مفهوم العلم عند ابن رشد
عبد اللطيف فتح الدين(*

 

عن موقع التسامح

31 غشت 2013

إن القيام بتحديد مفهوم العلم عند ابن رشد يقتضي القيام بقراءة جديدة للمتن الرشدي، تستدعي التطرق لكل العلوم التي اهتم بها ابن رشد في خطابه الفلسفي، وإعادة ترتيبها، والبحث عن أنواع العلاقة التي تربط بينها وكيف استغل، فيلسوف قرطبة، معطياتها في مختلف الحقول.

 

لعل الأهمية التي خصصها ابن رشد للعلوم تتجلى من خلال وعيه بأهمية تصنيف العلوم وتحديدها وعدم الخلط بين موضوعاتها المختلفة؛ باعتبار أن الجنس النظري الموضوع لعلمٍ ما يختلف عن الجنس المؤلف لعلم آخر؛ لكن هذا التمييز بين الموضوعات المكونة للعلوم المختلفة لا ُيخفي التداخلات ونقط الالتقاء بين كل العلوم، فالنتائج المحصلة في علم معين لا تعد حكرا عليه، بل يمكن توظيف بعض مبادئها في علوم أخرى.

 

يصنف ابن رشد العلوم إلى ثلاثة أصناف: 1- علوم نظرية. 2- علوم عملية. 3- علوم مسددة ومعينة، وهي الصنائع المنطقية.

 

هذا التصنيف لا يخفي الاختلاف الحاصل في كل صنف من العلوم على حدة. بحيث إن العلوم النظرية تنقسم إلى قسمين فهناك العلوم النظرية الكلية وعلوم جزئية، العلوم الكلية وهي التي تنظر في الموجود بإطلاق وفي اللواحق الذاتية له(1) وهذه العلوم يقسمها ابن رشد إلى ثلاثة أصناف: وهي صناعة الجدل وصناعة السفسطة، وصناعة ما بعد الطبيعة أما العلوم الجزئية فيعرفها ابن رشد كما يلي: (هي التي تنظر في الوجود بحال ما)(2)وهي تنقسم إلى قسمين: العلم الطبيعي وعلوم التعاليم، وهذان الصنفان جزئيان بالمقارنة مع العلوم الكلية المذكورة سابقا، ويرصد ابن رشد أنواع العلاقات بين العلوم ومصادرة بعضها لبعض في مجموعة من المبادئ، كمفهوم الواحد الذي يهتم به صاحب علوم التعاليم في جانبه الكمي، بينما صاحب علم ما بعد الطبيعة يعطي لهذا المفهوم دلالات أخرى؛ بحيث إنه في هذا العلم يدل على الواحد الكلي أو الواحد في الجوهر.

 

ويعتبر ابن رشد أن كل العلوم -سواء أكانت نظرية أم عملية- تشترك في المنهج؛ وذلك لأنها كلها تعتمد على القياس وتبحث عن صرح نظري متماسك وصلب، فهناك أهمية قصوى يشغلها علم المنطق في المتن الرشدي، فجميع العلوم تعتمد عليه كمنهج يتم من خلاله محاكمة الأقاويل وترتيبها حسب مرتبتها من التصديق إلى قول برهاني، وقول جدلي، وقول خطابي، وقول سفسطائي، وقول شعري حتى يأتي في الدرجة الأولى القول البرهاني كقول علمي وحيد. وكذلك يتم الاعتماد على تصنيفه للأسماء إلى الأسماء المتواطئة والأسماء المشتركة، والمشككة، وكذلك يتم في كل العلوم استخدام الطرق المنطقية من استنباط واستقراء وتركيب وقسمة وشرح ما يدل عليه الاسم…إلخ. من الدلائل التي تبرز أهمية المنطق في المتن الرشدي، يمكن الإشارة إلى التفاضل بين العلوم وتميز بعضها عن بعض؛ فالعلوم النظرية أفضل من العلوم العملية، كما أن هناك تفاضل بين علوم أخرى فعلوم التعاليم أفضل من العلم الطبيعي لكون موضوعاتها بعيدة عن الهيولى مفارقة لها بالقول وذلك؛ لأنَّ الذهن يجرد هذه الموضوعات عن وجودها المادي، بينما موضوعات العلم الطبيعي مختلطة بالمادة وغير مفارقة لها بالقول لا بالوجود، وكذلك لكون العلم الطبيعي يهتم بالموضوعات المادية المركبة عكس علوم التعاليم التي تهتم بالموضوعات البسيطة. أما بالنسبة لعلم المنطق فهو يتسم بكون أن أموره (تستعمل -كما قيل في غير ما موضع- على نحوين: إما من حيث هي سبارات وقوانين تسدد الذهن وتحرر من الغلط وهو الاستعمال الخاص بها، وإما تأخذ تلك الأمور التي تبينت هنالك على أنها جزء صناعة برهانية فتستعمل في صناعة أخرى على جهة المصادرة والأصل الموضوع على ما شأنه أن تشترك الصنائع البرهانية في أن يستعمل بعضها ما تبرهن في بعض)(3).

 

يتبين مِمَّا سبق أن هناك حضور للمنطق كمنهج علمي لتصنيف العلوم وترتيبه من جهة والحرص أيضا على تجريدها من كل أنواع الأقاويل الغير علمية، وهو المقصد الذي راود ابن رشد في الجوامع والتلاخيص والشروح؛ يقول في مقدمة جوامع السماع الطبيعي وهي في نفس الوقت مقدمة عامة للجوامع الطبيعية (فإن قصدنا في هذا القول أن نعمد إلى كتب أرسطو فنجرد منها الأقاويل العلمية التي تقتضي مذهبه أعني أوثقها ونحذف ما فيها من مذاهب غيره من القدماء إذ كانت قليلة وغير نافعة في معرفة مذهبه (..) فلنبدأ بأول كتاب من كتبه وهو المعروف بالسماع الطبيعي ونلخص ما في مقالة منه من الأقاويل العلمية بعد أن نحذف أيضا منها الأقاويل الجدلية لأنها إنما كانت مضطرا إليها عندهم في الفحص عن المطالب الفلسفية قبل أن يوقع عليها بالأقاويل العلمية.)(4).

