المصالحة الوطنية‏…‏ وعقدة جورديون‏.

أفكار‏..‏ ومواقف بقلم‏:‏ د‏.‏ إمام عبد الفتاح إمام

يقال إن الإسكندر الأكبر‏(356-323‏ ق‏.‏م‏.)‏ عندما وصل في أثناء زحفه عبر آسيا الصغري إلي مملكة فريجيا‏Phrygia‏ زعم له أهلها أن ملكها المعظم عقد عقدة متينة جدا لأنه أحكم شدها وأنه لن يستطيع حلها إلا سيد آسيا المقبل‏,‏ وطلبوا منه أن يقوم بالمحاولة‏;‏ وتأمل الإسكندر هذه العقدة المتينة ثم استل سيفه وضربها ضربة واحدة فأجهز عليها‏,‏ ثم أصبحت عقدة جورديون‏..GordianKnot‏ مرادفا لكل مشكلة لا تحل إلا بعمل حاسم‏..‏

وهناك نغمة جديدة بدأت تظهر سريعا وتعلو شيئا فشيئا وهي أن الإخوان المسلمين هم أخوة لنا, وعلينا ألا ننسي ذلك في أي وقت, وبالتالي لابد من المصالحة الوطنية أي أن نجلس معا ونتصافي!!
ولم أقرأ في حياتي تخريفا أكثر من ذلك..! الإخوان المسلمون مواطنون مصريون.. نعم! وكذلك اللصوص والمجرمون والقتلة وقطاع الطرق, فالمنحرفون في كل المجتمعات لا آخر لهم, فهل نجلس مع كل فريق لنتصالح..؟!
هؤلاء الإخوان لهم تفكير لن يتغير, خلاصته أعلنها المرشد السابق لهم في عبارة موجزة ذات دلالة عميقة هي طظ في مصر.. وليس هذا ضربا من الشتائم. لا سمح الله- وإنما هذه العبارة الموجزة تلخص برنامجا كبيرا لهدم مصر, تاريخيا وحضاريا, وتحويلها إلي ولاية إسلامية لن توجد إلا في خيال هؤلاء المرضي!!
فكيف نجلس للمصالحة مع هؤلاء الناس؟! وأية مصالحة هذه؟! هل أعطيه الحبل الذي يشنقني به لأنه مصري مثلي؟ هل إذا دخل لص ليسرقني فإن علي أن أسأله أولا: هل أنت مصري؟ فإن قال نعم فتحت له الأبواب والنوافذ ليدخل البيت علي الرحب والسعة فالبيت في النهاية بيته؟!
هناك عبارة جميلة للفيلسوف الألماني هيجلHegel(18311770) يقول فيها إن الغرغرينا لا تعالج بالمياه المعطرة.. بل بالبتر!.. ويقول القرآن الكريم:.. وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا.. والسيد المسيح يقول من يرفع يده بالسيف فبالسيف يقتل!!
نعم إننا لن نعتدي عليهم لكن لا للمصالحة معهم, بل توجس وترقب وخيفة حتي لا يخدعونا كما خدعونا أول مرة, وما إن قفزوا إلي كرسي الحكم حتي سمعنا بعضهم أنهم سيضربون القادة منا بالجزمة!! فهل هؤلاء يستحقون المصالحة!
يا أيها السادة أن المصالحة مع الإخوان المسلمين عبارة متناقضة أشبه ما يكون بعبارة المستبد العادل الذي يسلبني حقوقي أو علي الأقل حريتي وحقي في الحياة( لأنه مستبد)- فكيف يكون بعد ذلك عادلا؟؟!
وهي أيضا أشبه بقولنا إن هناك دائرة مربعة, أو إننا نستطيع تربيع الدائرة, وغير ذلك من المتناقضات التي يستحيل تحقيقها علي أرض الواقع.
لقد تحملنا أياما حالكة السواد لرئيس مأفون يقوم بتعيين وزراء لا يصلحون كتبة في الوزارات المختلفة كما قال قائل لوزير الثقافة هذا حديث بقالين!! وكان علي حق!!
ومع ذلك فقد كانوا بعد ثلاثة أيام من رحيل كبيرهم يهتفون:
أحنا معاك يا مرسي زي ما ترسي! ما هذا؟ أهذه دولة أم عزبة؟
ويدعون لتحويل سيناء إلي إمارة إسلامية مستقلة..! فهل منا من يوافق علي هذه الخيال المريض؟!
هل يعني ذلك أن المصالحة الوطنية مستحيلة؟!
كلا! بل هي ممكنة بشروط أربعة:-
الأول:- الإعلان بأن هذه الجماعة إرهابية ومن ثم فهي مجرمة بحكم القانون..
الثاني:- إعلان تجريم كل من يحاول إحياءها أو الترويج لأفكارها!!
الثالث:- أن تتم محاكمة عاجلة لقيادات هذه الجماعة بأسرها علي ما أرتكبوه من جرائم!!
الرابع:- النص في الدستور علي عدم السماح بقيام أحزاب دينية أو إقحام الدين في السياسة أو تعمد تكفير المواطنين, فذلك كله جريمة يعاقب عليها القانون.
أو كما قال أمير الشعراء:-
الدين للديان جل جلاله:- لو شاء ربك وحد الأقواما
