رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان لـ«الصباح»:

انتقلنا بعد الانتخابات من بناء الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات.. إلى الصراع على السلطة وتبرير العنف والتواطؤ مع الارهاب

عن صحيفة الصباح التونسية

31 غشت 2013

أكد عبد الباسط بن حسن رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان أن ما تم الكشف عنه من قبل وزارة الداخلية يستوجب وقفة تأمل واستخلاص للدروس من تبريرات للعنف قدمت على مدى الأشهر الماضية ويستوجب على الجميع الرجوع إلى قضايا الانتقال الحقيقة ومراجعة ثقافتنا التعليمية وخطابنا الاعلامي

كما اعتبر بن حسن أن انقطاع مائة ألف تلميذ عن التعليم رقما كارثيا باعتبار ان المجتمع سيخسر الآلاف من الطاقات البشرية، وفيما يلي الحوار الكامل* بالنظر في المعطيات التي قدّمها وزير الداخلية خلال الندوة الصحفية الاخيرة، ما هي أولويات المرحلة الراهنة في تقديركم؟- إن كل مجهود يبذله الأمن الوطني للكشف عن قضايا الإرهاب وإيقاف خطره مسألة هامة وايجابية. ولكن ما تم الكشف عنه يستوجب منا وقفة تأمّل واستخلاص الدروس، ومنها أنّ تبرير العنف والإرهاب طيلة الأشهر الماضية وعدم كشف الحقيقة كاملة عن المتورطين فيه وعدم التصدّي الجدّي له أدّى إلى مأساة كبرى حيث تحوّلت تونس البلد المسالم إلى رهينة للإرهاب والعنف ولكلّ المستفيدين سياسيا من هذه الجرائم. كما فقدنا خيرة مناضلين سياسيين باغتيال الشهيدين شكري بالعيد ومحمد الإبراهمي، وجنودا ورجال أمن. إنه شعور بالمرارة ينتابنا لأنه كان بالإمكان تلافي كل هذه المآسي بسبب الخلل في التعامل مع العنف والإرهاب والتلاعب بالحقائق حتى لكأن الحقيقة أصبحت جزءا من منظومة كذب كبيرة.إن المسؤولية اليوم تستوجب العودة ودون تأخير إلى قضايا الانتقال الحقيقية التي أُهملت مثل العدالة الاجتماعية وإصلاح الاقتصاد والعدالة الانتقالية وإقامة منظومة وطنية للحقوق والحريات، فكلّما تأخرنا في انجاز هذه المتطلبات الحقيقية للناس كلّما ضاعت الفرص ووقعنا بين أيدي من يتلاعب بمصير البلاد والعباد. ونحتاج مراجعة كبرى لثقافتنا ومنظومة تعليمنا وخطابنا الإعلامي من أجل تحويلها إلى أدوات تنوير ونشر لثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية في مواجهة ثقافة الموت والخوف. وإلى جانب إعمال سلطة القانون وتقوية جهاز الأمن الجمهوري نحتاج إلى ثقافة جديدة وإلى حوار مع الشباب ومشاريع تفتح له الأمل في الحياة بدل الخطاب الذي يأخذه إلى الموتإننا لم نختر العنف والإرهاب بل فرض علينا ولا يمكن أن نواجههما إلا بتنقية الأجواء السياسية والعودة بسرعة إلى مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل وتفعيل نتائج المؤتمر الوطني لمناهضة العنف والإرهاب* نلاحظ أن الفئة التي تم استقطابها في العمليات الارهابية هم من الشباب ومنهم قاصرين وقاصرات. كيف لكم أن تقرأوا الأسباب؟ وما هي الحلول العاجلة التي تقترحون؟إنّ حركات الإرهاب والعنف تتوجّه إلى الذوات الهشة والتي تبحث عن معنى لحياة عادة ما تكون بائسة أو يعتريها نقصان ما، هذه الحركات تعطي معنى ولو مغلوطا وموهوما للشباب، معنى قد يؤدّي إلى الانغلاق والتعصب والكراهية والموت العنيف. إنها حركات توهم الشباب بالقدرة على الخروج من حياة البؤس والإقصاء والفقر واللامعنى. كما أنها توهمهم بإمكانية السيطرة على الآخرين والبطولة والبحث عن الشهادة. ولكن كذلك هنالك أسباب مباشرة لاستقطاب الشباب، ففي الفترة الأخيرة وقع غض الطرف وأحيانا التواطؤ مع جمعيات وقيادات دينية تلاعبت بعقول الشباب في حملة ممنهجة تستعمل خطابا دينيا رجعيا عنيفا. كما لم يقع تجريم مجموعات من تجار الموت قامت بتسهيل رحيل عدد كبير من شبابنا