تكلفة العدالة الانتقالية

حين سُئل الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان عن العدالة الانتقالية أجاب: إنها أجدر وأقل كلفة من العدالة الجنائية التي لم تؤد إلى النتائج المرجوّة، ولعلّه قصد بذلك تجارب العدالة الانتقالية في نحو 40 بلداً وعلى مدى يزيد على أربعة عقود من الزمان، فقد سلكت هذه البلدان طريق العدالة الانتقالية،

وذلك إثر انهيار نظام قانوني مثلاً، أو بعد انتهاء حرب أهلية، أو عقب نزاعات داخلية مسلحة، أو بعد انقضاء فترة حكم دكتاتوري، استبدادي، والتهيؤ للتحوّل الديمقراطي. ولا شكّ

أن العدالة الانتقالية تشمل مرحلة التحرر من الاحتلال إلى الاستقلال، الأمر الذي يستلزم في كل هذه التحوّلات فترة انتقالية ضرورية.

وإذا كان عنان قد فاضل بين العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية، فإن هذه المفاضلة تشمل المرحلة الانتقالية، كما أنها لا تستبعد طريق العدالة الجنائية بالنسبة للضحايا، ولكن دوافع العدالة الانتقالية لا تكون قانونية فحسب، بل يدخل معها ويندرج فيها مراعاة الاعتبارات السياسية والاجتماعية والسلام الأهلي مع الأخذ بنظر الاعتبار، الظروف التي تتعلّق بدرجة تطور كل بلد، إضافة إلى الجوانب الإنسانية.

وعلى الرغم من شيوع مفهوم العدالة الانتقالية في العقود الأربعة الماضية، لا سيّما في المغرب بعد قيام حكومة التناوب العام 1997 برئاسة عبدالرحمن اليوسفي، حيث وجد له صدى في بعض الأدبيات والمدوّنات الحقوقية، وانعقدت لدراسة المفهوم وتفريعاته وعدد من تجارب العدالة الانتقالية، بعض المؤتمرات وورش العمل، لكنه لا يزال غامضاً، بل ويثير التباساً، خصوصاً لجهة علاقته بمبادئ العدالة التقليدية، المتعلقة بإحقاق الحق وإعادته، إضافة إلى بعض الاستخدامات السلبية التي رافقته، لدرجة أن هناك من يتصوّر أن المفهوم ينصبُّ على الانتقام وليس الانتقال، خصوصاً عندما ارتبط بممارسات من قبيل الاجتثاث والعزل كما هو في العراق وليبيا وتونس واليمن وغيرها، بحيث فتح نقاشات وجدالات حادة بدأت ولم تنته، فضلاً عن تأثيراتها السلبية.

وإذا كانت ثمة تجارب دولية قد تراوحت بين فقه القطيعة وفقه التواصل في السابق والحاضر في ما يخصّ العدالة الانتقالية، فإن موجة الربيع العربي طرحت هذه المسألة على بساط البحث على نحو جدّي، وتراوحت أطروحات “الشرعيات الجديدة” بعد انهيار وسقوط “الشرعيات القديمة” بين التشدّد والعزل، وبين الصلابة المبدئية مع شيء من المرونة، لكن الاتجاه الأكثر نفوذاً هو اتجاه الإقصاء والإلغاء، بما فيه التشدّد في تطبيق بعض معايير العدالة الجنائية، وقد لاقى مثل هذا التوجّه هوىً لدى شباب الثورات وبعض قياداتها اللاحقة، وانتقل الجدل إلى التشريعات والقوانين والبرلمان، بما فيه إلى الصياغات الدستورية.

وعلى الرغم من عدم اكتمال الشرعيات الجديدة بحيث تستقر على أساس قانوني وفي إطار حكم القانون، مع مراعاة الفترة الانتقالية التي تحتاج إلى نوع من العدالة تجمع بين القانون والحق وعوامل أخرى مكمّلة اجتماعية وسياسية وصولاً للمصالحة، وهي الهدف الذي لا بدّ أن تضعه مرحلة ما يسمى بالعدالة الانتقالية، خصوصاً وأن الرغبة في العزل السياسي لا تزال شديدة، بل وتطلّ برأسها بين الحين والآخر، بحكم احتدام الصراع السياسي ودخول فئات واسعة إلى عالم السياسة كانت محرومة منها لوقت قريب.