 

ما هي الأسس والمبادئ التي ينبني عليها العلم عند ابن رشد؟ وما طبيعة المنهج الذي اعتمده في تصنيفه للعلوم وتأويله للمتن الأرسطي؟

 

مبادئ العلم عند ابن رشد:

 

يتبنى ابن رشد التقسيم الأرسطي نفسه لمقدمات العلم، حيث يميز بين أربعة أضرب من المقدمات: المقدمات الواجب قبولها، وأصول الموضوع، والمصادرات، والرسوم التي يشرح بها الاسم.

 

1- المقدمات الواجب قبولها: المقدمات الخطابية والمقدمات الحدسية

 

بعد أن انتهى ابن رشد من بيان المقدمات الضرورية للبرهان مقسما إياها بحسب طبيعتها الجوهرية أو غير الجوهرية، حاول أن يبوبها بحسب أصلها الاستنباطي أو الاستقرائي. إن بعض المقدمات الخطابية هي أصلا نتائج برهانية فيما نجد أن بعض المقدمات الحدسية معروف بذاته بدءا. فالبرهان الذي يتألف من المقدمات الأولى يكون برهانا مركبا إذ يقتضي برهنة واحدة أو أكثر، وهي استدلالات ترتد في آخر المطاف إلى برهان بسيط، أي مؤلف من المقدمات الحدسية وحدها دون غيرها. وعندما نتحدث عن المقدمات الضرورية للبرهان، فإنما نقصد بها بدءا القضايا المباشرة. يقول ابن رشد: (ومبدأ البرهان هو مقدمة غير ذات وسط، أي مقدمة غير معروفة بحد أوسط، وهي التي ليس يوجد مقدمة أخرى أقدم منها في المعرفة ولا في الوجود)(5).

 

بيد أنه لما كان مدار الأمر هنا هو القضايا المباشرة، فلا بد أن يكون مقصودنا بالبرهان البرهان البسيط؛ لأنَّ البرهان المركب يتألف من مقدمات خطابية تترتب عن برهنات أخرى. وهذا ما حدا بابن رشد إلى أن يصرح في شرحه على التحليلات الثانية لأرسطو: (وقوله: وواجب أن تكون مقدمات البرهان غير ذوات أوساط يعني البراهين البسيطة وهي التي يقال عليها اسم: (البرهان بتقديم) وهي التي تتألف من المقدمات اليقينية الأوائل بالطبع، وذلك أن هذه البراهين هي التي ليست تحتاج إلى غيرها وغيرها محتاج إليها وكل ما كان سببا لوجود شيء بحال ما فهو أحق بذلك الحال أعني إن كانت البراهين الأول هي السبب في أن وجد هذا المعنى للبراهين الأول هي السبب في أن وجد هذا المعنى للبراهين الثواني أعني التي مقدماتها ذوات أوساط فلا سبيل أن تعلم إلاَّ بالبرهان)(6).

 

مبدأ البداهة:

 

إن إعمال مبدأ البداهة كان مثار خلاف بين الفلاسفة والأصوليين. فعندما يقول الأصوليون: كون تنوع العلم وموضوعه ضرورة بدهية، ترى الفلاسفة يعارضون هذه الدعوى بالاحتكام إلى برهان يخلص إلى أن العلوم كلها تجد وحدتها في الله تعالى. والحال أنه من غير المعقول أن يدحض البرهان البداهة، اللهم إلاَّ إذا سلمنا بأن الطرفين لا ينسبان إلى البرهان المعنى نفسه. حقا، فالغزالي ينزع إلى الأخذ بما هو مشهور متعارف إذ يتوجه إلى الفلاسفة بالحجة التالية: (ثم قال أبو حامد مجاوبا عن الأشعرية، والجواب أن يقال: استحالة إرادة قديمة متعلقة بأحداث شيء كان تعرفونه بضرورة العقل أو نظره وعلى لغتكم في المنطق أتعرفون الالتفاء بين هذين الحدين بحد أوسط أو من غير حد أوسط فإن ادعيتم حدا أوسط فإن ادعيتم حدا أوسط وهو الطريق الثاني فلا بد من إظهاره وإن ادعيتم ذلك ضرورة فكيف لم يشارككم في معرفته مخالفوكم)(7). أما ابن رشد فيرى أن الغزالي يجانب الصواب، ذلك أن ما هو متعارف متداول ليس شرطا ينبني عليه البدهي بقدر ما هو شرط للمشهور من الأمور، والمشهور ليس بالضرورة بدهيا (ليس من شرط المعروف بنفسه أن يعترف به جميع الناس؛ لأنَّ ذلك ليس أكثر من كونه مشهورا كما أنه ليس يلزم فيما كان مشهورا أن يكون معروفا بنفسه)(8).

 

ويضيف قائلا: (… إن كان معروفا عرفانا يقينا وعاما في جميع الموجودات فلا يوجد برهان يناقضه وكل ما وجد برهان يناقضه فإنما كان مظنونا… إن كان من المعروف بنفسه اليقيني تعدد العلم والمعلوم في الشاهد والغائب فنحن نقطع أنه لا برهان عند الفلاسفة على اتحادهما في حق الباري سبحانه وأما إن كان القول بتعدد العلم والعلم ظنا فيمكن أن يكون عند الفلاسفة برهان)(9).

 

وعلى النقيض من ذلك، فإذا كانت هذه الدعوى حول تنوع العلم وموضوعه مجرد ظن، فسيكون آنذاك لدى الفلاسفة برهان حقيقي.

 

ويعضد الغزالي أطروحته بخصوص تنوع العلم وموضوعه ببيان المبدأ المقنن والعامل المنظم له، وهو الذوق. ويرد ابن رشد على هذا الكلام بقوله: (… وهذا وأمثاله إذا وقع فيه الاختلاف فإنما يرجع الأمر فيه إلى اعتباره بالفطرة الفائقة التي لم تنشأ على رأي ولا هوى إذا سبرته بالعلامات والشروط التي فرق بها بين اليقين والمظنون في كتاب المنطق كما انه إذا تنازع اثنان في قول ما فقال احدهما هو موزون وقال الآخر ليس بموزون لم يرجع الحكم فيه إلاَّ إلى الفطرة السالمة التي تدرك الموزون من غير الموزون وإلى علم العروض.)(10).

