المثقفون العرب ومزاج الغوغاء

المثقفون العرب في مشهد الربيع العربي يرفضون القيام بدور المواكب لحواشي المشهد فكان عليهم وفق تصوراتهم ترك الساحة للشباب.

 

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 26/08/2013، 

المثقفون المخضرمين تركوا غوغاء الشارع للشباب

طبعت التجربة الإعلامية العربية الربيع بصفة (ربيع الشباب)، في الوقت الذي بات فيه معظم شرائح المجتمع بعيداً أو يكاد عن الحياة الثقافية والفكرية، فلم يعد يتجوّل على مسرحها، سوى الكهول والأقلية الشبابية التي لم تتفتّح تجاربها بعد، ولكن ذلك الربيع إن كان فعلاً ربيع شباب الحياة، فهو لم يكن بأي صورة من الصور ربيع الغوغاء.

يخلط كثيرون ما بين مفهوم أهل الشارع والعامة، والغوغاء، فقد جاء في لسان العرب: الغَوْغَاءُ : الجراد حين يَخِفُّ للطيران، والغَوْغَاءُ الصَّوْتُ والجَلَبَة. لماذا نقول هذا اليوم؟ وقد كشف (الموسم) عن أخلاط الناس، وكشف مناخ الحريات الذي أتت به الثورات، عن تفلّت غير معقول لكل مستعمل لأدوات التواصل الاجتماعي والإعلامي المختلفة، من كل عقال، وعن إصرارٍ عجيب على تكسير أحجار دومينو متتالية من المحرمات، وربما القيم والمعايير التي تضبط التعاملات، بحيث بات كل شيء مسموحاً.

فيما انحسر التحريم إلى التحريم (الديني) من قبل المتطرفين دينياً أو التحريم السلطوي (القمعي) من قبل المطالبين بالديمقراطية، وما عدا ذلك يعدّ فضاءً واسعاً ومريعاً لكل فكرة ولكل اجتراح، وحين دخل المثقفون العرب هذا المناخ، دخلوه مرغمين، لأنهم لم يصنعوا الثورات بأيديهم، وهذا واقع على الجميع الاعتراف به، بل كانوا على هوامشها.

وربما مهّدوا لها بكتاباتهم ونضالهم سنين طويل، ولكنهم ليسوا هم الشهداء الذين سقطوا في المظاهرات التي أجّجت الثورات في ربيع العرب، فتقدموا مراتٍ بخفر وحياء، ومراتٍ أخرى بهدوء وتؤدة، وبعضهم أسرع الخطى، ولكن بعضهم اندفع بانجراف كبير ليجاري الشباب في رفضهم لكل قديم، ومعه كل قيمة.

تراجع المثقف

من أهم القيم والأدوار التي رفضها المثقفون العرب في أجواء الربيع العربي، القيام بدور المواكب والمرتّب لحواشي المشهد، بفعل خبراته وثقافته الرفيعة ـ كما يفترض ـ فكان عليهم وفق تصوراتهم التراجع إلى الخلف وترك الساحة للشباب وكأن الثورات كانت ثوراتٍ على المثقفين وليس على الديكتاتوريات!

ولعلّ شعورهم بالتقصير، وهو مبرر بشكلٍ ما في ظل سلطات دموية وحشية لا تتورع عن السجن والتعذيب والاغتيال، التقصير في مقاومة تلك السلطات، ولحظة انفجار الشباب ظنوا أن الجميع مدانٌ والجميع مسؤول، وأن الثوار وحدهم هم طهر المشهد ومن حوله على دائرة الماضي أن تتآكل كلها، وكان لهذا التراجع في دور المثقفين عن المكانة التي حصدها كل منهم في الماضي، أثرٌ كبير في ترك الشباب وحدهم في عراء المواجهة مع السلطات، فلم يزوّد المثقفون الشباب بما يملكونه من وعي، بل لحقوا بوعي الشباب، كي يثبتوا أنهم معهم في مزاجٍ واحدٍ، فبدا المثقفون الخمسينيون والستينيون متصابين في قيامهم بتصرفات شبابية وكتابتهم بلغة شبابية ولكن ويا للأسف ليس بروح الشباب، بل بروح عجوزٍ مليئة بالضغائن والشرور وفي أحيان أخرى رقيقة مليئة بالمودة والسكينة، بينما يتمتع الشباب بروح التوثب والكشف والرغبة بالمعرفة أكثر وأكثر.

طبائع الغوغاء

ولكن ما الذي يبقى من المثقفين المخضرمين إن تركوا أدوارهم؟ وما الذي يتحرّك داخلهم ومن حولهم في النطاقات المحيطة المتوسّعة يوماً بعد يوم؟ تبقى الأمراض التي لا ضابط لها، وهي ما اشترك فيه هؤلاء مع الغوغاء، وفي شرح آخر للمفردة في المعجم نجد: الغوْغاء : سُمّوا كذلك لكثرة لغطهم وصياحهم، و يقال (شاعت الفوضى عندما ملأ الغَوْغاءُ السُّوقَ)، ولكن هل هذا ما كان يريده الشباب من المثقفين الأكبر سناً؟! وهل فعلاً قامت الثورة على أكتاف (العامة ـ الغوغاء)؟! لأن صوتاً سيعلو الآن وهو يقرأ هذه السطور رافضاً نبرة التعالي التي تشي بها معاني كلمة (غوغاء)، فيما لا يوافق أحدٌ على أن المجتمع كلّه هو من قام بالثورة، وإلا فأين يوضع الشبيحة والبلطجية والمرتزقة في خارطة المجتمع؟! لم تقم الثورات بأيدي الغوغاء.

ولكن الشعب بطبقاته الواعية، هو من تحرّك ضد التخلّف والاستبداد، ووعيه هذا ذهب فيه مذاهب متنوعة، فمن الناس من دلّه وعيه إلى ضرورة الحرية، ومنهم من دلّه وعيه إلى ضرورة الكرامة، ومنهم من دلّه وعيه إلى ضرورة أن يعيش حياة قتصادية أفضل، ومنهم من رأى أن هوّيته القومية آن أن تظهر وتأخذ حقّها في الوجود ( في حالة الكرد في سوريا مثلاً) فكل من تلك النماذج ذهب إلى غايته من الثورة، ولكن الجميع متفق على أن خصم كل تلك الأهداف واحد وهو الاستبداد الذي مثّلته رؤوس السلطات في بلاد الربيع العربي.

وحين تسود طبائع الغوغاء فيما بين الشعب الذي يطالب بحريته، يلتقطها الاستبداد، ويعمل على تحريكها أكثر وأكثر، فتصبح أداته الجديدة في ضرب الثائرين بعضهم ببعض، وتطويل الطريق عليهم، طريق الوصول إلى الهدف الواحد إسقاط الأنظمة، ولأن التعميم من طبائع الغوغاء، فليس صحيحاً أن كل مثقفي الربيع العربي اتجهوا إلى التطبّع بتلك الطباع، فكثيرٌ منهم فضّل الترفّع عن الخوض في كلّ شأن وكل سيرة، وتناول ما يراه ضرورياً ونافعاً للناس من زوايا التحليل أو التفكير أو النقد.

عن موقع صحيفة العرب 26..غشت2013