ما يجري في مصر لا علاقة له البتة بالديمقراطية

علي أوعسري

ما يجري في مصر من أحداث مؤلمة، على الأقل منذ عزل مرسي من طرف المؤسسة العسكرية بناء على ذلك الحراك الجماهيري، الرافض لأخونة مؤسسات الدولة المصرية، والذي بلغ ذروته الاحتشادية في 30 يونيو، ما يجري لا علاقة له بمسألة الديمقراطية، ولو أن الأمر يبدو، ظاهريا، كما لو أنه مرتبط بصراع من أجل تحقيق «الديمقراطية». إن ما يجري في مصر بات يتطابق، بالميل التدريجي، مع الحالة السورية الأكثر تعقيدا استراتيجيا، إن على المستوى الوطني الذي بات تدمير بعده المجتمعي والدولتي من طرف تحالف الإخوان المسلمين وأمريكا مسألة حيوية للقوى الاستعمارية في صيغتها الجديدة، أم على المستوى الإقليمي حيث محاولات أمريكا وحلفائها- أساسا من الإخوان وقوى الإسلام السياسي- إعادة رسم خارطة جيواستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تتوقف، في جوهرها، منذ غزو العراق 2003، برغم اختلاف أشكال تلك المحاولات من فترة إلى أخرى (الشرق الأوسط الكبير، الشرق الأوسط الجديد، الفوضى الخلاقة، الربيع العربي…)، أو على المستوى الدولي حيث القوى الدولية (أمريكا، روسيا، الصين، أوروبا بشكل أقل…) هي في صراع محموم من أجل تكريس النفوذ والهيمنة الدوليين على مصادر الطاقة والثروات الوطنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
في هذا السياق الإقليمي والدولي الذي بات يتهدد مصير الدولة الوطنية بشكل استراتيجي (لا نعني بالدولة الوطنية هنا ذلك المفهوم القومي للدولة، بل نعني بها دولة لها سيادة على إقليمها الجغرافي وتقاليد شعبها التاريخية، وهي مقومات الدولة-الأمة، بالمعنى الرأسمالي، التي لم تتشكل بعد في شمال إفريقيا والشرق الأوسط)، في هذا السياق بالذات تجري صراعات دموية، مذهبية، دينية، عقائدية، عرقية وطائفية من أجل السيطرة على السلطة ?خاصة من طرف الإخوان المسلمين- بصرف النظر عن استمرارية الدولة الوطنية قائمة والتي في إطارها، وفقط في إطارها، يمكن للشعب، بكل مكوناته، أن يناضل من أجل تحقيق الديمقراطية التي في، نظرنا، لن تتحقق في المدى المنظور.
إن استحالة تحقيق الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مرده إلى عوامل تاريخية واجتماعية متجذرة ويصعب تجاوزها في ظل الحالة الثقافية والدينية المتخلفة (شعوبا ونخبا ودولا) في هذه المنطقة؛ كذلك يمكن رد استحالة تحقق الديمقراطية إلى ما ذكرناه من أن الدولة الوطنية التي ينبغي أن تحتضن هذه الديمقراطية هي اليوم في وضع حرج وفي شبه انهيار كلي، ذلك أن الدولة لم تعد فعليا قائمة. فأين ستتحقق هذه الديمقراطية المزعومة يا تري?
ينبغي التأكيد على أن كل نضال سياسي وجماهيري لا يستهدف الحفاظ أولا على مقومات الدولة (الدولة-الأمة) والعمل على تحديثها ودمقرطتها ثانيا هو نضال، من الناحية التاريخية، رجعي ولو صدر عن جهات وأطراف سياسية تدعي الحداثة والتقدم، ذلك أن الشرط العولمي الراهن هو هو شرط تدمير الكيانات الوطنية الهشة بما هي كيانات لا يمكن الحفاظ عليها إلا بوعي تاريخي مطابق يضع من بين أجنداته الديمقراطية تحصين الوحدة الوطنية والترابية اللتين بدونهما لا معنى للديمقراطية من حيث هي في نشوئها وسيرورتها في حاجة إلى إطار مكاني وزماني (الدولة) فيه تتحقق تحققا عينيا وليس إيديولوجيا، وهي ? أي الديمقراطية- بقدر ما تحتاج إلى الدولة بمفهومها الرأسمالي الحديث لكي تتحقق، بقدر ما أن تحققها يسهم في تطوير هذه الدولة وعقلنتها وتقويتها ضد كل المخاطر الداخلية والخارجية التي تتهددها (مصر اليوم منقسمة في وحدتها الوطنية وكذلك في وحدتها الترابية حيث الجماعات المسلحة تعمل على استغلال الوضع الحالي لفرض الأمر الواقع في سيناء، وهذا ليس من قبيل الصدفة وإنما هو مخطط له من طرف دوائر محلية وإقليمية ودولية، فأية ديمقراطية ستتحقق في ظل هذه الفوضى?).