 

إن هذه المقارنة التي اقتبسها ابن رشد عن الغزالي نفسه نجد ابن رشد يستعيدها مرة أخرى عندما يستعمل لفظ الذوق في كتاباته(11). ولنا أن نتساءل عن طبيعة الذوق. فابن رشد يدلل بدءا على أن الأمر يتعلق بذوق منطقي تحكمه شروط المقدمات: من أولية وبدهية وبالتقديم وغير ذات وسط ومسلمة.

 

وهو يعزز هذا الدليل في شرحه على الميتافيزيقا بشرط آخر هو حضور المقدمات في الذهن حضورا مستمرا: (ينبغي لمتعلم الحق أن يعرف أولا هذه الأشياء ولا يطلبها إذا سئل عنها لكن الذي ينبغي أن يعرف طالب الحق من هذه الأوائل هو أن يعرف أنواعها والفرق الذي بينها وبين غيرها وذلك بأن تكون عتيدة عنده معروفة إذا سئل عنها ولا يكون في حد من يطلبها إذا سئل عنها أي لا يروم بيانها واستنباطها عندما يسئل عنها ((12). غير أن الزلل يأتي في رأي ابن رشد من العزوف عن بداهة المقدمات الأولية. يتصدى ابن رشد بالنقد لمن ينكرون وجود المقدمات الأولية أساسا للبداهة، حيث يرد عليهم في تلخيصه لكتاب البرهان وكذا في إحدى فقرات شرحه على الميتافيزيقا: (وقد يظن قوم أنه ليس ها هنا برهان أصلا ونفوا طبيعة جملة من قبل أنهم ظنوا أن كل شيء يجب أن يقام عليه برهان.. وكان غير ممكن أن نعلم أشياء متأخرة في العلم بأشياء متقدمة دون أن تكون تلك المتقدمة معلومة أيضا بمتقدمة أخرى، وتلك المتقدمة بمتقدمة أخرى وكذلك إلى ما لانهاية له…وأما القوم اللآخرون فإنهم سلموا أن كل شيء ممكن على جهة الدور لا على جهة الاستقامة وهي التي يلزم قطع ما لا نهاية له المستحيل وأما نحن فنقول إنه ليس شيء يعلم بالبرهان، بل ها هنا أشياء يعلم بغير وسط ولا برهان ووجود ذلك الشيء بنفسه)(13).

 

2- الاستقراء:

 

لقد رأينا ابن رشد يردد -على منوال أرسطو- أن كل علم وكل تعليم يقتضيان معرفة سابقة بالفعل، وأن هذه المعرفة تمتد إلى مبادئ العلم، وأن هذه المبادئ يدركها الحدس، وأن الحدس إنما ينطوي في آخر الأمر على الاستقراء، علما بأنه ليس للعلم من منهج غير الاستقراء والقياس (فمن فقد ضرورة حاسة من حواسه، فقد فقد إدراك الجزئيات التي تخص تلك الحاسة. وإذا فقد إدراك جزئيات ذلك الحس. فقد فقد مقدماته الأول. وإذا فقد مقدماته الأول في حس ما فقد فقد البرهان في ذلك الحس وإذا كان كل علم يكون في حس ما وإنما يكون إما من المعروف بنفسه وإما من قبل المعروف بنفسه من قبل الحس فإذن واجب أن يكون من فقد حاسة من حواسه أنه فقد محسوسات تلك الحاسة، وإذا فقد محسوسات تلك الحاسة فقد فقد معقولاتها)(14).

 

يرى ابن رشد أنه لا بد للطبيعة البشرية أن تسلك سبيل الحدس لكي يتأتى لها بلوغ العلوم النظرية. فعن طريق الحدس نكتسب المقدمات الأوائل، كما أننا بفضله نتمكن من التوصل بالتجريد إلى المقدمات الكلية، حيث يقول إننا لا نصل إلى العلم إلاَّ بالمقدمات الكلية: (والمقدمات الكلية لا طريق إلى العلم بها إلاَّ بالاستقراء وذلك أن المقدمة الكلية المأخودة في الذهن مجردة من المواد، وإذا رام الإنسان أن يبين صدقها فإنما يبين صدقها بالاستقراء إما بأن يبينها مطلقا، إذا كانت من شأنها أن تؤخذ مجردة من المواد، مثل المقدمات التعليمية، وإما بأن يقر بها نحو مادة إذا كانت من شأنها أن توجد في مادة ما)(15).

 

نظرية الاستقراء المستوفي والاستقراء الناقص:

 

يتبنى ابن رشد نظرية أرسطو في الاستقراء دون أن يدخل عليها أي تغيير، يتبناها بوصفها ضربا من القياس تمت استعادته، وهو قياس يسير بمعنى ما من الخاص إلى العام. ويمكن التعبير عن ذلك بقياس يتخذ الشكل التالي:

 

– المقدمة الكبرى: كل الحيوانات التي ليس لها مرارة (حد أوسط: أو) تعيش طويلا (حد أكبر: أك).

 

– المقدمة الصغرى: الإنسان (حد أصغر: أص) حيوان بلا مرارة (حد أوسط).

 

النتيجة: إذن فالإنسان (حد أصغر) يعيش طويلا (حد أكبر).

 

يتعلق الأمر هنا بالقياس من الشكل الأول من النمط BARBARA ; AAA، الذي حده الأكبر هو الإنسان، وحده الأوسط هو(حيوان بلا مرارة).

 

ويمكن أن يتخذ هذا القياس شكلا آخر هو:

 

– المقدمة الكبرى: كل الحيوانات التي ليس لها مرارة (أو) تعيش طويلا (أك).

 

– المقدمة الصغرى: الإنسان والحصان والبغل (أص) حيوانات بلا مرارة (أو).

 

النتيجة: إذن فالإنسان والحصان والبغل (أص) يعيشون طويلا (أك).

