقى علينا أن نتساءل من أين يمكن أن نبدأ ؟ وكيف يمكن تحقيق هذا الوعي الاجتماعي الطبيعي؟
خير مثال يمكن أن نعطيه من واقعنا اليومي وبه يمكن أن نحاول الإجابة عن سؤال من أين سنبدأ، هي تلك الطريقة التي نتعامل بها مع أزبالنا وفضلاتنا والأشياء التي لم تعد لنا حاجة بها والتي فرضها علينا نظام الاستهلاك، فالمهم لنا هو أن نخرجها من “منازلنا” لا نفكر ولا يهم أبدا أين ستذهب هذه الفضلات والمهملات ولا من سيتحمل مسؤوليتها وكيف؟ لكن بالمقابل نتذمر عندما تصل المزابل إلى الأماكن والمدن التي نسكن فيها، وسنحمل المسؤولية بطبيعة الحال لعمال النظافة أوللمؤسسة الحكومية أو الشركة التي تتكفل بجمع أزبالنا والتي هي في الأصل لا تهمها أيضا أين تذهب هذه الأزبال، فالمهم لها هو ما تحصله من ضرائب لقاء إنجاز مهمة نقل الأزبال. لكن ماذا لو بدأ كل واحد فينا بالتفكير والاهتمام لمصير فضلاته و أزباله وأنها في الأخير ستؤثر على محيطه وبيئته بشكل سلبي؟ الأكيد أن أشياء كثيرة في حياتنا اليومية وفي طرق استهلاكنا ستتغير وسنبدأ في البحت عن الحلول لهذه المشكلة، و التأثير في هذه المؤسسات والشركات التي لا يهمها سوى استغلالنا وتدميرنا، هذا النوع من السلوك والتفكير ينعكس أيضا ويسود داخل مؤسسات المجتمع من إدارات ومنظمات وجمعيات وأحزاب… فمثلا تجد أن جميع من هم على رأس هرم هذه المؤسسات يصدرون الكثير من القرارات اليومية، لكن لا يهم مناقشة هذه القرارات وتتبعها، ومن سيتحمل مسؤوليتها وكيف وإلى أين ستصل في النهاية…هذا ليس سوى مثال بسيط من ضمن الأمثلة الكثيرة والمتعددة التي تدل على شذوذ السلوك الجماعي، الذي هو نتيجة طبيعية للشذوذ الاجتماعي والاقتصادي للنظام الرأسمالي، والذي يمكن تغييره بخلق القليل من التفكير والاهتمام.
إنه نوع آخر من الاحتجاج الذي لا يحتاج للعنف والكثير من الجهد ويتجه إلى التغيير في عمق بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يدمر يوم عن يوم بيئتنا ومواردنا المشتركة. و إن لم نعمل على تقوية هذا الرفض الجماعي عن طريق الممارسات والقيم الإنسانية في حياتنا اليومية، فسنبقى دائما ندور في حلقة مفرغة ونلعب نفس اللعبة ، ونعيد نفس التجارب و الأخطاء، لأن “الوعي السياسي العلمي المتقدم” ليس إلا نتيجة طبيعية لوعي “اجتماعي إنساني متقدم”.
“نحن نعيش في عالم حيث الطبيب يدمر الصحة والمحامي يدمر العداله والجامعه تدمر المعرفة والحكومة تدمر الحريه والصحافه تدمر المعلومة والدين يدمر الاخلاق والبنوك تدمر الاقتصاد، طالما النظام فاسد فبلا شك نحن فاسدون “كريس هيدجيز”

*”التراجع”* : قبل انهيار الإتحاد السوفيتي كان مطلب “الاشتراكية” أو الانتقال “نحو الاشتراكية” في ما يسمى تحقيرا بدول “العالم الثالث” وفي بعض دول أوروبا هو المطلب الأساسي للحركات السياسية والحركات التحررية، والذي كان على الأقل مطلبا أكثر وضوحا لبعده وطابعه الاجتماعي الاقتصادي والذي كان يقدم كبديل وكحل “أكثر وضوحا”.
*”أسطورة الشعب”: لم أعرض هنا بما فيه الكفاية ما أقصده بهذا “التعبير”، لأني أريد إرجاء ذلك إلى نص آخر، سأحاول أن أقدم فيه -بشكل أكثر تفصيلا- كل تلك “الأساطير السياسية” و الشعارات التي يخلقها النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، من أجل التمويه و إشاعة المزيد من الغموض.
*”الدول الشركاتية”: إنه وصف لطبيعة مؤسسات الحكم والحكومات في النظام الرأسمالي العالمي التي تخضع للإرادة السياسية والاقتصادية للشركات الكبرى والبنوك، وهذا الوصف استعمله الكاتب الصحفي الأمريكي كريس هيدجيز في إحدى مقالته التي ينتقد فيها سياسة الولايات المتحدة الأمريكي.