ألم يحن الوقت بعد لتحمل المسؤولية والقطع مع ازدواجية الخطاب والممارسة؟!…

محمد العمراني

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

3شتنبر 2013


إذا كان الخطاب الملكي ليوم 20 غشت قد وضع تشخيصا دقيقا للوضعية التي آلت إليها المنظومة التعليمية ببلادنا، والتي زاد استفحالها مع حكومة السي بنكيران، بسبب الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها في تدبيرها لهذا القطاع الحساس جدا، وتغليبها للحسابات السياسوية الضيقة في تعاطيها مع هذا الملف الذي ينبغي أن يكون محط تشاور دائم مع جميع الفرقاء السياسيين والاجتماعيين.
بالمقابل كشف هذا الخطاب عن حقيقة جماعة بنكيران في تعاطيها مع مسؤولية تدبير الشأن العام، فاستراتيجية الحزب الأغلبي وذراعه الدعوية، حركة التوحيد والإصلاح، تقوم بشكل أساسي على التوزيع المتقن للأدوار بين جناحين، الأول يصنف في خانة الصقور والذي تم تكليفه بالتصدي للخطاب الملكي وتوجيه انتقادات شديدة اللهجة بشكل غير مسبوق، فالهيلالي نائب رئيس حركة التوحيد والإصلاح، لم يتردد في وصف الملك محمد السادس بالملك المعارض، في إشارة إلى انتقاد الخطاب الملكي لأداء الحكومة في قطاع التعليم، في حين البرلمانية ماء العينين اعتبرت أن الملك ينسب لنفسه كل ما هو إيجابي, أما السلبيات فتحسب على بنكيران وحكومته التي لم يترك لها أن تشتغل في ظروف مريحة، السي أفتاتي كشف لنا عن فتح عظيم عندما اعتبر أن خطب الملك ليست قرآنا منزلا,وبالتالي فهي تستلزم الرد والانتقاد وهو ما قام به فعلا، أما البرلماني الشاب والمسؤول الإقليمي لحزب العدالة والتنمية بطنجة, فقد طالب بتوضيح حدود الالتباس فيما يتعلق بمجال ربط المسؤولية بالمحاسبة أثناء ممارسة الملك لمسؤولياته الدستورية، مع التأكيد على أن المستشار الملكي الراحل مزيان بلفقيه هو من كان مسؤولا عن تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، في إشارة إلى أن الديوان الملكي هو المسؤول عن هذا الورش ولا علاقة لحكومة بنكيران بأي فشل عرفه هذا القطاع….
أمام الجناح الثاني، جناح الحمائم، فيتزعمه العلبة السوداء لرئيس الحكومة، وزير الدولة بحقيبة فارغة السي باها، وهو المتخصص في توجيه رسائل الود والإخلاص لثوابت الأمة ومؤسساتها الدستورية، والجميع تابع تصريحاته لقنوات القطب العمومي حول الخطاب الملكي، وكلها إشادة وتنويه بمضامينه التي اعتبرها توجيهات سديدة للحكومة من أجل تصحيح الاختلالات….
أما الزعيم بنكيران فإنه ,وكعادته دائما, في مثل هاته الظروف ركن إلى الصمت وبلع لسانه، وهو المعروف بكثرة الكلام والمسارعة إلى إصدار التصريحات بمناسبة أو من دونها، ويبدو أن بنكيران يتقن جيدا لغة الصمت مثلما يتقن الكلام، ألم يصرح بذلك خلال جلسة المساءلة الشهرية الأخيرة بمجلس المستشارين حينما قال أن المغاربة يفهمون بنكيران حينما يتكلم ويفهمونه حينما يصمت، فبنكيران متأكد اليوم أن المغاربة فهموا صمته عندما لم يدل بأي تصريح حول الخطاب الملكي الذي حمل حكومته بشكل واضح مسؤولية تفاقم وضعية التعليم!…