 

الملاحظ أن هذا القياس لا يختلف عن سابقه إلاَّ بكون المقدمة الصغرى متعددة مركبة من ثلاثة حدود صغرى هي: الإنسان حيوان بلا مرارة، والحصان حيوان بلا مرارة، والبغل حيوان بلا مرارة. والأمر نفسه ينسحب على النتيجة. وعلى هذا تكون لدينا حالتان واردتان:

 

أ – إما أن يحمل محمول الصغرى على الكلية، أي أن يكون تعداد الأصناف الحيوانية تاما كاملا مستغرقا لجميع الأنواع، ومعناه أن الإنسان والحصان والبغل كلهم حيوانات بلا مرارة. ولعل هذا يقودنا إلى صياغة هذا القياس وفق الترتيب التالي:

 

المقدمة الكبرى: الإنسان والحصان والبغل (أو- أص سابقا) يعيشون طويلا (أك).

 

المقدمة الصغرى: الإنسان والحصان والبغل (أك- أص سابقا) حيوانات بلا مرارة (أص- أو سابقا)

 

النتيجة: إذن فكل الحيوانات التي ليس لها مرارة (أص- أوسابقا) تعيش طويلا (أك).

 

اللافت أن هذا القياس الجديد، عوض أن يبرهن، كما هوا لشأن في سابقه، على الحد الأكبر بواسطة الأوسط، فإنه يبرهن كما نرى على الحد الأكبر، الأوسط سابقا، بواسطة الحد الأصغر سابقا. تجدر الإشارة إلى أنه لما كان الحد الأوسط الجديد(وهو الحد الأصغر سابقا) يقع مبتدأ في المقدمتين الكبرى والصغرى سواء، فإن القياس ينتقل من الشكل الأول إلى الثالث. على أن هذا القياس الجديد تنتفي عنه صفة الاستقراء في رأي أرسطو وابن رشد. فهو لا ينتقل من العام إلى الأعم، بل من الشيء إلى مثيله.

 

ب- وإما أن يكون تعداد الأصناف في الصغرى تاما مستغرقا أو يكاد، وهو الأغلب الأعم من الحالات. آنذاك يكون ثمة توسع، لكن هذا القياس لا يعدو كونه استدلالا بالمثل، تتسم فيه المعرفة بكونها تضعف من حيث يقينيتها بقدر ما تتقوى من حيث عموميتها.

 

ولتبيان الفرق الذي يقيمه ابن رشد بين الاستقراء الناقص والاستقراء المستوفى، لنسق مثلا يورده الكاتب في تهافت التهافت: (فان الوضع بالاستقراء أن كل حيوان يحرك فكه الأسفل، فهذا استقراء ناقص، من قبل أنه لم يستقرئ فيه جميع الحيوانات. وأما الوضع أن كل حاسة، فهي لا تدرك ذاتها فهو لعمري اسقراء مستوفى إذ كان ليس ههنا حاسة سوى الحواس الخمس وأما الكم من قبل ما يشاهد من أمر الحواس أن كل قوة مدركة فليست في جسم فهو شبيه بالاستقراء الذي يحكم من قبله أن كل حيوان فهو يحرك فكه الأسفل؛ لأنَّ الواضع لهذا كما انه لم يستقرء جميع الحيوانات كذلك الواضع أن كل قوة مدركة فليست في الجسم من قبل أن الأمر في الحواس كذلك لم يستقرء جميع القوى المدركة)(16).

 

3- الفرضيات:

 

الفرضيات هي حسب أرسطو -وابن رشد من بعده- أوضاع تأخذ بأحد جزأي المناقضة. يقول ابن رشد: (الوضع ينقسم… إلى ما يسلم فيه وجود أحد جزئي المناقضة أيهما كان: إما الموجب وإما السالب، وهذا هو الذي يسمى (وضعا) بالحقيقة… وهو الذي دل عليه بقوله: (ويسمى الأصل الموضوع)… فأما القسم الثاني الذي يسمي وضعا بتأخير فهو الحد، من قبل أن الحد ليس يتضمن أن شيئاً موجودا لشيء، إلاَّ بالعرض ولذلك لا يقوم عليه برهان يشبه الوضع، ومن حيث هو قول جازم لا يشبهه. ولذلك قد يشك في الحدود المعروفة بنفسها، كما يقول فهو فيما بعد: هل ينبغي أن تعد في المقدمات الأوائل بأنفسها، أو في الأوضاع)(17). الواقع أن مدار الأمر هاهنا بالنسبة إلى ابن رشد وأرسطو هو الأوضاع التي تأخذ بأحد جزأي المناقضة أيا كان، أي بتعبير آخر الأوضاع بالحقيقة، ونقيضها الحدود التي لا تعتمد أيا من جزأي المناقضة والتي تسمى أوضاعا بالتأخير. ولا بد من التنويه في هذا الصدد بأن الفرضية والوضع بالحقيقة هما شيئان متماثلان عند ابن رشد، لذا تراه يجتزئ بلفظة وضع وحدها للإشارة إلى الفرضية. والحال أن الوضع يشبه البدهية (الأكسيوم) من أوجه ثلاثة: أولا: من حيث إنه قول تام مفيد بنفسه؛ ثانيا: من حيث إنه قول جازم، أي يحتمل الصدق والكذب، وهو ما يوسم بالقضية والحكم؛ ثالثا: من حيث كونه قضية غير ذات وسط، ومن ثم فهو مبدأ لا سبيل إلى البرهنة عليه. ومع ذلك فالوضع يتميز عن البدهية بكونه ليس على الدوام مسلما به بدءا على حد تعبير المعلم، وهو ليس ضروريا لمن يريد تعلم شيء ما. ويذهب الشارح الأكبر إلى أن الوضع لا يوجد في فطرة المتعلم: (وأما ما لم يكن سبيل إلى برهانه ولا هو أيضا في فطرة عقل المتعلم فإنه يسمى أصلا موضوعا ووضعا وما كان في فطرة عقل المتعلم فإنه يسمى العلم المتعارف.)(18) ويفسر ابن رشد ذلك بوجود العلة الاعتيادية أو بوجود نقص في الفطرة. والواقع أن هذه الحالة ليس لها من علاج، أما تلك فالزمن كفيل بمداواتها إذ يعتقد أنه من المفيد أن نعمد لوقت معين إلى تبيان المبدأ للمتعلم (قال أرسططاليس: والأصل الموضوع هو الذي يأخذه المتعلم على أنه من عنده، لا على الإطلاق فأما الشيء الذي يصادر عليه فهو الذي لا يكون عنده منه علم. وهذا على ضربين: إما ألا يكون عنده علم البتة، وإما أن يكون عنده علم بضد ذلك والفرق بين المصادرة والأصل الموضوع هو هذا وذلك أن الأصل الموضوع هو ما كان عند المتعلم، لا في ذاته. فأما المصادرة فهي ليست مقبولة عند المتعلم بل عنده خلاف بها)(19)، وهنا تكمن بالضبط قيمة الوضع في المستوى البيداغوجي.