لقد اختارت بلدان عدة طريق العدالة الانتقالية، مع وجود خصوصيات لكل تجربة، بحيث لا يمكن استنساخها أو تقليدها، ولكن بدراستها يمكن الاستفادة منها، لا سيّما بعد تجربة ألمانيا عند انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ولا شك أن تجربة الأرجنتين التي أخذت بنظر الاعتبار حجم الانتهاكات الكبيرة والعدد الواسع من المنتهكين، والذي لو تم تطبيق العدالة الجنائية الاعتيادية بحقهم لحصل نوع من الفوضى والانقسام في المجتمع، الأمر الذي فضلت فيه تجربة التحوّل الديمقراطي في الأرجنتين “إطفاء” الكثير من القضايا وحصرها بعدد محدود من المسؤولين، والتوجّه صوب التحوّل إلى الديمقراطية.

وكانت تجربة جنوب إفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا قد سارت في هذا الطريق وهو الذي قال: علينا العيش في المستقبل بدلاً من الاستغراق في الماضي وذلك عبر تسوية بين الأغلبية السوداء والمؤسسة الأمنية. أما تجربة تشيلي فقد اختارت بعد صراع طويل بين السلطة والمعارضة، طريقاً وسطاً، بموافقة المعارضة على إصدار بيونوشيه قائد الانقلاب العسكري على الحكومة الشرعية برئاسة سلفادور أليندي العام 1973، عفواً عاماً عن المرتكبين وجميع أفراد الجيش المسؤولين عن تعذيب عشرات الآلاف من التشيليين وقتل نحو 3 آلاف إنسان، مقابل موافقته على إجراء انتخابات ديمقراطية، حيث فازت بها المعارضة بعد سنّ دستور جديد حمل بعض الملامح الديمقراطية في العام 1988، وهكذا تم وضع حد للنظام الدكتاتوري بصفقة سياسية بين السلطة والمعارضة، خصوصاً بعد أن وصل الصراع بينهما إلى طريق مسدود، فلا السلطة قادرة على القضاء على المعارضة ولا الأخيرة قادرة على الإطاحة بالسلطة.

أما في أوروبا الشرقية فقد اتخذت بولونيا وهنغاريا من فقه التواصل أساساً للتوجّه الديمقراطي، بتفاهم بين جزء من السلطة والمعارضة للانتقال السلس إلى الديمقراطية وإنهاء حقبة الحكم الشمولي، وحصل الأمر على نحو مقارب في تشيكوسلوفاكيا، لا سيما في الأيام الأخيرة حين وافقت أجزاء من السلطة على الاعتراف بالمعارضة والاتفاق على إجراء انتخابات وسن دستور ديمقراطي وهكذا، في حين كانت تجربة ألمانيا الديمقراطية قد انتهت إلى فقه القطيعة مع الماضي، لا سيّما بعد وحدتها مع ألمانيا الاتحادية، وذلك عبر تطبيق القوانين الألمانية الاتحادية لمساءلة الفترة التي امتدّت نحو 41 عاماً، هو عمر جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

أما تجربة العدالة الانتقالية في المغرب فقد تهيأت فرصة لحكومة التناوب لإجراء إصلاحات ديمقراطية عبر اتفاق سياسي حضرت فيه إرادة الملك متوافقة مع إرادة المعارضة والمجتمع المدني، ولا سيّما منظمات حقوق الإنسان التي لعبت دوراً تعبوياً، وهنا كان التحوّل من داخل السلطة سهلاً وسلساً وغير انتقامي، متّخذاً شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية يستجيب للتجربة المغربية وتطورها.

