التكيف التكتيكي : كيف يمكن فهم موقف “حماس” من الثورات العربية؟

د نادية سعد الدين – السياسة 

عن موقع السفير بريس

26 غشت 2013

أذكت الثورات العربية أنماطًا مغايرةً من التحديات والفرص غير مسبوقة، أمام حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، عبَّرت عن نفسها، تأثيرًا وإرهاصًا، في مفاعيل الخطاب ونطاق الحراك الخارجي والوضع الداخلي، وفي محددات التعاطي معها.فإذا كانت أجواء التغيير التي أنتجت ثقلاً إسلاميًّا انتخابيًّا، كما في تونس ومصر والمغرب، قد أوجدت مناخًا حركيًّا وعلائقيًّا أكثر رحابةً وتنوعًا وانفتاحًا بالنسبة إلى حماس، مصحوبًا بسعي الأخيرة إلى قبولها طرفًا في النظام السياسي الفلسطيني، مثلما أثمرت رافعة قوية لتوقيع اتفاق المصالحة مع فتح، فإن الانتصار -بعد تريُّث- لمطالب الشعب السوري بالحرية والإصلاح والديمقراطية، كبَّد الحركة ثمنًا باهظًا، وتوترًا في العلاقة بإيران، وسط ضغوط خارجية مضادة، وخلافات معتملة في أوساطها الداخلية، لم تبرأ منها بعدُ.

وإزاء ذلك، التزمت “حماس” –ابتداءً- جانب الحياد المشوب بالتفاؤل الحذر، ثم الاقتراب المتأني، من الاحتجاجات الشعبية العربية، لكن سرعان ما تطوَّر موقفها إلى حد الانغماس “الإشكالي”، متنقلاً بين متلازمة المحدد العقيدي والاحتكام إلى الامتداد الإخواني، وبين مقاربة المرونة و”التكيف التكتيكي”، الآخذ بالمرحلية ومتغيرات اللحظة، دون المس بثوابت البنية الأيديولوجية الصلبة.

ضوء في نهاية النفق

أحدث تنامي حضور الإسلاميين، حدَّ بلوغ سُدَّة الحكم، في زمن الثورات العربية، انفراجةً في أفق مسدود عايشته حركة “حماس” منذ فوزها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2006، وسيطرتها على قطاع غزة في منتصف حزيران (يونيو) 2007، إبان اشتباكات مسلحة مع فتح، ما أنتج طوقًا عربيًّا ودوليًّا حولها، وعزلة دبلوماسية محكمة، وحصارًا إسرائيليًّا على القطاع، أُتبِع بعدوان موسع في العام 2009، وتهدئة هشّة، تزامنًا مع ضعف قدرة الحركة على تلبية الاحتياجات الشعبية الأساسية، وتعرُّض كوادرها في الضفة الغربية للملاحقة والتضييق من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بالتنسيق مع سلطات الاحتلال، في ظل انسداد الأفق السياسي واستمرار الانقسام.

ومن هنا، رحبت “حماس” بالثورات العربية، بوصفها “نتاجًا طبيعيًّا لحرمان الشعوب العربية من الحرية والديمقراطية والإصلاح، وتفشي الفساد والتسلط والحكم المطلق، لكنها آثرت –بدايةً- التزام جانب التفاؤل الحذر، ثم الاقتراب المتأني، قبيل الانخراط أكثر، بما ظهر في موقفها المتريث من “دعم” ثورات تونس ومصر وليبيا، حتى انقضت الأمور واستوت على ما هي عليه.

بيدَ أن المعادلة لم تَسْتَقِم على وتيرة واحدة في جُلِّ ساحات التغيير، إذ فرضت الثورات العربية والمتغيرات المعتملة في المنطقة على “حماس” التي تحتفي في الرابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) القادم بذكرى تأسيسها رسميًّا في عام 1987، وقائع مغايرة للسابق، تتجلى على النحو التالي:

أولا- أكسب صعود الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر، وفوز الدكتور محمد مرسي رئيسًا منتخبًا، غداة حصد أغلبية مقاعد مجلس الشعب، قبل حلِّه، كما في تونس، وتحقيق الإسلاميين ثقلاً انتخابيًّا في بلدان مجاورة، كما في اليمن والمغرب، فضاءً إستراتيجيًّا عربيًّا وإقليميًّا بالنسبة إلى “حماس”، ومساحة تحرك رحبة، ومجالاً فسيحًا لاجترار أصولها المرجعية ضد الاحتلال، وسندًا قويًّا لتعزيز الاعتراف بها لاعبًا مهمًّا في المشهد السياسي العربي، ومكونًا مؤثرًا في الحقل الوطني الفلسطيني.
فقد أزاحت الثورة المصرية الرئيس حسني مبارك عن الحكم، بعدما شكَّل -حسب “حماس”- سندًا قويًّا لقيادة فتح والسلطة، وحليفًا لها في جلسات حوار المصالحة، وفي تأليب الرأي العام عليها عبر إشاعة استهدافها “إقامة دولة أو إمارة إسلامية في القطاع، وإدخال القضية الفلسطينية في متاهات مشاريع إسلامية أممية تبعدها عن خصوصيتها وهويتها الوطنية، وتسهيل تنفيذ مخطط إسرائيلي لنقل أجزاء من الشعب الفلسطيني للعيش في سيناء”.

وقد وقفت تلك المحاذير وراء موقف القيادة المصرية أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2009، عبر تشديد الرقابة على الأنفاق وإغلاق معبر رفح أيامًا أمام الوفود والإمدادات الغذائية والطبية خوفًا من تهريب السلاح، عدا العلاقة المتوترة، في كثير من الأحايين، مع “حماس” امتدادًا لعلاقة متوترة مع جماعة الإخوان المصرية.

فيما كسرت الثورة جدار الطوق والعزلة الذي أسرَ حركة “حماس” سنواتٍ، مقيدًا حريتها في الحركة والتنقل، سارع قادتها إلى تنظيم جولات مكوكية جابت عواصم عربية وإسلامية، كما فعل رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل ورئيس الحكومة المقالة في غزة إسماعيل هنية (في 25/12/2011 و30/1/2012 وتموز/يوليو الماضي)، رسخت دور “حماس” الفاعل، باعتبارها جزءًا من المشهد العربي والإقليمي، لا الفلسطيني فحسب، تجسد في وساطتها لدى الإخوان المسلمين في الأردن، بطلب من النظام الأردني، لإقناعها بالتراجع عن قرار رفض خوض الانتخابات النيابية المقررة في كانون الثاني (يناير) القادم، والتوسط عند الأطراف المعنية في اليمن ومصر لصالح الاستقرار واستتباب الأمن، وفق حديث مشعل أثناء زيارته إلى الأردن، في تموز (يوليو) الماضي، التي تمت بترتيب من الديوان الملكي، على وقع التغييرات المعتملة في المنطقة، غداة زيارات متكررة تطلعت “حماس” إلى أن تكون فاتحة لإعادة ترتيب العلاقة الثنائية بعد انقطاع دام زهاء 12 عامًا.

بيد أن التجلي الأبرز لمؤشرات التغيير تمثل في فتح معبر رفح أمام حركة المواطنين والسلع والخدمات ووفود “حماس” إلى القاهرة للتنسيق وبحث ملفات الوقود والكهرباء وإعادة الإعمار، بعدما كان أداة طيعة يلجأ إليها النظام المصري السابق كلما حلا له التضييق على “حماس” في غزة. وقد أردف الرئيس مرسي ذلك بالتزام فك الحصار عن القطاع، الذي ترجمه بتيسير زيارة تاريخية لأمير دولة قطر الشيح حمد بن خليفة آل ثاني وعقيلته الشيخة موزة والوفد المرافق إلى غزة، قبل أيام من الشهر الحالي، بهدف كسر الحصار عن القطاع وتقديم دعم إلى الشعب الفلسطيني، بلغ حوالي 450 مليون دولار.

كما شكلت ثورة مصر رافعة قوية لتوقيع اتفاق المصالحة بين “فتح” و”حماس” في القاهرة مطلع أيار (مايو) 2011، لكن بأوضاع معاكسة هذه المرة، هيأت لحماس أرضية استنادية قوية، فيما أرخت أوراق ضغط قوية ملكتها “فتح” طويلاً، بعدما فقدت إحدى دعاماتها بسقوط نظام مبارك ورحيل عمر سليمان عن مسرح القضية، ما اضطرها إلى إعادة ترتيب أوراقها السياسية، إزاء انسداد الأفق السياسي، وإمعان الاحتلال في عدوانه على الشعب الفلسطيني، فقررت أيضًا التوجه إلى الأمم المتحدة، تارةً لنيل “العضوية الكاملة” للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 في المنظمة الدولية، وطورًا لطلب الاعتراف “بالعضوية المنقوصة”، بعد إخفاق المسعى الأول، بغية الخروج من المأزق الراهن، لكنه لن يحل المشكلة جذريًّا، فالمسعى الأممي لن يقيم الدولة، وسيكون مجرد قرار آخر غير ملزم للاحتلال الذي يمضي في خطوات استيطانية وتهويدية متسارعة.