 

4- الحد:

إذا كان ابن رشد يؤخر مسألة الحد ليوردها عند نهاية المبادئ العلمية، فليس غرضه البتة أن يضع من أهميتها، وإنما أن يبين أن الحد كمبدأ يعد عنصرا جامعا يؤلف بين جميع المكونات التي هي المبادئ الأخرى. فما هي طبيعة الحد؟ وما هو وضعه الاعتباري ضمن التصنيف الرشدي للعلوم؟

الحد -حسب ابن رشد- هو قول يعبر عن ماهية الشيء. ويمكن صياغته إما في شكل قول يحل محل لفظ، وإما في شكل قول يحل محل قول؛ لأنَّ بعض الأشياء التي يدل عليها القول يمكن حدها أيضا. ولما كان ينظر إلى الحد على أنه القول الذي يفسر ماهية الشيء، فمن الجلي أن أحد أنواعه إنما هو قول اسمى محض يختلف عن القول الدال على الماهية. وهناك نوع آخر من الحد، وهو القول الذي يبين علة وجود الشيء. هكذا فالأول يعطي دلالة، لكنه لا يبرهن. أما الثاني، فهولا يختلف عن البرهان إلاَّ من حيث ترتيب الألفاظ. ذلك أن هناك فرقا بين أن نشرح لماذا يقصف الرعد وبين أن نحدد ماهية الرعد. ففي الحالة الأولى سنقول إن السبب هو كون النار تخمد في الغيوم، أما في حال تحديد الماهية، فسنقول إنه الصوت الذي تحدثه النار إذ تخمد في الغيوم. هكذا فالأمر يتعلق بالقول ذاته يتخذ شكلا مغايرا، فهو هناك برهان متصل، وهو ها هنا حد: (والحد يقال على ضروب شتى أحدها القول الشارح للاسم النائب عنه دون أن يدل على أن ذلك الشيء موجود أو غير موجود. والثاني هو الحد بالحقيقة وهو الذي يكون مفهما للذات الموجودة بعلتها. ويجب أن يتقدم العلم بها العلم بوجود ذلك الشيء الذي يطلب فيه ما هو ولم هو… وهذا الحد الذي هو بالحقيقة حد هو الذي يسمى برهانا متغيرا في الوضع. ولا فرق بين هذا الحد والبرهان الذي يعطي لم الشيء إلاَّ في الترتيب فقط وتبديل اسم الشيء المحدود بقول شارح. وذلك أن الجواب عندما يسأل الإنسان لم الرعد موجود يكون ترتيبه بأن يقال من قبل أن النار التي في السحاب تنطفئ فيه ويكون ترتيبه إذا سئل ما هو الرعد.. فيقال هو صوت في السحاب لانطفاء النار فيه)(20).

 

الحد والبرهان:

 

إذا كان ابن رشد يبدي انشغاله بنظرية الحد، فإنما ليوضح صلاتها بالبرهان. ولكي يتسنى له تحديد هذه الروابط بين الحد والبرهان، فقد أفرد لها عددا من الفصول (من الفصل الثالث إلى الفصل الثامن) من كتاب التحليلات الثانية(21). وينبني استدلاله على اعتبارين رئيسين: أولهما عقد المقارنة بين طبيعة النتيجة التي يفضي إليها كل قياس وبين طبيعة الحد، وثانيهما بيان الشروط اللازم توافرها في القياس البرهاني نفسه. في ضوء المقارنة بين الحد ونتيجة القياس، يتضح بالفعل أنه من المحال حد كل مل يبرهن عليه، إذ المفروض في كل حد أن يكون موجبا وعاما. والحال أن (نتائج القياسات من الشكل الثاني سالبة ونتائج القياسات من الشكل الثالث غير عامة) ليس كل ما عليه برهان فله حد ولا كل ما له حد فله برهان. فأما أن ليس ما له برهان فله حد فذلك يظهر من أن البراهين قد تنتج موجبات وسوالب والحد لا يعرف شيئاً سالبا وإنما يعرف الّذوات وأيضا البراهين قد تفيد العلم الجزئي وذلك فيما يأتلف منها في الشكل الثالث والحد الكلي)(22). ومن جهة أخرى فليس أقل جلاء أن يكون من غير الممكن البرهنة على كل الأشياء المتوفر حدها، إذ من المعلوم أن البرهان لا يمكن أن يمتد إلى ما لا نهاية. ذلك أنه يجب أن تكون هناك قضايا أولية، أي حدود تشكل مبادئ البرهان ولا تنتج عنه (… وأما أن كل ما له حد فليس له برهان فذلك من أن مبادئ البرهان قد تبين من قبل الحد وليس من قبل البرهان… فقد تبين من هذا أنه ليس ماله برهان فله حد ولا كل ما له حد فله برهان)(23).

