يقول تعالى …«فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور »

مصطفى المتوكل/ تارودانت

قال تعالى «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً « الإسراء: 36.

قال الامام الشاطبي « اهتم الاسلام بالعقل اهتماما بالغا وجعله مناط التكليف .فإذا ارتفع التكليف يعد فاقده كالبهيمة لا تكليف عليه… «

وقال ابن تيمية « ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارض الشرع البته بل المنقول لا يعارضه معقول صريح قط …»

…إن ما  علمناه ونعلمه بعقولنا التي صقلتها الشرائع السماوية وتجارب وخبرات ومعارف البشرية عبر التاريخ، يجعلنا نقف في القرآن الكريم والاحاديث النبوية وفي الكتب

السماوية المعتمدة من طرف ديانات أخرى… وكذلك ما أبدعه المفكرون من علوم انسانية واجتماعية وفلسفية و.. على أن محور الايمان والمعرفة  والعلوم وجود العقل

والقدرة على الادراك والفهم، وما ينجم عنه من اعتقاد واقتناع واتباع لما استقر عليه  القلب والوجدان …فالله سبحانه وتعالى وسيد الخلق يخاطبون العقلاء الذين يمكنهم أن

يميزوا بين الصالح والطالح من الافعال والاقوال والممارسات بناء على معايير عقلية مجتمعية تتوخى المصلحة والمنفعة لأصحابها في الآجل أو العاجل …فالمسؤولية أيا كان

مرتكزها ومرجعيتها تتحدد بمدى إدراك عقل المعني بها لكنهها وأحكامها، وما يترتب عنها إيجابا وسلبا ..لهذا أسقط الدين والتشريع الوضعي التكليف والمسؤولية على من

يعتبر في حكم غير العاقل وغير المدرك وغير المميز…ومن هنا يقال «أعمال العقلاء منزهة عن العبث….».وقال الإمام الغزالي (العقل شرع من داخل، والشرع عقل من

خارج)…

ولوضع حد لبعض التأويلات المتربصة فنحن هنا لسنا بصدد مناقشة الموضوع من زاوية فلسفية صرفة …بقدر ما نحن بصدد الوقوف في زماننا هذا على العديد من الاشياء

التي تقع وتصدر من جهات مسؤولة، ويفترض فيها التمحيص والتدبر وإعمال العقل في المواقف والقرارات، استشارات وترجيـحا، مع استحضار تحقيق المصلحة العامة

بوجهيها الروحي والمادي…فما يحصل في الشرق الاوسط وشمال افريقيا وما ينطق به العديد من أولي الامر والمسؤولين من تصريحات وبيانات واعلان مواقف  ،واتباع

ذلك احيانا بأعمال وافعال لا يمكن لكل من يمتلك عقلا سليماأن يعتبرها أفعالا عاقلة ومتعقلة …فالقتل على الهوية بسبب الاختلاف ولغرض التسلط أو لترهيب الآخر بهدف

الاخضاع الاستعبادي ..والتناقض في المواقف الذي يصل الى حد يظهر أصحابه بأنهم وحدهم من يعقل وعامة الشعب أو الأمة لاعقل عندهم ليدركوا به تفاهة وسطحية أقوال

هؤلاء …فهل نحن أمام موجة تهدف تعطيل العقل والتحجير على صاحبه بموجب ذلك، والاستفراد بالتفكير والتقرير بالنيابة عن العامة لضرورة  ولمصلحة الخاصة ممن

يمتلك أمرا ما وليس من يعهد إليه بخدمة الناس ورعاية أمورهم ؟..فإذا تأملنا ما كتب في العديد من صحف بعض الاحزاب وما هو مسجل بالصوت والصورة، فسنجد التناقض

الصارخ الذي لن يستسيغه عقل عاقل ولن يقبل به من لديه ذوق سليم  ……ولنقل لساسة أمتنا ما قاله ابن رشد عند حديثه عن العقل حيث قال  « فلنضرب بأيدينا الى كتبهم

– فلاسفة اليونان – فإن كان فيها شيء يعد صوابا منهم شكرناهم عليه . وإن كان فيها شيء خطأ نبهنا الى هذا الخطأ ” …

إن رفض العقول السليمة للعديد من المواقف والقرارات أو انتقادها مسألة لا تـنبني على العدمية والعناد في القبول والاعتراض ..كما أن ردود أفعال المعنيين لا يجب أن تكون

مبنية على مثل « ولو طارت معزة» …لسبب بسيط أن العقل السليم لا يتمادى في خطئه  بعد المعرفة الإدراكية له، بل يتوجه الى التصحيح والتدارك العقلاني المحقق للقصد

الشرعي والانساني  ……..وفي مثل هذا التنطع    قال تعالى (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون )22 سورة  الانفال …ولنتأمل قوله تعالى   “  كنتم خير

أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون..” 110سورة ال

عمران فهل سياساتنا ومواقفنا تستحضر دلالات هذه الآية ومعانيها وأحكامها ؟

وهل ما نراه من العجائب والغرائب التي لا يمكن تبريرها ويستحيل على من يمتلك ذرة عقل أن ينبري للدفاع عنها من أمثال الفتاوى التي تصدر لدعم ثورة سوريا من البعض

بمبررات وبراهين   أو دعم حاكمها وتبرير ما يحصل من تدمير وتخريب للبلد بأكمله ؟

وهل  يوجد منطق في ما يعلنه بعض  الساسة وأئمة بمقاسات حزبية ضيقة  بشأن تلك الدولة وغيرها والتي تجعل المجتمع برمته ما بين كافر وخارج عن الملة ومنحرف

وبلطجي وعميل لدولة أجنبية ومهرب ومروج ممنوعات ؟…

فأصبح كل الساسة وأولي الأمر مطلوبون للانتقام والقصاص، واستصدار الاحكام من المعارضات ضد الحكام ومن الحكام ضد المعارضات ….فهل هذا وغيره ينم عن وجود

عقل يتدبر ما يقول ويفعل ؟؟…

لا شك أنه إن رجع هؤلاء الى تاريخ الأمم التي سبقتنا في التقدم والرقي الحضاري  واستلهموا من  تاريخنا ماشاء الله .. بل ولو رجعوا الى تراثنا الخالد  لوجدوا أن العاقل من

يتعظ بغيره ويتعلم من أخطاء الآخرين ويستفيد من كل التجارب والافكار الناجحة.. والأحمق من يتعظ بنفسه

…يقول تعالى « أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب  يعقلون بها او آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور « الحج .46

وقيل العاقل من عقل لسانه والجاهل من جهل قدره ..