إلا أن خطوات المصالحة لا تزال متعثرة حتى اليوم، بما يؤجل تنفيذها إلى إشعار زمني آخر لصالح تكريس الانقسام والإضرار بالمشروع الوطني الفلسطيني، بسبب غياب الإرادة الحقيقية عند الطرفين، والارتهان بالإدارة الأمريكية المنحازة إلى الكيان الإسرائيلي وتدخل أطراف خارجية في الساحة الفلسطينية.

تحديات التغيير

ثانيًا- رغم ما حملته ثورات التغيير من دعم وتأييد لحركة “حماس”، جرَّت تبعات ثقيلة أيضًا، إذ لم تكن الحركة بعيدة عما صدر من حركات في “عمقها التنظيمي الفكري” من مبادرات لتطمين الدول الغربية بسمة الاعتدال وتقديم مواقف مجانية من الكيان المحتل، أسوةً بتأكيد قياديين في الإخوان المسلمين بمصر الالتزام بالمعاهدة المصرية الإسرائيلية عام 1979، واستثناء حزب النهضة التونسي الكيان الإسرائيلي من مواد الدستور، فضلاً عن التقاطر حول الأخذ بمبدأ الدولة المدنية والقوانين الوضعية والديمقراطية والتعددية، وكأنها “صكوك براءة” للقبول بها دوليًّا، ومحاولة إظهار قدرتها على الحكم بفعالية وحرصها على الاستقرار الإقليمي.

إن اعتماد “حماس” جانب المرونة غداة ثورات التغيير وصعود الإسلام السياسي، لا سيما عند الأخذ بناصية المقاومة الشعبية ومنح الرئيس عباس سنة إضافية لمواصلة جهود السلام مع الكيان الإسرائيلي، قد يُفسَّر بوضع احتياجات “الإخوان المسلمين” الإقليمية في الحسبان، عملاً بنصائح الإخوان -وفق محللين (جريدة الغد 16/1/2012)- استلالاً تكتيكيًّا “حتى لا تشكل عبئًا على مسيرتهم نحو الحكم والسيادة في المنطقة العربية، إلى أن تستتب الأمور”، غير أن تأكيد الإخوان الالتزام بالمعاهدة مع المحتل آنيًّا، وترحيل إعادة النظر فيها لاحقًا، قد يضع “حماس” في مأزق، فرغم تمسُّكها بالثوابت، فإن تقديم التطمينات المجانية والسعي إلى ضمانات دولية للقبول بها طرفًا سياسيًّا، قد يقود إلى طريق خطر.

فالحركات التي تدمج الوعظ الديني بالنشاط السياسي في هيكل مؤسسي واحد، غالبًا ما تتخذ مواقف غامضة، تتراوح بين المرونة والتشدد، تحسبًا من تقويض مصداقيتها أمام أتباعها، بدون أن يبعد شبح اعتمال الخلافات داخل صفوفها. ولم تكن “حماس” بعيدة عن ذلك المنظور، فقد طفت خلافاتها الكامنة حول إستراتيجية الحركة ابتداءً، وكيفية التعاطي مع الثورات العربية لاحقًا، إلى السطح، ما دفع مشعل إلى إعلان عدم ترشحه لرئاسة المكتب السياسي في دورته الجديدة.

وقد تراكمت الخلافات منذ خطاب مشعل في حفل توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة بإعطائه المجال للمفاوضات مع الاحتلال لمدة عام، والأخذ بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، ومن ثم القبول بالمقاومة الشعبية، “بدون إسقاط المقاومة المسلحة حقًّا مشروعًا للشعب الفلسطيني لمناهضة الاحتلال”. وقد تفاقم الخلاف غداة توقيع اتفاق الدوحة بين الرئيس عباس ومشعل برعاية قطرية في شباط (فبراير) الماضي، إذ اعترضت عليه بعض قيادات الداخل، معتبرةً أن مشعل لم يحصل على تفويض من الحركة لتوقيعه، وأعلنت رفضها لما جاء في بنوده، لا سيما الشق المتعلق بقيادة عباس حكومة التوافق.

إلا أن تمتُّع “حماس” بالتماسك التنظيمي وآلية صنع القرار، يسمح لها باجتياز تنافس الرؤى الداخلية، ما جعل الآراء المفسِّرة لمواقفها الأخيرة تستبعد حدوث “تحول في إستراتيجية الحركة لإدارة الصراع”، وإنما عدَّها “خطابًا مرحليًّا ينمُّ عن قراءة واقعية للمعطيات وتوازنات القوى الدولية”، لم يمس ثوابت الحركة باعتماد المقاومة المسلحة لتحرير كامل فلسطين وعدم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي.