 

وبصفة عامة، فإنه لا يجوز بتاتا أن نماهي بين الحد ونتيجة البرهان، إذ ثمة اختلاف أساس يفصل بين الاثنين، اختلاف يلخصه أرسطو في هذه الجملة: الحد يبين أن شيئاً ما ينسب أو لا ينسب إلى شيء آخر يقوم بينهما(24). فالحد ينصب على جوهر الشيء فيما ينصب البرهان على إقرار وجوده. وفضلا عن ذلك، فإذا كان الحد يعبر عن الشيء في ذاته، فإن البرهان لا يدلل سوى على خاصياته. يقول ابن رشد: (… وأيضا فان الحد إنما يعرفنا جوهر الشيء والبراهين قد تعرفنا أمورا خارجة عن جوهر الشيء وهي الأعراض الذاتية. وأيضا الصنائع تضع الحدود وضعا وتتسلم وجودها للمحدود، بمنزلة ما يضع صاحب علم العدد حد الوحدة وحد الفرد)(25). حقا، فالحكم الذي نفهم به حدا ما غير الحكم الذي نتوسل به في إنجاز برهنة ما. ففي هذه الحالة يكون الحكم عبارة عن حمل ينسب مسندا إلى مسند إليه. أما في الحد فليس هناك حمل حقيقي. ذلك هو في نظرنا موطن الاختلاف بين الحد والبرهان. يوضح ابن رشد المسألة على النحو التالي، سائرا في ذلك على هدي المعلم الأول: (البراهين تركيبها على جهة الحمل والحدود تركيبها على جهة الاشتراط والتقييد)(26).

 

صورة الحد التام والناقص:

 

يعرف ابن رشد الحد بأنه قول يعرف ماهية الشيء بالأمور الذاتية التي هي قوامه. فقد تبين أن المحمولات في المنطق هي إما بالذات أو بالعرض. وتبين هنا أيضا أن ما هي بذاتها تنقسم إلى صنفين، محمولات هي جزء من المعرفة؛ ومنها تتشكل الحدود أساسا. أما الثانية فتتمثل في الموضوعات التي هي جزء من المحمولات؛ وهذه لا تشكل أي حد لأنها متأخرة عن جواهر المحدود (وإذا كان هذا هكذا ولاح وجه نظر هذا العلم في هذا الطلب، فلنجعل نظرنا في ذلك من الأعرف عندنا، وهي الحدود؛ ولذلك نسمعهم يقولون إن الحد يعرف جوهر الشيء. وأيضا فإنما نسير أبدا من الأعرف عندنا إلى الأعرف عند الطبيعة، كما قيل في غير ما موضع، فنقول: إن الحد، كما قيل، هو قول يعرف ماهية الشيء بالأمور الذاتية التي بها قوامه؛ فانه قد بان في صناعة المنطق ان الأشياء المحمولة صنفان: صنف بالذاتي وصنف بالعرضي؛ وان ما بالذات أيضا صنفان: احدهما المحمولات التي هي أجزاء جوهر الموضوع، وهذه خاصة هي التي تأتلف منها الحدود. والصنف الثاني أن تكون الموضوعات في جوهر المحمولات؛ وهذه خاصة هي التي تأتلف منها الحدود. والصنف الثاني أن تكون الموضوعات في جوهر المحمولات؛ وهذه فليس يتألف منها حد، إذ كانت أمورا متأخرة عن جواهر المحدود)(27).

 

يتبين أن هذا الحد الأخير لا يتعرض للشكل الحصري، ويهتم فقط بالخاصيات الأساس، ومع ذلك، فإنه يقيد هذه الخاصيات بهذا الشرط الذي بفضله يبقى، وهو شرط لا نجده في الحد الأول.

 

لا يتعلق الأمر بالحد على الإطلاق، ولكن بالحد بمعنى أضيق يجعله قريبا من المعنى الدقيق للحد الكامل. يبدو إذن أن الحد الكامل هو الذي يجب أن يتشكل على أساس الصفات المتقدمة التي تمثل جوهر المحدود، أي الجنس والفصل اللذين يسبقانه بالماهية، الأول كمادة والثاني كصورة: (وأما أي أجزاء المحدود هي المتقدمة عليه بالحد والماهية، وأيها هي متأخرة عنه، أعني أي أجزاء المحدود تكون حدودها داخلة في حد المحدود، فهي الأجزاء التي من قبل الصورة العامة التي هي الجنس، والخاصة التي هي الفصل. وذلك أن حدود هذه الأشياء يلزم ضرورة أن يتقوم بها المحدود؛ ومثال ذلك أن حد الإنسان حيوان ناطق، ونجد الحيوان والناطق -اللذين هما جزءا الإنسان- متقدمين عليه؛ وكذلك الشكل الذي هو جزء حد الدائرة متقدم عليها)(28).

 

ولكن ليصبح الحد كاملا لا يكفي أن تكون مكوناته جوهرية وسابقة على المحدود، لهذا يشترط ابن رشد إضافة إلى ذلك أن تكون قريبة وبالفعل، وإلا حصلنا على نوع آخر من الحدود، أي الحد الناقص: (..). والحال أن الصفات البعيدة هي كلها تقريبا صفات جوهرية، ولكن أكثرها صلاحية لتشكيل الحد هي الصفات المتقدمة على المحدود والقريبة وبالفعل. أما الصفات البعيدة التي لا توجد حالة في المحدود فإنها أقرب إلى الصفات العرضية التي وجودها ليس ضروريا. لهذا فهي لا يمكن أن تشكل سوى حدود ناقصة بدرجة أو بأخرى، حسب درجة بعدها عن المحدود، بعبارة أخرى حسب نسبة انطوائها فيه بالقوة. ويقول ابن رشد: (وكلما تباعدت الأجناس من الصور المحسوسة كانت بهذا الوجود أحرى، أعني الوجود الذي بالقوة، مثل كون شخص الإنسان المشار إليه جسما. ولهذا لم يحتج أن يصرح في الحد إلاَّ بالجنس القريب فقط، إذا كانت جميع أجناس الشيء، إذا كان مِمَّا له أجناس كثيرة منطوية فيه بالقوة. وأما متى أتينا في الحد بالجنس البعيد دون القريب، فليس يكون الحد القريب منطويا فيه؛ ولذلك كانت الحدود التي بهذه الصفة حدودا ناقصة)(29).

