أقباط ومسلمون.. مصنف يحاصر العلاقة ويتتبعها تاريخيا

جاك تاجر يقر في كتابه بأن مرحلة محمد علي كانت من أكثر المراحل تسامحا مع الأقباط، عبر الاعتراف القانوني بالمساواة بين المسلمين والمسيحيين.

العرب  [نُشر في 22/08/2013، العدد: 9297،

منذ البداية يصرح جاك تاجر أنه سيكون محايدا في حديثه عن العلاقة بين الأقباط والمسلمين بقوله صراحة: «تعرضت لموضوع العلاقات بين الأقباط والمسلمين بدافع المؤرخ الذي يسرد الحوادث على حقيقتها لا بشعور القاضي، الذي يحكم بين طرفين».

ويرى تاجر أن شعب مصر لم يعرف تاريخ العلاقات بين المسلمين والأقباط إلا عن طريق الأقاصيص والحوادث التي شوهتها الأحقاد القديمة، ونقلها أو بالغ فيها أناس لم يعتمدوا على المنطق السليم في تفكيرهم.

ومن خلال تتبعه التاريخي للمسألة يذهب الكاتب إلى أن المسيحية ظهرت في مصر قبل الفتح الإسلامي بستمائة عام.

وقد اتفق عدد من الدارسين على أن المسيحية ظلت غريبة على أهل مصر، كما ادّعوا أن نجاح العرب يرجع بصفة عامة إلى أن الإسلام اجتذب أقباط مصر، الذين تعبوا من تزمُّت كنائسهم وتضييقها عليهم، ويكفينا القول بأن المسيحية المصرية قبيل الفتح الإسلامي إنما كانت بالنسبة للشعب المصري، أداة للتحرر السياسي والتخلص من نير الحكم البيزنطي.

ويرى جاك أن الدين كان يحتل مكانة عظيمة في كيان الأقباط الوطني، وكانوا يعتقدون اعتقادا راسخا أنهم لو حصلوا على استقلالهم الديني لنالوا زبدة خصائص حريتهم السياسية. ويعتقد صاحب كتاب «مسلمون وأقباط» أن العلاقة لم تتغير كثيرا ولم تصبح عدائية بعد الفتح الاسلامي، فقد استن المشرع المسلم لأهل الذمة عددا من القوانين استلهمها من تعاليم القرآن والحديث، غير أن الفقهاء لم يستطيعوا دائما فرض وجهة نظرهم على الحكام، وكان هؤلاء يحيدون عنها كلما اضطرتهم ظروفهم ومصالحهم إلى ذلك.

ويبرز الكاتب العلاقة بين العرب واستعدادهم للتعامل مع الأقباط من خلال التوقف عند بعض المعطيات من بينها أن النبي محمد كان يعطف على الأقباط، إذ حسب الكاتب أن فتح العرب لمصر كان مقررا قبل وفاة النبي، وعلى كلّ فقد كانت مصر تحتل مكانة مرموقة ضمن خطط توسع الإسلام العسكري. وأن العرب لم يجدوا مبررا سياسيا لفتح مصر، فقد تساءل كثير من الكُتَّاب عن الأسباب التي دعت العرب إلى فتح مصر، وحاول بعضهم أن يجد حلٍّا لهذه المسألة، غير أنه من الصعب الوصول إلى مبرر سياسي لهذه الفتوحات، لاسيما وأن المؤرخين المسلمين وفَّروا على أنفسهم مشقة البحث في هذا المضمار. يتطرق الكاتب بعد ذلك إلى الضرائب الأولى التي فرضت على الأقباط ويرى أن أكثر اهتمام العرب كان منصبٍّا على قيمة الجزية التي ستفرض على المغلوب. ولما كان العرب في حالة لا تسمح لهم بابتكار أي نظام للضرائب، فقد نقلوا النظم المتبعة عند البيزنطيين.

تفاؤل الأقباط وردود فعلهم

يشير الكاتب بعد ذلك إلى أن الأقباط أدركوا أنهم بالغوا في تفاؤلهم، لأن الحكومة مهما كانت متسامحة لا تستطيع أن تعيش دون جباية الضرائب، وزادت خيبة أملهم عندما أدركوا أن الفاتح الجديد كان يريد أن ينعم بثمرة انتصاره، لذلك لم يلبثوا أن وضعوا نصب أعينهم أمام هدف واحد هو تغيير حكامهم الجدد والتحرر من ربقتهم.