انسحبت الخلافات “الحمساوية” على كيفية تعاطي الحركة مع الثورات العربية، فرغم التوافق على دعمها باعتبارها إرادة شعبية وخطوة نحو تغيير الأنظمة المتحالفة مع العدو الإسرائيلي، انتصارًا للقضية الفلسطينية، فإن قيادة الخارج تنظر إلى الثورة المصرية بوصفها رافعة قوية لإتمام المصالحة وتحسين مساحات التحرك لدعم الشعب الفلسطيني، فيما تضع قيادة الداخل فتح معبر رفح وإعادة إعمار غزة وتحسين ظروفه المعيشية في المقدمة.

فيما قلبت الأحداث في سوريا، حيث مقر المكتب السياسي للحركة لأكثر من عقد من الزمن، المعادلة عند “حماس”، فبعد التزام الحياد وعدم التدخل في الشأن الداخلي، ومحاولة الموازنة بين الامتنان لنظام دعمها عندما تنكرت لها البلدان العربية الأخرى، وكلفة قطع العلاقات بنظام لا يزال متمسكًا بالسلطة، والمخاطر المترتبة على إغضاب إيران أكبر داعميها ومزوديها بالمال والسلاح والتدريب، وبين العلاقة بالإخوان والسعودية وقطر والدَّين الذي تحمله للشعب السوري المساند لها، والالتزام تجاه نصف مليون لاجئ فلسطيني في سوريا، وغداة مسعى التوسط لحل الأزمة الداخلية، فإن “حماس” اضطرت في النهاية، إلى الانتصار للإرادة الشعبية ومطلبها بالحرية والإصلاح والديمقراطية، مع الدعوة إلى حل الأزمة سياسيًّا لا أمنيًّا، في محاولة لعدم قطع العلاقة بالنظام.

أفضى ذلك إلى إغلاق مكتب الحركة في دمشق ومغادرتها البلاد صوب فضاءات دول عربية مختلفة، وإلى توتر العلاقة بإيران، وضعضعة دعمها، بما قد يُبعد “حماس” عن “المحور الشيعي” لإيران وسوريا و”حزب الله” لصالح الاقتراب من مصر والسعودية وتركيا، لكنها تغيرات تحالفية محفوفة بالمآزق، فرغم تقديم قطر الدعم المالي لحكومة “حماس” في غزة بهدف تشجيعها على الابتعاد عن إيران، قد تقلصه أو توقفه إذا أفشلت اتفاق الدوحة. ورغم اختيار مشعل، قطر مكانًا مؤقتًا لإقامته، لكنه يعلم أن أبوابها لن تفتح كليًّا إلا إذا ارتدت الحركة ثوبًا سياسيًّا وطرحت موقفًا جديدًا يتلاءم مع التطورات التي تشهدها المنطقة.

في المقابل، لم تتحسن علاقة “حماس” بالسعودية لدرجة تضمن الاستعاضة عن المعونة الإيرانية، عدا شكوك حلول تركيا مكانها رغم الآمال المعلقة على ذلك، فيما ستجد “حماس” نفسها في مأزق إذا أعادت الرياض طرح مبادرتها العربية للسلام (2002) بعد استلام الإدارة الأمريكية الجديدة الحكم في أوائل العام 2013، وطالبت “حماس” بتبنيها صراحةً، بما سيضعها على المحك.

خلاصة القول: تشهد “حماس”، في زمن الثورات العربية، وقائع مغايرة للسابق، تحمل في طياتها تحدياتٍ وفرصًا غير مسبوقة، من دون فصم وضعها ومدى قدرتها على مجابهة العراقيل والاستفادة من المناخ المُواتي، عن مآلات التغيير في المنطقة، في حين قاربت “حماس” الانشغال المباشر بأجواء الثورة في الساحة الفلسطينية، التي شهدت تظاهرات شعبية عارمة للمطالبة بإنهاء الاحتلال و”إسقاط الانقسام” ومعالجة الأوضاع المتدهورة، بما يؤشر على مسارات التحرك المحتملة في الأراضي المحتلة، إزاء انسداد الأفق السياسي وتعثر خطوات المصالحة، ووسط أزمة اقتصادية خانقة، وليدة الاحتلال الإسرائيلي والارتهان بتجليات أوسلو المجحفة، رغم العراقيل المعاكسة.