 

الرسم والحد بالقياس:

 

إلى جانب الصفات المتقدمة التي تشكل الحد الكامل، توجد الصفات المتأخرة سواء منها القريبة أو البعيدة، وتستخدم لصياغة النوع الثالث من الحدود، والاسم الذي يصلح لها في نظر ابن رشد هو الرسم، إن كان الأمر يتعلق بشيء ليس له أية صفة متقدمة عليه. طبعا هذه الأشياء لا تنتمي إلى المحسوسات التي تتكون من مادة وصورة؛ لأنَّ الأجزاء هي بالضرورة متقدمة على الكل، وبالتالي يجب أن تصلح في وضع حده، فالمنزل قد يعرف بمواده، وبنيته التي يوجهها البناء لغاية معينة، أو كما يفضل ذلك ابن رشد، عبر كل الأشياء التي تكونه وبالكيفية التي كون بها(30). ويطرح هنا سؤال إن كانت هذه الصفات لا تقتضي المحسوسات في حدودها، بما أنها مجردات من المادة. يجيب ابن رشد أن هذه الأشياء رغم أنها مجردة وأننا نتحفظ من النظر إليها كمحسوسات، تتضمن بدائل من المادة والصورة، مثل الشكل المحدود بمنحنى هو جنس الدائرة وفصله الذي هو ما يبقى من حده: (هذا الشك ينحل بان هذه الأمور وان لم يكن لها مواد محسوسة، ولذلك قيل أن النظر فيها لأمن حيث هي في مادة، فانه قد يوجد فيها أشياء نسبتها إليها نسبة المادة المحسوسة إلى الصورة الطبيعية، مثل قولنا في الدائرة إنها شكل يحيط به خط واحد، في داخله نقطة، كل الخطوط التي تخرج منها إلى الخط المحيط متساوية فان قولنا في هذا الحد (شكل) وقولنا (حيط به خط واحد) يتنزل منزلة الجنس، وباقي القول منزلة الفصل، والنسبة التي بين هذه المواد المتوهمة والمواد المحسوسة، هي أن هذه المتوهمة موجودة في الدائرة بالقوة، كالحال في وجود مواد الأشياء المحسوسة في الأمور المحسوسة)(31).

 

يقصد ابن رشد إذن الصفات البسيطة التي لا يتصور تقسيمها إلى أجزاء أصغر، أكانت مادية أو معقولة: (وهذه المواد التي تحاكيها الأجناس منها محسوسة كمواد الأمور الطبيعية، وهي أحق باسم المواد، ومنها مواد متوهمة معقولة كمواد الأشياء التعاليمية؛ فان هذه وان لم تكن تظهر في حدودها المواد المحسوسة، فقد يلفى فيها شيء يشبه المواد، كالدائرة التي جنسها شكل يحيط به خط واحد. وبهذا أمكن أن تكون للأمور التعاليمية حدود. ومن هنا يظهر أن التعاليمية غير مفارقة؛ لأنه لو كان المثلث مفارقا لكان الشكل قبله مفارقا، ولو كان الشكل مفارقا لكان الخط أيضا مفارقا؛ ولو كان الخط مفارقا لكانت النقطة مفارقة…

 

فأما إن كان هنا أشياء ليست لها مواد لا محسوسة ولا معقولة، فتلك ليست مركبة أصلا ولا لها حد أصلا ولا لها حد أصلا ولا فيها وجود بالقوة، بل هي فعل محض. وليس السبب في وحدانيتها شيئاً غير ذاتها، وبالجملة الماهية فيها نفس الآنية؛ وهذا ما يظهر خطأ القائلين بالصور، إذ يجعلونها والمحسوسات واحدة بالماهية والحد)(32).

 

ويعامل ابن رشد على نفس النحو القائلين بالأرقام الجواهر: (ومما قيل في الحد انه قول ذو أجزاء، يظهر أن الحدود إنما هي للمركب، وان الصورة والهيولى، وبالجملة الأمور البسائط، لا حدود لها إلاَّ بضرب من التشبيه. وان الذين قالوا إن حدود الصور المفارقة هي بأعيانها حدود الشيء في المواد يخطئون؛ وكذلك الذين قالوا أن جوهر الأشياء هي الأعداد؛ لأنه يلزم هؤلاء أن تكون الأعداد غير مؤلفة من آحاد، إذ كان للأشياء حدود، والحد ذو أجزاء كثيرة. أو نقول: أن الأشياء المحسوسة وحدات محضة، فلا يكون ها هنا حدا، بل يظهر ضرورة أن العدد في مادة، وأن الوحدة فيه إنما من قبل الصورة، والكثرة من قبل الهيولى.)(33).

 

والحال أن الأشياء البسيطة المحضة وإن كانت لا تحد لأنه ليس لها صفات متقدمة، يمكننا أن نقاربها انطلاقا من صفات متأخرة، وهو ما يسميه ابن رشد الحد بالقياس تمييزا له عن الرسم(34). ها هو التفريع الثاني المنضاف إلى الرسم الذي يتكون حده من الصفات المتقدمة. وكما يقول ابن رشد، فإن الأشياء المحددة هي نوعان: ما ليس لها صفات متقدمة، وما بها صفات متقدمة ومتأخرة. والأولى تعرف دائما انطلاقا من صفات متأخرة من درجات مختلفة حسب قربها أو بعدها؛ لأنَّ ليس لها صفات متقدمة؛ ولكن كلما كانت الصفات أكثر قربا، كانت أصلح لتعريف جوهر الشيء كقولنا ونحن نعرف الله أنه محرك العالم أو صورة الكل. أما الثانية، فبما أن لها صفات متقدمة وأخرى متأخرة، فيجب أن نضع حدها من الصفات الأولى، ولا نستخدم الثانية إلاَّ للاستظهار، أو إذا كنا أعرف بها صعودا نحو الأولى.

 

5- المعرفة بالواقعة أو العلة:

 

لنتوقف عند هذه النقطة التي تشكل في نظرنا منهجية علمية جديدة. فالعلم ينطوي في منظور أرسطو وابن رشد من بعده على لحظتين أساسيتين هما البحث والدليل. ينطلق المنهج الفكري الذي يعتمده العالم من تساؤل، تساؤل حول ما إذا كان الشيء أو الواقعة موجودين. وبمجرد أن يجد الجواب فإنه يستأنف التساؤل. ولن تكتمل المعرفة ما لم نوف الشيء المراد معرفته حقه(35). صحيح أن الحد الأوسط يقع موضوعا لكل أبحاثنا، التي تنصب إما على الواقعة وإما على العلة. بيد أنه عندما نبحث عن الواقعة، فإننا نبحث فيما إذا كان ثمة حد أوسط أم لا. أما حين نبحث عن العلة، فإننا نحاول تحديد الحد الأوسط. إن الفرق النوعي المميز للقياس بالعلة يكمن في كونه يسير من العلة إلى المعلول، وليس العكس. لنأخذ مثلا علة غياب اللمعان والقرب من خلال قياسين مختلفين، حيث يسير الأول من غياب اللمعان إلى القرب:

 

(الكواكب لا تلمع، ما لا يلمع يكون قريبا، الكواكب قريبة).

