دراسة تكشف بنك الأهداف الأميركية في سورية
ربط الأهداف العسكرية بالأغراض السياسية الرئيسية

واشنطن – الوطن العربي –

الأربعاء, 04 سبتمبر 2013

في الوقت الذي تتجه فيه واشنطن نحو اتخاذ إجراءات عقابية ضد سوريا، من المفترض أن تأخذ العملية العسكرية المترتبة على هذا التحرك أحد مسارين: إما توجيه ضربات عسكرية رمزية تهدف إلى استعادة المصداقية حول تصريحات الولايات المتحدة المتعلقة بـ”الخط الأحمر” أو أن تكون محاولة جادة لتحديد نوايا نظام الأسد وقدراته العسكرية. وقالت دراسة اعدها الرائد تشاندلر أتوود، من السلاح الجوي الاميركي، وهو زميل عسكري زائر في معهد واشنطن، و مايكل نايتس و هو زميل ليفر في المعهد ومقره في بوسطن، انه إذا اتجهت الأحداث نحو المسار الأخير، فإن عملية اختيار الأهداف وتحديدها يجب أن تكون قائمة على مناقشات دقيقة للأهداف الإستراتيجية والنتائج المبتغاة. فعلى أقل تقدير، ستكون النتيجة المرجوة على الأرجح للعمل العسكري الذي تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها هي ردع أي استخدام مستقبلي للأسلحة الكيميائية. غير أنه يمكن تلمس مجموعة كبيرة من النتائج واسعة النطاق أثناء انخراط الجيش الأميركي في العمل العسكري مثل الحد من هجمات النظام على المدنيين عموماً، أو اعتراض طريق المساعدة المقدمة من الوكلاء الشيعة المدعومين من قبل إيران (على سبيل المثال، «حزب الله»)، أو حتى وقف الهجمات التي يشنها نظام الأسد فضلاً عن تعزيز وقف إطلاق النار. وفيما يلي نص الدراسة :

ضرب أهداف الأسلحة الكيميائية فقط ؟
هناك بعض المزايا في الحفاظ على التركيز التام على الأهداف المتعلقة بالأسلحة الكيميائية في أي عملية عسكرية يتم توجيهها، بما في ذلك الربط الواضح بين العقاب والجريمة في عيون النظام والمجتمع الدولي والشعب الأمريكي. ومع ذلك فإن الخيار الأمثل – وهو القضاء على قدرة النظام على شن هجمات بالأسلحة الكيميائية عبر التخلص من مخازن الأسلحة الكيميائية أو أنظمة التوصيل – يرجح ألا يكون عملياً خارج إطار الظروف العامة للحروب.

ففي بادئ الأمر من المرجح أن يقوم النظام بإجراءات دفاعية مثل إخلاء ميادين المعارك ونقل مخزونات الأسلحة الكيميائية بشكل متكرر مما يجعل من الصعب للغاية العثور عليها واستهدافها دون غطاء جوي أمريكي كامل لإتاحة حرية الحركة الكاملة من أجل جمع معلومات إستخباراتية بشكل مستمر في المجال الجوي السوري. كما أن الدليل القاطع على استئصال الأسلحة الكيميائية سيتطلب أيضاً الدفع بجنود أمريكيين على أرض المعركة أو القيام بعمليات تفتيش دولية غير مقيدة. وبالإضافة إلى ذلك، يرجح أن يتم إحباط الجهود المبذولة لتدمير معظم أو جميع أنظمة تسليم الأسلحة الكيميائية التابعة للنظام باستخدام الأعداد الكبيرة من قطع المدفعية وقاذفات الصواريخ والقذائف وسلاح الجو في سوريا، والتي تشكل في مجملها مجموعة أهداف معقدة جداً وموزعة توزيعاً جغرافياً.

ضرب وحدات عسكرية
إذا لم يكن بمقدور الولايات المتحدة القضاء على قدرات الأسلحة الكيميائية لنظام الأسد، فإن جميع الخيارات البديلة تبقى في المناطق الضبابية التي تتمثل في الاستهداف القسري الذي يُقصد منه ردع الاستخدام المستقبلي للأسلحة الكيميائية.

