الموساوي العجلاوي : دولة المؤسسات “تقتل” الاغتيال السياسي

 موقع صحيفة الصباح

1يوليوز 2013

الباحث  قال إن الاغتيال السياسي في المغرب اتخذ وسيلة للتخلص من الخصوم بخلق كتائب

يشدد الباحث الأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية  على صعوبة كشف تفاصيل زمن الاغتيالات السياسية، خاصة في سياق توظيفها السياسي المستمر، معتبرا في حوار مع “الصباح” أن الحضور القوي للذاكرة في أزمنة مراحل الانتقال السياسي يفرمل إلى حد كبير ” الحقيقة التاريخية”

 في الآونة الأخيرة تم تسجيل عدد من الاغتيالات السياسية  في دول الجوار، الأمر الذي فرض تناول الحالة المغربية من خلال إلقاء نظرة على التاريخ الوطني الراهن، وتسليط الضوء على الفترات والحقب التي شهدت طفرة في الصراع السياسي وصلت حد التصفية الجسدية. كيف ترسمون معالم  هذه الحقب الدموية من تاريخ المغرب سواء في الحماية  أو بعدها ؟
في عهد الاستعمار تم تشريع الاغتيال السياسي عبر تكوين جمعيات واجهتها سياسية ونواتها من الأجهزة الأمنية ، ومن أهمها ” اليد الحمراء” والتي كانت بداية عملياتها اغتيال فرحات حشاد في دجنبر 1952 بتونس، والتي فجرت انتفاضة الدار البيضاء وما تبعها من أحداث لعبت فيه هذه المنظمة  اغتيال العديد من مناضلي الحركة الوطنية في المغرب الكبير. بيد أن تاريخ الاغتيال السياسي تمركز بالخصوص في زمن الاستقلال وسمحت المرحلة الممتدة بين 1991-1999، بالحديث عن الاغتيالات السياسية والتعذيب والاختفاء القسري في تاريخ المغرب المستقل، في سياق بداية مرحلة جديدة من تاريخ المغرب الراهن سمحت بالحديث عن الإصلاحات السياسية والدستورية، و الاهتمام بالموضوع استقر بشكل أساسي عند المرحلة الانتقالية الممتدة من 1956 إلى .1960
ومع تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة 2004-2006، انخرط المجتمع بنخبه السياسية والنقابية والمدنية في عملية استعادة الذاكرة والتاريخ في قضايا الاغتيال السياسي والاختفاء القسري والتعذيب، مع ما صاحب ذلك من توظيف سياسي لهذه الأحداث.
تميزت السنوات الأولى للاستقلال باحتدام الصراع بين الفرقاء السياسيين، الذين لجأ بعضهم إلى الاغتيال للتخلص من الخصوم، كيف كان تأثير ذلك على مستقبل الحياة السياسية للمغرب؟
يمكن تقسيم هذه المرحلة إلى فترتين، فترة الاغتيالات السياسية زمن إعلان الاستقلال  دجنبر 1955 – يوليوز 1956، حيث لعبت المؤسسات الأمنية الاستعمارية دورا محوريا في توظيف عمليات الاغتيال السياسي في هذه المرحلة من أجل إفراغ الاستقلال من أي توجه وطني، في سياق السياسة الاستعمارية الفرنسية في المغرب الكبير، وردا على  إشهار مطالب المجلس الوطني للمقاومة ” بتطهير الإدارة من الخونة والمتآمرين واستكمال الوحدة الترابية وجلاء الجيوش الفرنسية والأمريكية واحترام حقوق الإنسان والجهاز القضائي…”.
تعددت المنظمات الفدائية في المرحلة الممتدة من 1953 إلى دجنبر 1956 ، وبتعددها اختلفت الرؤى والمسارات خصوصا بعد عودة محمد الخامس من المنفى إلى الرباط في نونبر 1955، فوقعت اغتيالات  كانت وراءها أسباب ذاتية وصراعات حول النفوذ والمواقع وتدخلات الأجهزة الأمنية الفرنسية. اتسعت الهوة بين المنظمة السرية و الهلال الأسود ، وأدى النزاع بين المنظمتين إلى اغتيالات متبادلة في زمن كانت فيه الاستعدادات جارية على قدم وساق للمفاوضات ، بل إن الأمر تجاوز هذا الزمن إلى غشت 1956، وسقط العديد من المقاومين برصاص زملاء لهم، وذلك في سياق لم تغب عنه يد القوات المرتبطة بالاستعمار الفرنسي، والتي كانت تأمل في العودة إلى المغرب، وهو أمر ورد كثيرا في بيانات حزبي الاستقلال والحزب الشيوعي المغربي و في بعض التقارير الصادرة عن السفارة الفرنسية بالرباط والمتمحورة حول الوضع الأمني بالمغرب، إضافة إلى الصحافة الاستعمارية التي تمثلت آنذاك في ما يعرف ب” صحافة ماص”، خاصة “La Vigie” و ” Le Petit Marocain”.