للمشاركة في حروب لا علاقة لهم بها. وكل هذا يقع على خلفية أزمة مجتمعية وقع فيها تهميش قضايا الشباب وموقعهم في المجتمع والتغاضي عن مشاكلهم الحقيقية. نحن في حاجة إلى قرار واضح يعتبر أن حماية الشباب والنهوض بهم أولوية الأولويات ولذلك تترجم هذه الرؤية بتجريم ومحاسبة كل من يستغل الشباب ويغرر بهم ويدفع بهم إلى الهلاك، وبناء منظومة ثقافية وتعليمية مجدّدة تقوم على الإبداع والنقد وتفتح للشباب امكانيات تطوير قدراتهم وايجاد الحلول العاجلة لمأساة البطالة والتهميشكارثة حقيقية* كشفت وزارة التربية، منذ أيام، عن رقم مفزع وهو انقطاع 100 ألف تلميذ عن الدراسة بين سنتي 2012 و2013. ما هي برأيكم تداعيات هذا الانقطاع؟ إن هذا الرقم تعبير عن كارثة حقيقية حينما نعرف أن التعليم والمعرفة هما أساس بناء كل مجتمع يسعى إلى خروج من ظلمات الاستبداد والفقر. هي آلاف من الطاقات يخسرها المجتمع فبدل أن يكون التعليم وسيلة للانفتاح على المستقبل والاندماج الاجتماعي يصبح بابا مفتوحا على المجهول وعلى غموض المصير.إن التسرب من التعليم قد دُرست أسبابه من طرف خبرائنا وبداغوجيينا. ولقد قامت الدولة الوطنية في السبعينات والثمانينات، عندما كان التعليم في قلب رؤيتها للدولة، بمحاولة محاربة هذه الظاهرة بجعل التعليم اجباريا ومجانيا وبمحاولة التجديد البيداغوجي وبالاهتمام بمحيط المؤسسة التعليمية وظروف التعليم بايجاد المبيتات للتلاميذ والمطاعم المدرسية (الكنتينه) والأنشطة الفنية والرياضية وتوفير الملبس والأدوات التعليمية للأطفال المعوزين والحماية الصحية ممّا شجّع التونسيين على تعليم أبنائهم وأصبح التعليم أداة للرقي الاجتماعي. لذلك فإننا في حاجة اليوم إلى رؤية سياسية واجتماعية وثقافية تعيد للتعليم موقعه المتفرّد في المجتمع وتجعل منه أداة للمعرفة ولفتح آفاق للمستقبل وللإدماج الاجتماعي. فالثورة قد قامت على أساس مناهضة الاقصاء والتهميش ويجب أن تعمل مؤسساتنا على تقليص الفوارق ومحاربة التمييز وإعطاء الأمل وإدماج الجميعإن قضية التسرب هي كذلك علامة من علامات أمراض مجتمعنا اليوم وأحد أعراض الاغراق في السياسي على حساب كل القضايا، ونحتاج العودة إلى قضايا المجتمع والخروج من الانحدار الخطير نحو التحارب الحزبي والصراع الإيديولوجي. ولقد صاغ المعهد العربي لحقوق الإنسان رؤية لدور التعليم وآفاقه وطرق اصلاحه من أجل مجتمع ديمقراطي في برنامج يعمل على انجازه بالشراكة مع وزارة التربية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات الأمم المتحدة * إذا أنتم ترون تأثيرا مباشرا للأزمة السياسية على كل القضايا الراهنة؟لقد انتقلنا بعد الانتخابات من منطق بناء الانتقال الممكن نحو الديمقراطية ومتطلباته معروفة: أهمها، العدالة الاجتماعية والحريات وإصلاح المؤسسات، إلى منطق آخر خطير نجني الآن كوابيسه المرعبة وهو منطق الصراع حول السلطة ومحاولة استعادة الهيمنة وتبرير العنف وممارسته من أجل تحقيق أغراض حزبية، ومزيد تهميش قطاعات واسعة من الناس عن القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لقد انتقلنا من الاعداد لمجتمع الأمل إلى زرع بذور الحرب الأهليةإن الشعوب القوية، وشعب تونس أثبت قوته من خلال ثورته، تنتفض على محاولة الذهاب بها إلى المجهول وتستفيق من أجل أن تحمي تاريخها وحضارتها ومستقبل أجيالها. إننا في لحظة فارقة فيها صراع كبير بين شعب يحاول الحفاظ على مدنيته وقوى جهل وعنف تريد جرنا إلى الحضيض. هنا الآن يجب على الجميع أن يعود إلى معنى جديد للسياسة بإطلاق طاقات الناس وإعطاء الأمل لهم وإدارة شؤونهم بحكمة والحفاظ على الدولة الوطنية من النهب والتدمير وصيانة حق الجميع في التنمية العادلة بيئة سليمة وجميلة

حاورته: إيمان عبد اللطيف