فعلى سبيل المثال، من الممكن أن تسعى واشنطن إلى إعادة صياغة حسابات النظام عبر الانتقام المباشر من الفرقة المدرعة الرابعة المتمركزة في دمشق – وهي الوحدة المسؤولة عن الهجوم بالأسلحة الكيميائية في 21آب/أغسطس. وقد تشمل الأهداف المحددة مقرات الفرق العسكرية وأماكن ركن المركبات العسكرية وأنظمة توصيل الأسلحة الكيميائية (القذائف والمدفعية والصواريخ).

وسيكون من الصعب الهجوم على مجموعة أهداف متفرقة، بيد أنها لا تزال تقع ضمن إطار القدرات الاميركية وبدرجة خطورة منخفضة إلى متوسطة. كما تبدو شبكة الدفاع الجوي السوري قوية من الناحية النظرية ومن الواضح أنها تقدم درجة كبيرة من الحماية، بيد إن ذلك ليس ضرورياً في الواقع. فعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، شنت إسرائيل غارات جوية في الداخل السوري كانت مباغتة للنظام ولم يتم التصدي لها بفعالية، وشملت هجمات استهدفت منشآت الفرقة الرابعة المدرعة بالقرب من دمشق. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة فقدت عنصر المفاجأة الإستراتيجية، إلا أن طائراتها المقاتلة من الجيل الرابع وغيرها من مصادر القوة الأخرى تستطيع أن تحقق تفوقاً جوياً داخلياً، وتدمر الدفاعات الجوية السورية، وتعترض طريق القوات الميدانية وأنظمة الأسلحة الكيميائية في المناطق المحددة. وتحمل هذه الطائرات رؤوساً استكشافية عالية الدقة فضلاً عن العديد من القنابل صغيرة القطر والتي تساعدها الأقمار الصناعية وتعتبر مثالية “لاستهداف” صواريخ العدو الفردية وقاذفات الصواريخ والمركبات فضلاً عن استهداف المخازن والمستودعات على نطاقات ممتدة خارج نطاق مناطق الاشتباك بصواريخ أرض – جو. وبطبيعة الحال، لا يمكن استبعاد إمكانية حدوث أي أضرار جانبية وسقوط ضحايا بين المدنيين نظراً لأن بعض عناصر الفرقة المدرعة الرابعة تتمركز في المناطق الحضرية على مشارف ضواحي دمشق.

ومن الممكن أن تصيب واشنطن النظام من خلال توجيه ضربات حاسمة لإحدى الوحدات الأكثر أهمية بالنسبة للأسد، وهي اللواء مائة وخمسة وخمسين الكائن في وسط دمشق الذي يقوده شقيق بشار، ماهر الأسد. وسوف يتأكد عزم وإصرار الولايات المتحدة من خلال توجيه ضربة عسكرية كبيرة إلى دمشق باستخدام أسلحة توجهها عناصر عسكرية بدلاً من الاقتصار على صواريخ كروز. فمثل هذه المنهجية ستؤكد للقيادة في سوريا أن القوات اميرك ترغب في “الدخول إلى وسط المدينة” ونحو المراكز الدفاعية للنظام الأكثر قوة منذ اليوم الأول لتوجيه هذه الضربة. كما من الممكن أن تدفع نخبة النظام إلى الهرب من العاصمة، وتعزز الروح المعنوية للمتمردين، وتفتح أفاقاً جديدة لتقدم الثوار نحو دمشق.

