آخر التطورات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على العالم العربي

الشبكة العربية العالمية:  محمود يوسف بكير

الثلاثاء, 20 آب/أغسطس 2013

كنت في مهمة علمية في جامعة كولومبيا في نيويورك طوال الشهر الماضي (يوليو 2013) وكولومبيا واحدة من أهم عشرة جامعات في العالم حيث تضم مراكز عديدة للأبحاث والدراسات في كافة العلوم الطبيعية والإنسانية وبالمناسبة فإن الرئيس باراك اوباما من خريجي هذه الجامعة.

تناولنا بالبحث والدراسة والنقاش موضوعات عديدة من أهمها الابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لظاهرة العولمة وتبعاتها على دول العالم الثالث خاصة الاقتصاديات الناشئة وهل أدت العولمة الى الحد من الفقر وعدم المساواة أم الى زيادتهما بين دول العالم وحتى داخل الدولة الواحدة؟ وهل تمثل العولمة هجوماً على الثقافات المحلية؟ كما تناولنا بالبحث أيضاً آليات النمو الاقتصادي العالمي الحالي وما إذا كان قابلاً للاستمرار والاستدامة وهل الاستثمارات الاجنبية شيء جيد للدول النامية؟ وقد رأيت أن أطلع قراء الحوار المتمدن على نتائج بعض هذه الابحاث من باب العلم والإفادة.

وحيث إنني من المؤمنين بأن الاقتصاد السياسي واحد من أهم العلوم الانسانية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر ومؤثر فقد رأيت كبداية أن أخص هذا المقال بعرض مبسط لبعض التطورات الهامة على ساحة الاقتصاد العالمي لما سوف يكون لها من تداعيات على الاقتصاديات العربية على المدى القريب. ولأن ما يحدث اليوم هو تواصل لما حدث بالأمس فإنه من الأهمية ان نعود إلى الوراء قليلاً وبالتحديد إلى عام 2008 حيث تعرض الاقتصاد الامريكي لهزة عنيفة نتيجة للتدهور السريع الذي أصاب قطاع الرهونات العقارية وهو ما أدى إلى انهيار بنك الاستثمار الامريكي الشهير ليمان براذرز في أواخر 2008 وقد كتبت وقتها عرضاً مبسطاً لما حدث وهو منشور على صفحتي بالحوار لمن أراد تذكر تفصيلات هذا الموضوع.

وقد طالت هذه الأزمة الخطيرة كافة المؤسسات المالية الكبرى في أمريكا مثل سيتي جروب وميريل لينش وبنك أوف أمريكا …..الخ وقطاعات العقارات والتأمين والسيارات بشكل خاص وتطورت الآثار السلبية لهذه الأزمة إلى موجة كساد شملت العالم كله فيما عرف بالأزمة المالية العالمية والتي لم يحدث مثلها منذ الكساد الكبير الذي ضرب العالم في أواخر الثلاثينات من القرن المنصرم والذي بدأ في أمريكا ايضاً واستمرت أثاره السلبية عقدا كاملا .

ولأن الأزمات الاقتصادية العالمية الكبرى تأتي دائماً من أمريكا باعتبارها قاطرة الاقتصاد العالمي فإن الحلول تأتي أيضاً من هناك، حيث بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي (البنك المركزي) وقتها ومن خلفه كل البنوك المركزية الغربية في اتباع سياسة نقدية تتمثل في تخفيض اسعار الفائدة بشكل متوالي لتحفيز الاقتصاديات الغربية على النمو من جديد وتحقيق معدلات تشغيل عالية للحد من البطالة المتفشية في أوروبا وأمريكا.

إلا إنه وبالرغم من تخفيض أسعار الفائدة على كل العملات الرئيسية إلى الصفر تقريباَ ظلت معدلات النمو في الاقتصاديات الغربية ضعيفة جداً كما ظلت معدلات البطالة مرتفعة ومن ثم بدأ بنك الاحتياطي الأمريكي في استخدام سلاحه الثاني وهو ما يسمى بالإنجليزية ( QE ) Quantitative Easing أو التوسع الكمي وبموجب هذه السياسة يقوم البنك بطرح إصدارات نقدية جديدة دون أي غطاء (يصل حجمها إلى 85 بليون دولار شهرياً) يستخدمها في شراء سندات من الأسواق المالية في أمريكا فيما يسمى بسياسة السوق المفتوح مع الإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية قريبة من الصفر وهي سياسة نقدية جريئة وعنيفة لم تتبع منذ الكساد الكبير.