المتأمل لهذا الأسلوب المبني على ازدواجية الخطاب، أو ما يطلق عليه ب «شي كيكوي وشي كيبخ» سيكتشف أن جماعة بنكيران لا زالت مصرة على إبقاء اللبس والغموض في خطابها، فهي من جهة تدافع عن الملكية وتعتبرها رمز الاستقرار، ومن جهة أخرى لا تتردد في توجيه اتهامات مبطنة أحيانا وصريحة في أخرى إلى المؤسسة الملكية بكونها مؤسسة تتموقع في الصف المعارض لحكومة بنكيران وبضرورة إخضاعها لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالأكيد أن هذا الخلط واللبس يبقى شيئا مطلوبا من طرف بنكيران وجماعته، لأنه يمنح لقيادة الحزب الأغلبي إمكانية تغيير المواقف والمواقع وفقا لميزان القوى، فحينما تكون الظروف في صالح الجماعة ترى القيادة متناغمة مع الصقور، وحينما تتغير الظروف في غير صالح الجماعة تصبح القيادة متماهية مع جناح الحمائم بحيث لا تتردد في إعلان راية الاستسلام والانبطاح حتى تمر العاصفة.
لقد تجلى ذلك في أكثر من مناسبة، وجميع مواقفهم كانت تضع مصلحة الحزب فوق أي اعتبار، فعدم خروجهم خلال تظاهرات 20 فبراير لم يكن بوازع الحفاظ على استقرار البلاد، بل لأجل عقد صفقة للوصول إلى الحكم و المقايضة على إطلاق سراح القيادي جامع المعتصم المتهم في قضايا الفساد، وهو اليوم مديرا لديوان رئيس الحكومة وملفه لا زال مفتوحا أمام القضاء!…
وفي موقف مناقض لموقفهم الأول وعندما اتضح لهم أن مصلحة الحزب تتعارض مع واجب الدفاع عن المؤسسة الملكية انحازوا بدون تردد لمصلحة الحزب والجماعة، تأكد ذلك في واقعة العفو عن الوحش الإسباني مغتصب الأطفال المغاربة، فجماعة بنكيران انسحبت للوراء وتركت الملك وحيدا في مواجهة الاحتجاجات التي طالبت بالكشف عن ملابسات العفو، بل إن الوزير الرميد لم يتردد في تحميل الديوان الملكي المسؤولية الكاملة في هاته القضية، لقد فضل بنكيران وجماعته الحفاظ على مواقعهم الانتخابية على حساب تحمل المسؤولية في الدفاع عن المؤسسة الملكية باعتبارها رمزا للاستقرار ولضمان دوام الدولة، نفس الموقف اتخذوه حينما تعرض الملك محمد السادس لانتقادات طارق العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، غير أن قياديي الحزب الحاكم وذراعه الدعوية دفنوا رؤوسهم في الرمال ما دام الأمر يهم التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين…
فعن أي دعم للملكية يتبجحون به صباح مساء، ولمن يحتاج إلى دروس في تحمل المسؤولية نذكرهم بموقف الوزير الأول الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي أطال الله في عمره، في قضية منع جريدة «لوجرنال»، فالجميع يعلم أن قرار المنع كان سيصدر عن الديوان الملكي، لكن اليوسفي قرر تحمل مسؤولياته بصفته وزيرا أول وصدر القرار عن الوزارة الأولى ,لأنه مقتنع تماماً بأن المؤسسة الملكية يجب أن تبقى بعيدة ومحصنة من إقحامها في أتون الممارسة اليومية لتدبير الشأن العام، والجميع يدرك مدى إيمان عبد الرحمان اليوسفي بقيم حقوق الإنسان وبحرية التعبير, لكن المسؤولية تقتضي أن يتخذ المسؤول قرارات تبدو مؤلمة، فمنطق الدولة يفرض عليه اتخاذ قرارات قد تبدو غير متساوقة مع القناعات والمبادئ التي يؤمن بها…
إن أخطر ما يتهدد استقرار البلاد اليوم هو هذا الإصرار على إبقاء مساحات شاسعة من الظل والغموض، حيث يسهل اتخاذ الموقف ونقيضه ويتيح التهرب من المسؤولية متى تم الاستشعار بكونها تعارض مصلحة الحزب الضيقة، فلم يعد مقبولا أن تبقى جماعة بنكيران مصرة على أسلوب التقية وإظهار عكس ما يبطنون، فإما أن يتحملوا المسؤولية خدمة لمصالح الوطن بما يترتب عنها من فقدان الشعبية الانتخابية أو الخروج إلى المعارضة بشكل واضح لا لبس فيه، لقد حان الوقت لتحمل المسؤولية والقطع مع ازدواجية الخطاب والممارسة، أما الجمع بين النقيضين فلن تجني البلاد منه إلا الكوارث….

3/9/2013