وقف الشعب في أثناء الفتح موقف المحايد، الذي يعطف على العرب، ولكن بعض الأقباط الذين يسكنون ضواحي الإسكندرية انحازوا إلى البيزنطيين، وانضموا إلى صفوفهم عندما قام هؤلاء بهجوم مضاد على العرب.

كما يشير الكاتب إلى أن الأقباط لم يحركوا ساكنا بعد مقتل عثمان والانشقاق الذي حدث بين أنصارعلي بن أبي طالب وأعدائه، وقد أثار هذا الموقف دهشة المستشرقين، ولكن الأكليروس القبطي- وكان وقتئذ هو الذي يمكنه إشعال نار الثورة -كان راضيا كل الرضى عن الفتح العربي، لأن عمرو أكرم بطريركهم كل الإكرام وأحاطه بالإجلال والاعتبار وطلب إليه نصائحه وبركته، وأمر بإعفاء رجال الدين من الجزية.

ويتحدث الكاتب عن الفوائد التي جناها الأقباط والتي من بينها أنهم كانوا يحتكرون الأعمال الإدارية وكانوا أسعد كثيرًا مما كانوا عليه أيام البيزنطيين، وبالرغم من جهود الخلفاء واهتمامهم بتطبيق تعاليم القرآن، فإن الأقباط لم يقتصروا على شغلهم معظم الوظائف الإدارية فحسب، بل كان لهم الأمر والنهي في بعض الأحيان، وبقي نظام الضرائب والحسابات بين أيديهم.

ثم يطرح الكاتب في الفصل السادس مسألة عظمة الأقباط واضمحلالهم في عهد الفاطميين، ويرى أنه بينما كانت سياسة الولاة نحو الأقباط تقوم على قواعد واستثناءات معينة، تعرضت سياسة الفاطميين، التي كانت مبنية بوجه عام على التسامح، لتغييرات محسوسة جدٍّا حسب الاستعداد الشخصي للولاة، الذين تبوأوا الحكم، وكان الفاطميون ينتقلون من التسامح الكامل إلى الاضطهاد الشنيع، فبعد أن مهدوا لأهل الذمة عصرا زاهرا، لم يكونوا يتوقعونه، عادوا فقضوا عليهم قضاء نهائيٍّا.

ويقول الكاتب ليس بعجب إبداء هذا التسامح من خلافة مستقلة وطدت أركانها في مصر من قريب، وكان لها أعداء أقوياء بيزنطيا وبغداد، ولا سيما أنه لم يكن في استطاعتها الاعتماد على مساعدة السنيين المخلصة، ولقد انتهج الطولونيون والإخشيديون هذه السياسة لمصلحتهم الشخصية، وعلى أية حال، فإن استيلاء الفاطميين على الحكم أثار كالعادة آمال الأقباط، مما جعلهم يقدمون إليهم يد المساعدة.

على أن الفاطميين، لما وصلوا إلى مصر، عملوا في الحال على كسب عطف السنيين وتقديرهم، وكان هذا إجراءً عمليٍّا من لدنهم، فإن أول خطبة ألقاها الخليفة المعز لدين لله، وذكرها معظم المؤرخين، تتضمن هذا الاتجاه. ولم يتردد المعز ومن جاء بعده أن يستعينوا بالنصارى واليهود أو بالذميين، الذين اعتنقوا حديثًا الديانة الإسلامية، ليبلغوا هدفهم المقدس.

ويعرج الكاتب في الحديث عن سياسة صلاح الدين والأيوبيين إزاء الأقباط، فيرى أن ضخامة الوسائل التي أعدها الصليبيون وتعدد هجماتهم تدل بلا شك على أن الحروب الصليبية كانت محاولة لمحو نفوذ الإسلام في الشرق، فقد شنت هذه الحروب أول ما شنت لانتزاع حماية القبر المقدس من الخلفاء، ولكنها ما لبثت أن تحولت إلى قتال عام بين جيوش الإسلام وجيوش المسيحية، أي بين الشرق المسلم والغرب المسيحي.

دور الحروب الصليبية

في الفصل الثامن يتطرق الكاتب إلى كارثة النصرانية في عهد السلاطين المماليك، فيرى أن قصة الحروب الصليبية جعلتنا نلمس عن قرب اضمحلال العنصر القبطي منذ اضطهاد الحاكم بأمر لله له، وقد استمرت هذه الحالة في عهد سلاطين المماليك والأتراك؛ إذ كانوا لا يأبهون مطلقًا بهذه الأقلية، كان السلاطين يعتبرون الأقباط جزءًا لا يتجزأ من الأمة؛ لأنهم كانوا يقدمون لهم خدمات قيّمة فيما يخص جباية الضرائب، أضف إلى ذلك أن الحكام كان يمكنهم ابتزاز أموال الأقلية بسهولة دون أن يخشوا قيامها بأية حركة ثورية جديدة، فرتبوا مصير الأقباط حسب هواهم أو هوى الشعب.