وبحسبة بسيطة يتضح ان مجموع السيولة النقدية المصطنعة التي يقوم الاحتياطي الأمريكي بضخها في شرايين الاقتصاد العالمي لإنعاشه تصل إلى تريليون دولار في العام وحيث أن مجموع الناتج المحلي الأمريكي ( (GDPيصل إلى حوالي 15 تريليون دولار في العام فإن نسبة السيولة الجديدة إلى ال GDP تكون حوالي 7% وهي نسبة كبيرة.

وبالفعل بدأت هذه السياسة النقدية الجريئة في تحقيق الأهداف المتوخاة منها حيث ارتفع معدل النمو الاقتصادي في امريكا إلى ما يقارب 3% سنوياَ كما أن نسبة البطالة انخفضت من حوالي 9% في عام 2011 إلى حوالي 7% حالياً وهي نسبة تحسن كبيرة، وبالإضافة الى هذا فإن كل الاقتصاديات العالمية استفادت من هذه السيولة الكبيرة بشكل مباشر حيث أدت إلى رواج كبير في التجارة العالمية وزيادة الطلب على المواد الخام والبترول وتسجيل الاقتصاديات الناشئة الموردة لهذه المواد لمعدلات نمو مرتفعة.

ولأن الاحتياطي الفيدرالي لا يمكنه الاستمرار في هذه السياسة التوسعية إلى مالا نهاية نتيجة لما تنطوي عليه من مخاطر التضخم وفقدان السيطرة على قيمة الدولار وتهديد الاستقرار المالي بشكل عام ، فمع أول بوادر التحسن في الاقتصاد الامريكي ألمح رئيس الاحتياطي الفيدرالي ( بن برنانكي ) مؤخراً إلى أن تحسن معدلات النمو والبطالة في امريكا جعلته في وضع يمكنه من البدء في الخفض التدريجي لسياسة التوسع الكمي “QE” لاحقاً في العام الجاري وإذا ما ثبت أن الاقتصاد الامريكي سيظل متعافياً فإن برنامج شراء الأصول المالية قد يتوقف تماماً في منتصف عام 2014 .

وتتوقع الأوساط المالية أن يتم تخفيض قيمة السيولة المخصصة لشراء هذه الاصول من 85 بليون دولار حاليا إلى 65 بليون دولار شهرياً بدءاً من شهر أكتوبر القادم، ولكن السيد برنانكي أكد على أنه قد يعود في أي لحظة يضعف فيها الاقتصاد الامريكي إلى سياسة ال QEمجددا .

وتثير هذه التوقعات الكثير من القلق على مستوى كل دول العالم لأن لا أحد يدرك كيف سيكون حال الاقتصاد العالمي بدون هذه السيولة الكبيرة التي داوم الاحتياطي الامريكي على ضخها طوال السنوات الماضية منذ الأزمة المالية العالمية خاصة وأن هذا التطور المقلق يتواكب مع اتجاه معدلات النمو الاقتصادي في الصين إلى الانخفاض واستمرار حالة الضعف الاقتصادي في منطقة اليورو.

ومبعث هذا القلق هو أن معظم الاقتصاديات الناشئة تعتمد على الصادرات كمحفز اساسي للنمو ومن ثم فإن انخفاض السيولة المعروضة من جانب الاحتياطي الفيدرالي إلى جانب انخفاض معدلات النمو في الصين من 10% الى 7% وما يتبعه من انخفاض طلبها على المواد الخام والبترول التي تصدرها الدول النامية والآخذة في النمو بما فيها الدول العربية يعني أننا مقبلين على أيام صعبة بسبب الانخفاض المتوقع في الطلب على هذه المواد ولذلك يتوقع معظم الاقتصاديين بما فيهم كاتب هذه السطور أننا نقترب من موجة جديدة من التباطؤ ـ ولا أقول الكساد ـ الاقتصادي على مستوى العالم .

وعلى ما يبدو فإن هذا التطور المتوقع هو ما دفع القيادة الجديدة في الصين إلى السعي بجدية لتغيير نمط النمو الاقتصادي المعتمد على التصدير بشكل أساسي إلى نمط تحفيز الطلب والإنفاق المحلي كأساس للنمو وهذه السياسة في رأينا أكثر ملائمة للصين باعتبار أنها تمتلك سوقاً محليةً كبيرة يمكنها استيعاب جزء كبير من الطاقة الانتاجية الهائلة للصين التي تحولت بالفعل في السنوات الاخيرة إلى المورد الصناعي الأساسي للعالم كله.