إن الدولة حينما تكون قائمة فهي ترعى التهدئة الاجتماعية والسلم الأهلي سواء أكان ذلك من خلال تسخيرها لأجهزتها الإيديولوجية (المدرسة، وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، الدين،…) أم من خلال ممارستها العنف وتحديدا الجسدي منه تحت يافطة تطبيق القانون (القضاء، السجون). غير أن القانون بقدر ما يعبر عن نوع من تبرير السيطرة الشرعية للقوى والطبقات السائدة ? وهي بالمناسبة ذات طبيعة برجوازية- التي هي من وضعت هذا القانون، بقدر ما يتضمن فراغات قانونية من شأنها تمكين الدولة، كلما دعت الضرورة لذلك، من فرص تطويع هذا القانون وتأويله بما يستجيب وإعادة إنتاج شرعية القانون المعتمد والمقبول تطبيقه من طرف المجتمع وخاصة طبقاته المسودة. وتبرز هذه المسألة على وجه الخصوص حينما يتعلق الأمر بمعالجة مستجدات مستقبلية وطارئة دائما ما تضعها الدولة في الحسبان وهي تضع قانونها أو حينما تقتضي النضالات الشعبية تقنين بعض المكاسب الجماهيرية في صيغ قانونية جديدة.
ليس هدفنا هنا الخوض في نقاش نظري ل»القانونية» التي ليست سوى ترجمة وأجرأة للشرعية كما تتمثلها تلك الجهة السياسية التي حازت هذه الشرعية، فمرسي مثلا بمجرد ما حاز الشرعية الانتخابية حتى جاء بإعلان دستوري، وهذا يدل على رغبة منه ومن جماعته في الانتقال فورا من الشرعية المكتسبة إلى نوع جديد من القانونية كمدخل منهم لممارسة السلطة، أو قل سلطات الدولة المتمفصلة بعضها على بعض، وفق منظورهم الخاص الذي هو ليس منظور المجتمع المصري، وذلك من أجل تحويل الدولة إلى دولة دينية إخوانية واستبدال القانون فيها بقانون خاص بالإخوان المسلمين لا يقيم وزنا للاختلافات والتنوعات العرقية والدينية والمذهبية والسياسية التي هي سمة أساسية للمجتمع والدولة المصريين في تاريخيتهما.
هذا هو أساس ومصدر هدا الصراع الدموي المحموم الذي تعيشه مصر اليوم بين من يدافعون عن تاريخية الدولة مع دمقرطتها طبعا (حركة تمرد أساسا ومعها فئات واسعة من المجتمع المصري) وبين جماعات إسلاموية (الإخوان المسلمون أساسها) تسعى بكل الوسائل وبكل الدعم الإقليمي والدولي (موقف تركيا المنحاز للإخوان المسلمين على غرار موقفهم في سوريا، زيارة ماكين الذي يري في ما حدث انقلابا عسكريا في تجاهل تام لإرادة الشعب التي عبر عنها في 30 يونيو، وأشتون التي اشترطت مقابلة مرسي لزيارة مصر) إلى فرض الأمر الواقع من خلال عودتها إلى السلطة دون العمل على حلول وسط تجنب البلاد ما عاشته من قتل وتدمير لمنشأت الدولة ومقدرات المجتمع المصري.