 

أما القياس الثاني فيسير من القرب إلى غياب اللمعان:

 

(ما هو قريب لا يلمع، الكواكب قريبة، الكواكب لا تلمع).

 

فالأول من هذين القياسين هو قياس واقعة، أما الثاني فهو قياس علة، وهو الذي يتسم بالعلمية في صيغتها التامة الحقيقية. ذلك أن القياس الأول لا ينطلق من العلة، علة غياب اللمعان لدى الكواكب، بل يفضي إليها متخذا كمنطلق له المعلول الذي استعمل هنا حدا أوسط. ومن ثم فهذا القياس أبعد من أن يكون معرفة بالعلة إذ نراه لا يتخذها علة حقا، أي عاملا يترتب عنه بالضرورة مفعول معين.

 

على النقيض من ذلك، يشكل قياس العلة معرفة حقيقية بالعلة، لأنه معرفة عن طريق العلة يعاملها على أنها بالذات عامل مسبب. وسواء تعلق الأمر بوقائع أو بكائنات، فالحد الأوسط يظل دائما علة(36).

 

إن العلم الذي يحيط في الآن ذاته بالواقعة والعلة، والذي لا يأبه بالجوهر، وينطلق من البسيط من المبادئ، هذا العلم يرتد إليه كل مبدأ بوصفه حقيقة نهائية. فالمعرفة تنبني على علل أرقى وأسمى، ولذلك يكون العلم بالعلل والمبادئ أكثر دقة، ويكون العلم بالعلل والمبادئ الأولية أكثر يقينية، والعلم بالعلة العليا هو العلم الأعلى. فالعلوم ينبغي أن تفضي أيضا إلى علم أعظم؛ لأنَّ سلسلة العلل والمبادئ يفترض فيها أن تتوقف. أما الارتداد إلى ما لا نهاية فمستحيل، لأنه إذا كان الحد الأول غير موجود، فليس ثمة حد أسبق منه، وبالتالي فلا وجود للعلة(37). إن حركة البحث العلمي تحدو العقل إذن إلى أن يرتد حتى يبلغ العلة بما هي أساس البرهان. ومن الممكن أن تلي العلة الحد الأوسط في قياس يخلص إلى وجود الكائنات والظواهر موضوع الدرس. هكذا فما نعرفه هو في الوقت ذاته الواقعة والعلة، هو وجود الشيء وجوهره. فما يتم البرهنة عليه هو الواقعة أو الوجود ليس غير، والبرهنة إنما تتحقق عبر العلة وسيلة. وعليه فإن العلم هو معرفة بالعلة عن طريق الجوهر(38).

 

***************************

 

الحواشي:

 

*) باحث من المغرب.

 

1- ابن رشد، جوامع ما بعد الطبيعة، طبعة حيدر أباد، ص20.

 

2– ابن رشد، نفسه، ص6.

 

3– ابن رشد، جوامع ما بعد الطبيعة، ص37.

 

4- ابن رشد، جوامع السماع الطبيعي، ص1 – 2 ط حيدر آباد – ورقة 1ظ، مخطوط مدريد.

 

5– ابن رشد، تلخيص كتاب البرهان، تحقيق: جيرار جيهامي، المكتبة الشرقية، بيروت 1982م، ص374.

 

6 ابن رشد، شرح كتاب البرهان لأرسطو، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، السلسلة التراثية، الكويت 1984م، ص184.

 

7– ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق: موريس بويج M. Bouyges. دار المشرق-بيروت 1986م، ص13.

 

8– ابن رشد، تهافت التهافت.

 

9 ابن رشد، نفسه.

 

10– ابن رشد، نفسه ص15-16.

 

11– ابن رشد، نفسه ص16-17.

 

12– ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق: موريس بويج، دار المشرق بيروت ص343.

 

13– ابن رشد، تلخيص كتاب البرهان، تحقيق: عبد الرحمن بدوي ص53، وانظر أيضا إحالة ابن رشد إلى كتاب تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق: موريس بويج، ص43-242.

 

14– ابن رشد، شرح كتاب البرهان، ص416.

 

15- ابن رشد، نفسه ص93.

 

16– ابن رشد، تهافت التهافت، ص565-566.

 

17 ابن رشد، شرح كتاب البرهان، ص193-94.

 

18 ابن رشد، نفسه ص192.

 

19– ابن رشد، نفسه ص316.

 

20– ابن رشد، تلخيص كتاب البرهان، ص155-56.

 

21الفصل الثاني من كتاب التحليلات الثانية يبدأ بضميمة حول نظرية البرهان ويُستتبع بكتاب حول الحد وعلاقته بالقياس.

 

22 ابن رشد، تلخيص كتاب البرهان، ص142 Aristote, Sec. Anal. II 3, 90 b =

 

23 ابن رشد، تلخيص كتاب البرهان، ص141-42 -27 =Aristote, Sec. Anal. II 3, 90 b p.18

 

24Aristote, Sec Anal, II 3, 90 b, 18-27

 

25– ابن رشد، نفسه، ص151.

 

26– ابن رشد، نفسه، ص143.

 

27- ابن رشد، تلخيص ما بعد الطبيعة، ص42.

 

28– ابن رشد، نفسه ص71.

 

29 ابن رشد، نفسه ص69-70.

 

30 ابن رشد، نفسه ص64.

 

31 ابن رشد، نفسه ص64-65.

 

32- ابن رشد، نفسه ص70-71.

 

33 ابن رشد، نفسه ص66.

 

34- ابن رشد، نفسه.

 

35Aristote, Anal post II

 

36Aristote, II, 12 95a.I,8,9b

 

37Aristote, I, 9 76a, 72 87 a Métaph A 1-2, 580-82a

38Aristote, Anal II, 13 p. 77-78