استهداف أوسع نطاقاً
إذا كانت الحكومة اميرك على استعداد لتوسيع قائمة أهدافها، فمن الممكن أن تشير إلى جوانب تخوف الولايات المتحدة مع إفساح الطريق أمام توجيه ضربات تتابعية إذا لزم الأمر. ورغم أن استهداف القيادة المركزية من المحتمل أن يلحق الصدمة الأكبر، إلا أنه من الصعوبة بمكان القيام بذلك على نحو دقيق ومحكم. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي هذا إلى القضاء غير المقصود (لكن المتعمد على ما يظهر) على القيادة أو فشل ملحوظ يفضي إلى “التوحد خلف علم البلاد” مما يجعل القيادة تبدو بطولية ومن ثم تصبح الضربات الاميركية ضعيفة التأثير. كما أنه من الصعوبة بمكان أيضاً قمع عناصر مثل المنافذ الإعلامية التابعة للنظام، كما كان عليه الحال خلال “عملية حرية العراق” و “عملية القوة المتحالفة في كوسوفو”.

ومع ذلك، فقد يكون من المفيد مواجهة بعض الأهداف الرمزية المرتبطة بالهجمات التي يشنها النظام ضد المدنيين، لاسيما مقرات استخبارات القوات الجوية والقواعد الجوية العسكرية ووحدات “الجيش الشعبي” الجديدة التي تمولها إيران ويدربها «حزب الله». كما قد يكون من المفيد أيضاً استهداف أنظمة الدفاع الجوي المتنوعة ومرافق الاتصالات الآمنة من أجل جعل الهجمات المتتابعة أقل خطورة بالنسبة للقوات الاميركية.

التداعيات على السياسة الاميركية
إذا كانت الضربة العسكرية أكثر من مجرد خطوة رمزية، فإن القادة الأميركيين بحاجة إلى الموافقة على استهداف بعض النقاط التي من شأنها أن ترسل أكثر الرسائل التهديدية الممكنة لنظام الأسد. إن نجاح الضربة العسكرية يصبح أكثر رجحاناً إذا فاجأت واشنطن النظام السوري، من خلال الاستعداد للتعاطي مع مخاطر أكبر من المتوقع، أو من خلال التسبب في أضرار كبيرة غير متوقعة من شأنها أن تحول ميزان القوى الداخلي ضد الأسد خلال معركة ميدانية حاسمة. ومن الممكن أيضاً أن تمثل هذه الضربة فرصة أفضل للتأثير على سلوك النظام إذا مهدت الطريق لتنفيذ عمليات متتابعة.

كما أن عمليات الحصول على المعلومات عقب الهجمات ستكون مهمة بنفس قدر أهمية الضربات نفسها. كما أنه من المهم عرض أسباب القيام بضرب بعض هذه الأهداف إذا كانت واشنطن ترغب في التأثير على النظام السوري. فعلى سبيل المثال، من خلال الإشارة إلى أنهم يريدون توفير المزيد من الحماية للمدنيين السوريين بصفة عامة، فإن المسؤولين الاميركيين قد يقنعوا النظام بأن يضع في اعتباره أن بعض الأساليب (على سبيل المثال، الهجمات الكيماوية) محظورة. كما أن مسألة تكوين تحالف لتنفيذ ضربات تتابعية أكبر ستمثل قيمة كبيرة حيث إن القيام بضربة جوية متكاملة الأركان – وهو تهديد رئيسي من المحتمل أن يتطور – سيتطلب توافر قاعدة جوية كبيرة مكونة من عدد كبير من الحلفاء.

وإجمالاً، يحتاج نظام الأسد إلى أن يدرك أن الهجمات الاميركية ربما لا تمضي بشكل خطي أو يمكن التنبؤ به. وبعبارة أخرى، ينبغي على واشنطن منع الأسد من أن يقرر أنه يستطيع بصورة انتقائية مقايضة هجمات عارضة بالأسلحة الكيميائية مقابل الحد من الضربات العسكرية الاميركية – وتلك مقايضة ربما يكون النظام على استعداد لتحملها. وبدلاً من ذلك، يتوجب إقناع نظام الأسد أن أي ضربة عسكرية اميركية تعتبر بمثابة الخطوة الافتتاحية لحملة أوسع نطاقاً لا يستطيع أحد سوى النظام السوري إيقافها من خلال تغيير سلوكه.

****************

عن موقع جريدة الوطن العربي

4 شتنبر 2013