أما هدفنا من كل هذا الذي ذكرنا فهو تبيان مسألة أساسية مفادها أن الدولة متى كانت قائمة ولها شرعيتها، أو بالأحرى شرعياتها، فهي تبقى الجهة الوحيدة المخولة «قانونا» بممارسة العنف «المشروع» لضمان التهدئة الاجتماعية من خلال ردع كل «الخارجين» عن ثوابت ومشتركات الأمة التاريخية، أو قل تحديدا مشتركات الدولة-الأمة المأمول بناؤها بناءا ديمقراطيا، مدنيا وحداثيا، لأن هذا وحده ما يتيحه الأفق التاريخي الراهن من حيث هو أفق رأسمالي عولمي بقدر ما هو محدد وموجه للصيرورات الوطنية بقدر ما يتحدد بها ?أي بهذه الصيرورات- طبقا لاتجاه الحركة التاريخية التي هي في اعتقادنا ماضية لا محالة نحو تجاوز كل الالتباسات التاريخية الناجمة عن ترابط السياسي بالديني في البناء المؤسساتي للدول المتخلفة.
بمعنى أكثر دقة إن الحركة التاريخية ماضية آجلا أم عاجلا في اتجاه الفصل بين السياسي والديني في ما يخص مسألتي الدولة والديمقراطية؛ ولعل ما وقع في مصر من تحرك جماهيري حاشد لعزل مرسي جاء يسير في هذا الاتجاه التاريخي من فصل الدين عن السياسة في البناء المؤسساتي للدول في هذه المنطقة من العالم. ومن ثم أعتبر شخصيا أن ما وقع في مصر من عزل مرسي وفك اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، بما يمثله ذلك من تقويض نفوذ الإخوان المسلمين الذين كانوا يتوسلون بالدين في قضاء أمور السياسة ليس في مصر فحسب بل في سائر الدول التي فيها فروع من الإخوان، أن ما وقع هو تطور تاريخي هائل جاء يبشر بمقدمات واقعية لفصل الدين عن السياسة، وهذا فيه ربح للإنسانية الحديثة خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث الدول الاستبدادية فيها قائمة دوما على تشابك المصالح السياسية والدينية.
هذا التطور التاريخي الهائل له ما بعده وله أيضا انعكاساته على المنطقة برمتها، وهو ما ينبغي أن يحسب للشعب المصري باعتباره قدم هذا العمل التاريخي وأدى بالنيابة عن شعوب أخرى ضريبة ثقيلة عن هذا العمل الذي لا بد وأن يعترف به كل إنسان حداثي عقلاني يناضل بدون جاهزية إيديولوجية في سبيل تحقيق الديمقراطية كما هي متعارف عليها كونيا. أما الذين يتباكون اليوم على عدد القتلى في ما حدث في مصر، فهم لا يفعلون ذلك إلا لأنهم من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أو من المتعاطفين معهم من تيارات الإسلام السياسي؛ أي أنهم لا يفعلون ذلك من وجهة نظر إنسانية بريئة، ودليل ما نقوله هو أين كان هؤلاء وممثلوهم مما يجري من تقتيل يومي للمدنيين في العراق حيث الأسواق والمساجد والطرقات ومؤسسات الدولة تهتز في كل حين، ودون سابق إنذار، على إيقاع السيارات المفخخة التي قتلت وتقتل أضعاف وأضعاف ما قتل في مصر. كذلك أين كان هؤلاء الذين يتباكون اليوم على عدد القتلى في مصر مما جرى في مالي من تقتيل عرقي في حق الأزواديين الماليين سواء من طرف النظام المالي السابق أم من طرف الجماعات التكفيرية الإرهابية.
الأنكى من كل هذا أن هؤلاء الذين يتباكون اليوم على الضحايا المصريين لا يقومون بذلك لأن القتلى من المصريين، وهذا ما ينبغي الانتباه إليه، بل لأن القتلى هم من الإخوان المسلمين. إنها الطائفية المقيتة التي تستبطن كرها شديدا لكل ما هو وطني. فلا غرابة إذن إن جاءت مواقف العدالة والتنمية والعدل والإحسان وحزب الأمة (أية أمة بالمناسبة: الأمة المغربية التي لها أصالتها وتاريخيتها وخصوصياتها التي ينبغي على كل ديمقراطي وطني التأكيد عليها والدفاع عنها أم الأمة الإسلاموية التي لا وجود فعليا لها في المرحلة الراهنة إلا في المتخيل الإيديولوجي لأصحابها) والقوى السلفية، ببلادنا، متحيزة للإخوان المسلمين في مصر ومهتمة بمصيرهم أكثر من اهتمامهم بالعديد من قضايانا الوطنية الشائكة التي لا تقبل التأجيل: إذا بحسب هؤلاء جميعا فقضايا التنظيم العالمي للإخوان المسلمين هي أولى وأهم من قضايا الوطن، ولذا نحن لا نثق في أن يتولى أمور بلادنا مثل هؤلاء الذين تراهم يستغلون كل ما تتيحه الديمقراطية في سبيل تقويض الدولة والوطن لصالح ارتباطاتهم الخارجية (مواقف سعد الدين العثماني كوزير وكشخص في الفيسبوك لها دلالات ينبغي الوقوف عندها بتأمل، وكذلك ينبغي التأمل في المواقف المزدوجة للعدالة والتنمية التي تنم عن عجز في تحمل المسؤوليات الوطنية وتقديمها على كل اعتبارات خارجية).