لعلّ مناسبة الحديث هذا هو ثلاث فعاليات فكرية رصينة انشغلت بموضوع العدالة الانتقالية وقضايا المصالحة والتحوّل الديمقراطي، حيث بدأ الاهتمام يزداد بهذه الموضوعات، لا سيّما بعد مرحلة الربيع العربي، الأولى- الحلقة النقاشية الأكاديمية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، والثانية التي خصصها اتحاد الحقوقيين العرب في اجتماع مكتبه الدائم (الدورة 35) المنعقد في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، والثالثة اجتماع لثماني خبراء دوليين من بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا وجنوب إفريقيا والعراق والمغرب ولبنان في مركز بروكنغز في الدوحة لمناقشة قضايا المصالحات ما بعد الربيع ودور العدالة الانتقالية.

وقد رافق موضوع الفعاليات والأنشطة الأكاديمية والفكرية أسئلة من قبيل التفريق بين العدالة الانتقالية والعدالة الانتقامية، وموضوع الإفلات من العقاب، وأين هي حدود المساءلة والحقيقة؟ وكيف السبيل للجان العدالة والمساءلة أو الإنصاف والحقيقة من اتخاذ إجراءات غير قضائية، لملاحقة قضايا ذات طابع جنائي وتحتاج إلى قضاء مستقل ومحايد ونزيه ومهني للبت فيها؟ ثم ما هي حدود الفترة الانتقالية، وخصوصاً في ارتفاع موجة العزل السياسي والاقصاء المهني؟

ولأن الوضعية غير اعتيادية، فهي استثنائية ومؤقتة وانتقالية، ومهمتها مواجهة إرث الماضي، وهي تشمل العدالة الجنائية والعدالة التعويضية والعدالة الاجتماعية، لا سيّما بكشف الحقيقة كاملة والمساءلة عن الارتكابات وعدم تمكين المرتكبين من الإفلات من العقاب والسعي لجبر الضرر الذي هو أوسع من تعويض الضحايا، مادياً أو معنوياً، وذلك للوصول إلى منع تكرار ما حدث من خلال إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية.

والأمر يحتاج إلى تهيئة الأجواء لإجراء مصالحة وطنية شاملة في إطار من التسامح والتعايش والتفاعل، وهنا تكمن شجاعة المنتصر في مشاركة المهزوم، مثلما هي شجاعة المهزوم في قبول نتائج هزيمته واستعداده للتعاطي مع المستقبل بروح النقد في إطار عملية انتقال ديمقراطي، ولعلّ ذلك يشكّل جوهر وثيقة شيكاغو حول العدالة الانتقالية.

إن العدالة الانتقالية لا تعني عدالة المنتصرين، بل إقرار بحق المجتمع بالتغيير، وذلك بتوفّر إرادة سياسية تشارك فيها الأطراف المختلفة، لا سيّما وجود حركة باسم الضحايا ووعي لدى النخبة، وإصرار على كشف الحقيقة والمساءلة وصولاً للمصالحة، هكذا انتهى نظام الابرتايد الذي هو جريمة ضد الانسانية باتفاق سياسي بعد كفاح طويل، وكان لحركة التضامن مع الضحايا في الأرجنتين، دور كبير في الوصول إلى العدالة الانتقالية، التي من أركانها حفظ الذاكرة حيّة وعدم نسيان ما حصل، ولكن من دون انتقام أو ثأر، بل برياضة نفسية، تشمل أحياناً الضحايا والمرتكبين، وهو الأمر الذي كان أحد أسباب انتهاء النظام الدكتاتوري في تشيلي وهكذا.

لقد قرّرت إسبانيا وصولاً للعدالة الانتقالية قلب الطاولة ولعبت العقلانية الأوروبية والحاضنة الثقافية دوراً في التغيير والانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية، على الرغم من تصدّعها في يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي، وفي احتدام المشهد دموياً في رومانيا، فهل يمكن توفير مثل هذه الأجواء عربياً، استفادة من تاريخنا العربي- الإسلامي ولا سيّما في جوانبه المشرقة المشجعة على التسامح، إضافة إلى القيم الإنسانية المشتركة.

…..

عن صحيفة التجديد العربي

29 غشت 2013