ورغم توقعاتنا بعدم قدرة الاقتصاد الامريكي على مواصلة النمو بدون أي نوع من وسائل التسهيل الكمي QE)) التي أدمنها هذا الاقتصاد في السنوات الاخيرة فإنه يتحتم علينا كدول عربية أن نأخذ هذه التطورات الاقتصادية المتوقعة على الساحة العالمية مأخذ الجد وأن نستعد لها من خلال الاهتمام بالأسواق المحلية وزيادة التجارة البينية بين الدول العربية عوضاً عن الاسواق الاوروبية التي نتوقع ان تنكمش على نفسها بسبب المشاكل النقدية المعقدة ومعدلات العجز المالي الكبيرة التي تعاني منها معظم دول مجموعة اليورو.

ومن الأهمية بمكان أيضاً أن تعمل دول الفائض في المنطقة العربية وعلى رأسها المملكة السعودية على توجيه جزء من فوائضها الضخمة إلى الاستثمار في الدول العربية وبمقدورها الحصول على ما تشاء من ضمانات وذلك بدلاَ من إيداعها في الاسواق المالية الغربية ذات العائد المتدني.

ولو تحقق هذا الحلم، أي حلم أن توجه دول الخليج العربي جزءاً معقولاً من فوائضها إلى دول الجوار في المنطقة العربية فإنه سيكون بمقدور دول الفائض أن تحقق عوائد أفضل بكثير على استثماراتها الأجنبية من ناحية بالإضافة إلى المساهمة بشكل فاعل في معالجة مشكلة اتساع الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة في المنطقة العربية من ناحية أخرى. وعلى سبيل المثال فإن دولتين مثل مصر واليمن عانتا كثيرا بعد ثورتيهما السلميتين ضد أنظمة حكم مستبدة وفاسدة من جراء الحصار الحديدي الذي فرض عليهما بدعم من بعض دول الخليج العربي خوفاً من نجاح هذه الثورات الشعبية وانتقال عدواها مما أدى إلى انهيار مصر واليمن اقتصادياً بالإضافة إلى نمو التيارات السلفية والجهادية فيهما بشكل لم تعرفه الدولتان في تاريخهما الطويل الذي اشتهرتا خلاله بالإسلام الوسطي المستنير والاعتدال ، ولكن الفقر والبطالة والفساد والاستبداد والحصار ساهموا جميعاً في تغيير الشخصية المصرية واليمنية بشكل حاد في مدى زمني قصير للغاية وأصبح التطرف ظاهرة معتادة وسط الليبراليين والإسلاميين على حد سواء.

ومن الناحية الاقتصادية أدى الحصار والاضطرابات التي لا تنقطع في البلدين إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم فيهما بشكل خانق وهناك الآن الاف المصانع والشركات المتعثرة التي اضطرت لتسريح معظم عمالها، هذه الشركات تمثل استثمارات جاهزة لفوائض الخليج، إنها شركات واعدة وذات أصول جيدة وعمال مهرة وكل ما تحتاجه للقيام من جديد هو بعض السيولة وبعض الاستثمارات البسيطة وإعادة جدولة التزاماتها حتى تبدأ عجلتها الانتاجية في الدوران من جديد وينطبق نفس الوضع على كل من تونس والسودان وقريباً سوريا.

وحده الاقتصاد السياسي الذي يمكنه المساهمة بشكل ايجابي في استقرار المنطقة والحد من مخاطر انتقال الاضطرابات من دول المنطقة الفقيرة إلى عقر الدول الغنية من خلال ما يسمى بالإسلام السياسي وهو ما تخشاه دول الفائض وتعمل على محاربته من خلال سياسات الاحتواء ودعم قوى معينة داخل دول الربيع العربي وهي سياسة عقيمة لا تحل المشاكل ولا تزيد الأمور إلا تعقيداً.

والخلاصة أن مبادئ الاقتصاد السياسي ذو البعد الاجتماعي التنموي والإنساني يمكن أن يحل الكثير من مشاكل المحرومين والمظلومين والمهمشين في المنطقة ويحد من تنامي دور الإسلام السياسي المرشح للنمو والانتشار في ظل التغيرات الاقتصادية على الساحة الدولية التي أشرنا اليها والتي يمكن أن تؤدي إلى زيادة الفقر وعدم المساواة كما أسلفنا.

ومرة أخرى نعيد ما سبق أن أكدناه في مقالات سابقة لنا وهو أن تكلفة تنمية الشعوب العربية اقتصادياً واجتماعيا أقل بكثير من تكلفة قمعها ولكن زعماء المنطقة لا يسمعون.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي مصري