لنعد إلى مسألة القانونية والشرعية، فحينما تضعف الدولة وتفقد هيبتها وشرعيتها، يصير «القانون» الذي كان مقبولا في ما مضى من قبل الجميع محل تشكيك وخروج عنه من طرف جماعات سياسية ودينية لها قوانينها الخاصة التي تتنافى وقوانين الدولة القائمة وكذا مع مشتركات وثوابت الأمة التي لا تشكل فيها هذه الجماعات إلا فصائل محدودة الجماهيرية لا يمكن بدعوى حيازتها للشرعية الانتخابية أن تعيد النظر في كل هذه الثوابت والمشتركات التاريخية التي هي ليست فقط أساس الدولة-الأمة، بل ضامن ديمومتها وعدم انهيارها التاريخي والحضاري. وهكذا فإن هذه الجماعات لا تطعن في الشرعية القائمة فحسب، بل هي تحفز كل الجهات الأخرى التي لم تعد تقبل بوجود الدولة قائمة في شكلها الحالي على الخروج عن القانون/الشرعية ليس لأن الدولة القائمة هي استبدادية كما يدعي المتأسلمون وما جاورهم من بعض القوى «الحداثية» و»اليسارية»، بل لأن لهم غايات وأهدافا أكثر استبدادا من استبدادية الدولة هي تلك التي يودون تحقيقها بالسيطرة استراتيجيا على الدولة، أو بالأحرى على سلطات من الدولة بشكل تكتيكي.
حينها تبدأ هذه الجماعات في التخلي عن ممارسة صراعها السياسي مع الدولة بما كان يقتضيه القانون، الذي صار غير معترف به، من تدبير الصراع سلميا (العمل الحزبي، النقابي، المدني، الاحتجاج السلمي….) لتنتقل إلى ممارسة الصراع السياسي من خلال العمل المسلح والعسكري؛ أما هذا الانتقال من ممارسة الصراع السياسي من شكله السلمي إلى شكله العسكري فليس سوى مقدمات الحرب الأهلية التي لا تتوافر شروطها التاريخية إلا في ضعف الدولة، أو قل في غيابها.
بهذا المعنى فإن ما تعيشه مصر اليوم ليس صراعا سياسيا مشروعا لتحقيق الديمقراطية في إطار دولة قائمة ينبغي على كل الأطراف متى احترموا ثوابتها ومشتركاتها التاريخية أن يتوافقوا على الانتقال بها من الحالة الاستبدادية إلى الحالة الديمقراطية المدنية التي تستوعب الكل، بل إن ما يجري في مصر هو خروج جماعات الإسلام السياسي والإخوان المسلمين على مشتركات وثوابت الدولة-الأمة المصرية من حيث هي ثوابت تاريخية واجتماعية ودينية وثقافية لا تحول دون تحقيق الديمقراطية في إطار الدولة القائمة متى تم تثمينها وتحديثها وعقلنتها والتمسك بها.