أما في الفصل العاشر فيتحدث الكاتب عن سياسة بونابرت الإسلامية وموقف الفرنسيين من الأقباط. فيذهب إلى أن الحملة الفرنسية على مصر تهمنا لعدة أسباب، فهي أول محاولة منذ الحروب الصليبية قامت بها دولة غير مسلمة لغزو وادي النيل، وهي أيضًا أول مرة منذ الفتح العربي تحكم مصر دولة مسيحية، كما أنه لأول مرة منذ ظهور الإسلام يحاول بعض مسيحيي أوروبا التعاون مع مسلمي مصر. لذلك تحتل هذه الفترة مكانا عظيما في تاريخ العلاقات بين المسلمين والأقباط.

يرى الكاتب أن بونابرت لما كان متشبعا بروح المساواة والإخاء، فقد أبى أن يقع فريق من الشعب تحت نير الاضطهاد، وأن يمنع من الحياة الحرة، ورغم أن بونابرت أراد أن يظهر ميله إلى الإسلام أمام المسلمين، فإنه لم يتقاعس في حماية العقائد المختلفة، غير أننا لاحظنا عدم اهتمامه لمنح الأقباط دفعة واحدة جميع حرياتها وبخاصة حرية العبادة … ولما طلب الأقباط إليه أن يلغي القيود التي فرضها المماليك على شعائرهم الدينية، أجاب بخطاب الذي أرسله للأمة القبطية «وأنه من دواعي سروري حماية هذه الأمة التي لن تكون من الآن فصاعدًا موضع الاحتقار، وعندما تتيح الظروف، الشيء الذي لا أراه بعيدًا، قد أسمح لها بأن تقيم شعائرها الدينية علانية كما هو الحال في أوروبا، حيث يتابع كل إنسان عقيدته».

في الفصل الحادي عشر يتعرض الكاتب إلى تسامح أسرة محمد علي والاعتراف القانوني بالمساواة بين المسلمين والأقباط.

ففي هذه الحقبة المضطربة من حياة مصر؛ أي في فجر القرن التاسع عشر، لم يكن يتصور الإنسان أن ضابطًا ألبانيٍّا قدم البلاد حديثًا، يستطيع بمحض إرادته أن يعدل القوانين، التي سُنت منذ أجيال لتحديد حالة الذميين الاجتماعية في العالم الإسلامي، وكان من الصعب أن يتصور أن حاكما مجهولًا، يخضع لسيادة السلطان، قد يشرع في حركة إصلاحية جريئة فيلقي على السلطان والعالم أجمع درسا جميلًا في التسامح.

قد يقول البعض إن محمد علي اتبع هذه السياسة لشدة رغبته في إرضاء الأجانب، وحرصه على خلق جو ملائم لتعاونهم معه؛ إذ كان تعاونهم لا بد منه لعدة اعتبارات.

لنسلم جدلًا بهذا الرأي، ولكن لماذا تسامح أيضا مع رعاياه النصارى؟ ومن كان يجبره على ذلك؟ ليس الأجانب على كل حال؛ لأنهم كانوا يحتقرون الأقباط، ولا الباب العالي الذي أشعل نار الثورة في أنحاء الإمبراطورية لصلابته نحو الذميين.

ويرى الكاتب أن روح التسامح في الأسرة الملكية كانت موجودة، فمما لا شك فيه أن محمد علي خلق في مصر جوٍّا اجتماعيٍّا جديدا، ولما كان خلفاؤه مشبعين بهذه الروح، فقد انتهجوا سياسة رفعت مصر في نظر الأمم الغربية.

في آخر الكتاب تعرض الكاتب إلى مسائل متنوعة من بينها الدور الذي لعبه بطريرك اليعاقبة تحت الحكم الاسلامي، فقد أصبح بطريرك الأقباط، على أثر الحفاوة التي أظهرها له رعاياه عند دخول العرب مصر، مصدر قلق لعمرو بن العاص وسائر الولاة؛ إذ أدركوا مدى نفوذ هذا الخبر وعملوا في الحال على وضعه تحت رقابة شديدة ومطالبته بالخضوع للسلطة الشرعية، وبمعنى آخر أنهم منعوه من اتخاذ أي إجراء، حتى في محيطه الديني، دون استئذانهم.