المصالحة يا سادة- لا تكون إلا بين مصريين وطنيين يستهدفون غاية واحدة هي تقدم مصر ونهضتها ثم يختلفون بعد ذلك في السبل المؤدية إلي هذه الغاية, أما الذين يبيحون مصر ويريدون بيعها رخيصة لتكون مجرد إمارة إسلامية يقف علي رأسها نيافة المرشد أميرا ويتجاهلون تاريخها العظيم, هؤلاء الذين لا يرعون في الله إلا ولاذمة فقد خدعوا السذج بأن الإسلام هو الحل دون أن يوضحوا لنا ماذا كانوا يقصدون بهذه العبارة الغريبة؟! حل مصر أي تفكيكها والخلاص منها؟ أم حل مشاكلهم الخاصة, فأصبحت الست أم أحمد تقضي الأسابيع في جناح الملكة نازلي, والأنجال الأعزاء يقضون أسبوعين في طابا بمليونين من الجنيهات؟ وغيرهم يركبون السيارات الفارهة تجري من أمامها ومن خلفها سيارات الحراسة التي لا تعد ولا تحصي ولا يحيط بها النظر!!
أرجو من الذين يلهثون وراء المصالحة الوطنية ظنا منهم أن ذلك إنجاز ضخم وهو أقرب إلي لم الشمل عند الفلسطينيين أن يحاولوا الإجابة عن هذه الأسئلة الأساسية:
كيف يمكن لك أن تتصالح ومصالحة وطنية مع إناس لا يؤمنون أصلا بالوطن؟! وقد أعلنها المرشد السابق صريحة طظ في مصر, وأبو مصر, واللي في مصر؟! وأرجو أن ألا تقل أن المرشد السابق في السجن وسيحكم عليه بكذا وكذا..إلخ فالمسألة لا تتعلق بفلان أو علان بل بأساس من الأسس الهامة التي تقوم عليها الأخونة.. وإذن فمن المستحيل المصالحة الوطنية مع الإخوان: أفرادا أو جماعات فأنت في هذه الحالة تقول بإمكان تربيع الدائرة..!!
كيف نتصالح مع قوم كل هدفهم استعادة الماضي, ولا اهتمام لهم إلا بعودة هذا الماضي؟!
هل سوف يتنازل الإخوان عن خداع الناس بهذا القدر الذي لا بأس به من التدين الزائف؟! أو الشعارات البراقة التي لا تعني شيئا في النهاية سوي وصولهم إلي الحكم؟ مثل الإسلام.. هو الحل؟ وهو شعار يتضمن في جوهره نفيا للديمقراطية الكافرة؟!
هل تستطيع المصالحة أن تنتزع عنهم الصلافة والكبر, والعنجهية, والشعور بأنهم وحدهم يملكون الحقيقة؟!
هل تستطيع المصالحة أن تنزع عنهم السيف الذي يسلطونه علي رقاب العباد وهو تكفير المخالف لهم في الرأي وأن العلماني- الذي يهتم بالعالم- وكل من يتفلسف أو يتمنطق..! فهو كافر ومأواه جهنم وبئس المصير؟!
أنهم لا يملون من الكذب- الرذيلة الأولي في الأخلاق بل وفي الدين أيضا( فالمؤمن لا يكذب كما جاء في الحديث الشريف)- أما هؤلاء فالكذب عندهم يسير مع دمائهم أو مع تنفسهم:-
قالوا إنهم قاموا بالثورة وهذا كذب صريح!
قالوا أنهم يسعون إلي نهضة شاملة لمستقبل مصر, مع أنهم لا يسعون إلا إلي تحقيق مصالحهم الخاصة.
قالوا أنهم يستهدفون تطبيق العدالة في الوقت الذي يسعون فيه إلي أخونة الدولة وذلك بتعيين الأتباع في المناصب الشاغرة حتي وإن كانوا يجهلون بسائط هذا المنصب!!
ولهذا السبب بدأ المواطن العادي يشعر بكراهية شديدة نحوهم لأنهم خدعوه من ناحية, وتجاهلوا من ناحية أخري قوله تعالي كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون..(3- الصف).
أستحلفك بالله- عزيزي القارئ- ألا تقل إنك تتحدث عن جماعة الإخوان القديمة, وعما فيها من قيادات عفنة, ونحن نتحدث عن الشباب الغض!! فالخيط واحد والفكر متصل والتخطيط هو نفسه منذ حسن البنا حتي يومنا الراهن, فقد تربوا, ويربون غيرهم علي أساس السمع والطاعة تماما كالنظام العسكري بل أسوأ لأن الأخير لا يحتم علي الجندي أن يقبل يد القائد!
ولو أنك قلت إننا سنرفض ذلك كله أن أصروا عليه فأنت تفرغ الجماعة من مضمونها فأنت تلغي هوية الجماعة ولو أنهم وافقوا علي ما تقول فهم كذبة, وصوليون يريدون أن يكسبوا المرحلة الراهنة إلي أن تأتي الفرصة التي يتمكنوا فيها من القفز علي كرسي الحكم لمدة خمسمائة عام, كما قال رئيسهم المخلوع.. ولماذا كل هذا الجهد الذي نبذله معهم؟ حتي يقال عنا أننا ديمقراطيون؟! وإذا كانوا هم أنفسهم يكرهون الديمقراطية, ويمقتون الرأي المخالف فلماذا نصر نحن بدورنا أن نطبق عليهم ما لا يريدون؟!
لقد فرحنا وهللنا لأنهم سقطوا من أوسع الأبواب, وتحملنا المر لكي تخرج من هذه التجربة البشعة وكان أهم مكسب تخيلناه هو أننا نضمن ألا يعودوا إلي الحكم أبدا, وقلنا إن مصر تولد من جديد فهل تريدون أن يعودوا من النافذة؟ وباسم المواطنة التي لا يعترفون بها؟ ليس هناك مشكلة ياسادة وإذا كان أمامكم معضلة مستعصية فليس عليكم سوي استخدام سيف الإسكندر في حل ز س.
تطبيق الشروط الأربعة بدقة مع الدعاء إلي الله بالتوفيق وحماية مصرنا العزيزة!!

********

عن موقع صحيفة الاهرام

5 شتنبر 2013