يتبدى هذا الخروج في لحظتين أساسيتين فاصلتين: أولا حينما تم انتخاب مرسي رئيسا فهو لم يتصرف بصفته رئيسا لكل المصريين وإنما باعتباره من معسكر الإخوان المسلمين، وفي هذا خطر على المجتمع والدولة معا، هذه كانت اللحظة الأولى لمحاولات الخروج على الدولة من داخل أحد مواقع سلطة الدولة ذاتها، ما جعل قطاعات واسعة من الشعب المصري وقواه الحداثية تتحالف مع المؤسسة العسكرية، باعتبارها العمود الفقري للدولة المصرية، من أجل إيقاف هذا الخطر الذي بات يتهدد ديمومة الدولة المصرية في تاريخيتها؛ ثانيا يمكن القول إن مشروع هذا الخروج عن الدولة من داخل سلطة الدولة، وبعد أن تم إفشال حلقاته الأولى من طرف الشعب والمؤسسة العسكرية، ما لبث أن تجدد في شكل اعتصامات طويلة الأمد والنفس (رابعة العدوية والنهضة) قادها الإخوان المسلمون لكن هذه المرة من خارج سلطة الدولة، وتحديدا من داخل سلطة الاعتصامين اللذين يجسدان سلطة مستقلة للإخوان عن سلطة الدولة.
في الشكل الأول من الخروج عن الدولة من داخل سلطة الدولة لم يكن فقدان القانون لشرعيته قد بدا واضحا بالرغم من التشكيك فيه ومحاولة استبداله بقانون إخواني جديد (الإعلان الدستوري) على عكس الخروج الثاني (من داخل سلطة الاعتصامين) الذي فيه بدا واضحا أن القانون أضحى محل تشكيك ونزاع بين الطرفين (الدولة والإخوان المسلمون) بسبب من تنازع الطرفين على الشرعية التي قلنا إنها هي أصل القانونية. حينها لم يعد القانون قادرا على ضبط مجريات الصراع السياسي الذي انفلت من شكله السلمي المبرر والمشروع «قانونيا» ليعانق مستوى آخر منه هو الصراع المسلح والعسكري الذي جاء يعلن بشكل صريح عدم قدرة القانون، باعتباره من الشرعية، على ضبط الوضع تحت سلطة الدولة القائمة.
في ظل هذا الوضع من محاولات خروج الإخوان المسلمين عن الدولة القائمة في محاولة منهم لبناء دولة ليست قطعا ديمقراطية مدنية، لم يكن أمام أجهزة الأمن والجيش الذين هم قوام الدولة المصرية الاستبدادية القائمة، وقد تحالف معهم الشعب، سوى التدخل لفض الاعتصامين باعتبارهما نموذجين لمحاولات تشكل دولة جنينية في قلب الدولة القائمة، وهذا ما لا يمكن القبول به على الإطلاق من طرف السلطة الحاكمة في مصر، ولا من طرف أي ديمقراطي نزيه، لأن في ذلك تجاوز للدولة القائمة وعدم الاعتراف بها كجهة وحيدة لها الحق في ممارسة العنف المشروع من أجل ضمان التهدئة الاجتماعية والسلم الأهلي الضامنين للوحدة الوطنية والترابية.
بهذا يمكن أن نصل إلى حقيقة جوهرية مفادها أن الإخوان المسلمين في مصر مدعمين إقليميا ودوليا (أمريكا، اجتماع فروع الإخوان المسلمين في تركيا مباشرة بعد عزل مرسي ومنهم ممثلو حركة التوحيد والإصلاح المغربية) لم يكن هدفهم البتة تحقيق الديمقراطية، بل إن هدفهم بات واضحا، من خلال الاعتصامين وما تبعهما من حرق مؤسسات الدولة والكنائس، وهو الذي يتجسد في مواجهة كل مقومات الدولة القائمة (الشعب، النخبة، القضاء، الجيش، الأمن) سعيا منهم لاستجلاب مزيد من الدعم الأمريكي والأوربي والتركي لفرض الأمر الواقع على الدولة المصرية وتجاوزها إلى حيث يمكن فرض سلطتهم بعد تقويض سلطة الدولة القائمة التي يهدفون إلى استبدالها بدولة شمولية خاصة بهم.
لنرى الآن كيف أن الدولة بشكل عام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي مصر على وجه الخصوص، صارت في هذا الوضع من الضعف والهشاشة? الدولة في هذه المنطقة من حيث هي دولة لم تتحقق فيها الديمقراطية بعد، هي دولة استبدادية، وهذا ما كان سائدا من قبل «الربيع العربي»، عدا العراق الذي انهارت فيه الدولة الاستبدادية قبل هذا الربيع بسبب من التدخل الأمريكي المباشر. الدولة الاستبدادية هي دولة إما أن تكون انتقالية أو فاشلة، هذا معناه أن كل دولة انتقالية هي بالضرورة دولة استبدادية (من الناحية التاريخية يمكن اعتبار الدولة البونبارتية في فرنسا والبيسمركية في ألمانيا دولتين مستبدتين لكنهما انتقاليتين).
خارج هذه الثنائية لن تستطيع أية دولة، في نظرنا وبناءا على قراءات تاريخية، الانتقال إلى الديمقراطية.
بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية وتجاوز الاستبداد باعتباره حالة تاريخية انتقالية يقتضي بالضرورة وجود توافق وطني عريض بين فئات وطبقات وقوى سياسية وثقافية ودينية تحصلت في شروط تاريخية معينة على قدر من الوعي التاريخي العميق والمطابق (لا مكان فيه للإيديولوجيا) للحالة الوطنية التي يقتضي إدراكها واستيعابها، في تاريخيتها وضرورة ديمومتها زمنيا، تجاوز ذلك الوعي السياسي المباشر والظرفي في صيغته الحزبية الأكثر تعنتا وانغلاقا وذاتية وتفضيلا للمصالح الفئوية على المصلحة الوطنية العليا التي ليست سوى تحصين الدولة من الانهيار والمجتمع من الانقسام والحرب الأهلية في أفق النضال الديمقراطي للانتقال بالدولة من الاستبداد إلى دولة حديثة مدنية (الدولة-الأمة على الأقل بالمعنى الرأسمالي، لتعميق فهم هذا المعنى للدولة-الأمة يراجع كتاب نظرية الدولة من تأليف نيكولاس بولنتزاس وترجمة ميشيل كيلو).
في غياب ذلك التوافق التاريخي، وهذا ما ينطبق اليوم على مصر ومجموع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الانتقالية الاستبدادية، يصير الصراع على السلطة هو جوهر العمل السياسي ومحركه الأوحد والوحيد، سواء أكان ذلك في مراحل معينة من خلال العمل السلمي أو في مراحل أخرى من خلال العمل العسكري والأمني. بمعنى آخر فإن كل أشكال الصراع السياسي هنا ليس لها سوى جوهر واحد، بل هدف واحد، هو الذي يتعين في محاولات السيطرة على السلطة التي ما إن تتمكن منها جهة سياسية حتى تسارع إلى فرض أنموذجها الخاص بها في الدولة، في السياسة، في القانون، وأيضا في الدين والمذهب حتى (حالة الإخوان المسلمين في مصر بعد وصول مرسي إلى الرئاسة، وهو الذي اعترف بأخطائه التي ليست شيئا آخر سوى محاولات فرضه لأنموذج للدولة خاص بالإخوان المسلمين).
هذا بالضبط ما كانت تسعى إليه قوى الإسلام السياسي، وخاصة الإخوان المسلمين منهم، فهذه القوى لم تكن فاعلة في الحراك الجماهيري في مصر وفي باقي بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قبل «الربيع العربي» وفي بداياته الأولى. ولما تحققت هذه القوى من أن سقوط الأنظمة في هذه الدول بات أمرا حتميا التحقت ب»الثورات» على حد تعبيرها، دون أن تكشف عن أهدافها البعيدة منذ البداية أملا منها في المزيد من التموقع (في البداية قال الإخوان أنهم لن يرشحوا للرئاسة في مصر أي كان عن جماعتهم وفي الأخير فعلوا عكس ما يقولون?).
وما إن تمكن الإخوان المسلمون من الوصول إلى السلطة حتى قاموا يغيرون أسس الدولة وقوامها في محاولة منهم لتطويعها بحسب ما يقتضيه استنبات أنموذجهم الخاص في الدولة، وليس من أجل الانتقال بهذه الدولة الاستبدادية إلى دولة وطنية ومدنية؛ إنهم ببساطة كانوا يحاولون من خلال السلطة التي تحصلوها عبر انتخابات ديمقراطية أخونة الدولة المصرية (الإعلان الدستوري، الدخول في صراعات مع المؤسسة القضائية والعسكرية والثقافية والدينية الإسلامية والمسيحية) من دون التوافق مع باقي المكونات المجتمعية والسياسية التي كان لها الفضل في إيصال مرسي إلى السلطة حول ماهية وطبيعة الدولة المأمول بناؤها ديمقراطيا وبشكل جماعي.
إنه نوع من الانتقال الاستبدادي، وليس التوافقي، إلى دولة لا يمكن للديمقراطية فيها أن تتحقق في ظل هكذا انتقال، فالديمقراطية لا تتحقق إلا بالتوافق التاريخي الواعي بمهامه الكبرى، وفي إطار دولة ينبغي على كل الأطراف احترام ثوابتها ومشتركاتها التاريخية؛ أما وأن هذه الثوابت هي محل اختلاف (هذا ما يحدث مع الإخوان المسلمين في كل الدول التي يتواجدون بها بسبب من أولوية ارتباطهم بتنظيمهم الدولي على حساب أوطانهم ودولهم) فإن هذا الانتقال الإخواني الاستبدادي كان يرمي إلى الانتقال بالدولة إلى دولة دينية مستبدة شعارها الجهاد والاستشهاد (هذا الخطاب كان سائدا في اعتصامي رابعة العدوية والنهضة) هدفها المرحلي ليس الحفاظ على الحريات المكتسبة وبناء الديمقراطية، بل هدفها دعم المشروع الإخواني العالمي حيث وجد من أجل قلب الدول الاستبدادية القائمة إلى دول دينية هي بمثابة فروع للأصل في مصر حيث المرشد العام فوق كل هذه الدول.
أمام هذا المخطط الإخواني المدعوم أمريكيا بأدوات إقليمية هي تحديدا قطر وتركيا، ما كان على الشعب المصري إلا النهوض لحفظ ثورته من الانحراف نحو الخط الإخواني غير الوطني الذي لا وجود في إيديولوجيته ومخططاته السياسية لما يسمى بالدولة الوطنية المدنية، وكذلك للدفاع عن دولته التي وإن هي استبدادية انتقالية في المرحلة الراهنة إلا أن وجودها على الأقل يشكل شرطا واقعيا وتاريخيا لتحقيق الديمقراطية المنشودة التي لا تتحقق إلا في إطار علاقة جدلية مع وجود الدولة وعدم انهيارها من حيث أن هذا الانهيار غالبا ما ينجم عنه تفكيك الوطن والشعب إلى دويلات، قبائل، عصبيات عرقية وطوائف لا هم لها إلا الاقتتال والاستقواء بالتدخل الخارجي.
بالعودة إلى ذلك نموذج الدولة الخاص بقوى الاسلام السياسي يمكن القول إنه نموذج طائفي مذهبي غير اختلافي وغير تعددي، وهو بذلك ليس بإمكانه استيعاب كل مكونات الأمة المتعددة والمختلفة في دولة مدنية ديمقراطية، كما أن ليس بمقدوره تحصين الوحدة الترابية والوطنية ضد أي تهديد إرهابي خارجي أم داخلي. ولذا كان اقتناعنا الجازم، وما يزال، منذ مدة بأن قوى الاسلام السياسي ليست بطبعها ديمقراطية ولن تكون كذلك ما لم تقم بقراءات ومراجعات جريئة تفضي بها على الأقل إلى الفصل النسبي بين أمور الدين والدنيا.
لقد بات من الضروري اليوم، وبعد ما جري في مصر تحديدا باعتباره حدثا تاريخيا فاصلا بين مرحلتين، مباشرة الإصلاح الديني على قاعدة قراءات عقلانية متنورة تقطع مع التأويل اللاهوتي للدين؛ وأية ديمقراطية لا تؤدي، عند تحققها، إلى مباشرة هذه القراءات الإصلاحية التنويرية للدين هي ليست ولن تكون ديمقراطية فعلية حتى إن كانت نتاج الشرعية الانتخابية. أوروبا لم تحرز قفزات تقدمية وتاريخية كبرى إلا بعد قيامها بإصلاحات دينية جريئة هي من نقلت الدول والمجتمعات الآوروبية إلى الحداثة التي تعيشها اليوم. ليست الحداثة شيئا موجها ضد الدين بل هي من صميم تعاليم الدين الذي يحث على استخدام العقل في التعاطي مع الواقع في تغيراته وتعقيداته؛ بمعنى ما ليست الحداثة سوى نتاج العقلانية وأجرأة لها في الواقع بشكل عام وفي السياسية على وجه الخصوص.

8/26/2013

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 26 غشت 2013