و هكذا توالت حلقات العنف في فجر الاستقلال، أثثها تعدد الجماعات المسلحة التي وظفت من لدن أطراف داخلية وخارجية على السواء. وبدا الأمر في البداية وكأن هناك دعما سياسيا للجماعات المسلحة، فاختلطت الحسابات السياسية بالعنف المسلح والتصفيات والاختطافات. وتطورت الأمور إلى تحالفين كبيرين الأول يضم حزب الاستقلال و المنظمة السرية ومنظمات فدائية أخرى، ظهرت قبيل عودة السلطان محمد بن يوسف من المنفى، والثاني يضم حزب الشورى والاستقلال والحزب الشيوعي و منظمة الهلال الأسود.
بعد سنة 1956 ستبدأ مرحلة جديدة
المرحلة الثانية هي فترة الاغتيالات السياسية في زمن الاختلاف حول شكل وأسلوب بناء المجتمع الجديد واشتركت منظمات تابعة للدولة وللأحزاب في عمليات التصفية الجسدية لقيادات سياسية ونقابية وشخصيات محايدة ومواطنين عاديين. وشكل الاغتيال السياسي أداة لبناء وإعادة بناء التحالفات ومراكز القوى داخل المجتمع الجديد. وامتدت تداعيات هذه المرحلة في جل مراحل تاريخ المغرب المستقل، حيث وظفت في زمن الأزمات بين القصر والأحزاب الوطنية. وفي هذا الجو من الاحتقان السياسي بين الطرفين تم اغتيال الفقيه عبد العزيز بن إدريس من قبل جماعة محسوبة على الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يوم 24 أبريل 1959، وكان يشغل حينها مفتش الحزب بمراكش وتوجه إلى تحناوت لإلقاء محاضرة فاعترضته جماعة واغتالته، اعتقل إثرها شخصان ، قتل أحدهما تحت التعذيب في مركز الشرطة، وهو الذي حمل مسؤولية طعن عبد العزيز بن إدريس بسكين،واعتقل الثالث في أحداث ارتبطت باغتيال القبطان الغول بمراكش في سياق موجة العنف التي اجتازت المغرب في سنتي 1960 و 1961. وبعد ذلك ستبدأ مرحلة جديدة تميزت بعنف الدولة الخالص.
في أواسط الستينات من القرن الماضي، عاد شبح الاغتيال ليضرب من جديد قضية بنبركة وتشابك خيوط العملية، التي أودت بحياة أحد رموز المعارضة،  كيف تقرؤون هذه المرحلة من الصراع السياسي ؟
الاغتيالات السياسية التي باشرتها مؤسسات تابعة للدولة بشكل علني أو سري في سياق التحول الذي عرفه النظام السياسي المغربي في صيف 1960، بتمركز كل السلطات في مؤسسة واحدة ، وهو الزمن الذي أطلقت عليه ” هيأة الإنصاف والمصالحة” في تقريرها لسنة 2006 اسم زمن ” الانتهاكات الجسيمة  لحقوق الإنسان ” ، واتخذ الاغتيال السياسي وسيلة للتخلص من الخصوم السياسيين مع بداية عهد مأسسة الاغتيال السياسي بخلق كتائب خاصة لذلك، وتغطي هذه المرحلة الفترة الممتدة خلال سنتي 1960 و1961.
ومن جملة الاغتيالات التي تعرض لها مقاومون سابقون، ما وقع لمجموعة  مولاي الشافعي المرتبطة بحملة الاعتقالات الأولى التي همت جزء من أعضاء جيش التحرير والمقاومة في يناير 1960 إلى أبريل 1960. و الذين قيل عنهم إنهم قتلوا في المواجهة العسكرية بين مجموعة مولاي الشافعي  والفيلق السابع للجيش الملكي الذي كان يقوده القبطان الغول ، والذي ستتم تصفيته جسديا في 15 مارس 1961 من فبل رفاق مولاي الشافعي.
بعد سنة واحدة على أحداث مولاي الشافعي، تم اغتيال القبطان الغول أمام منزله، واعتقل لحسن الباشوش وعبد الرحيم إينوس، وأن الأول كان هو المحرض على قتل القبطان الغول انتقاما لمقتل مولاي الشافعي، لكن الأمر الهام هو أن وزارة العدل أصدرت في 1961 كتيبا أبيض يحتوي معلومات وردت في محاضر الضابطة، تقر بقتل مولاي الشافعي. وقد صدر حكمان بالإعدام على المتهمين الرئيسيين، وعلى آخر بالسجن المؤبد، في حين  حكم على أربعة آخرين بالسجن بعقوبات تتراوح بين عشرين سنة وسنتين.
كان من تبعات اعتقال ستين من قيادات جيش التحرير والمقاومة في بداية 1960، انطلاق حملة اغتيالات كرد فعل ضد رجال المقاطعة الأمنية السابعة” الساتيام”. يتعلق الأمر بحملة اعتقالات مست عددا كبيرا من أطر وقيادات المقاومة وجيش التحرير في يناير 1960، بتهمة التآمر على ولي العهد، وقد تعرض هؤلاء لتعذيب شديد خاصة من بعض زملائهم في صفوف المقاومة. وهكذا ستنطلق في شهر أبريل 1960 حملة اغتيالات موجهة إلى رجال وضباط الشرطة والمتعاونين معهم في عمليات اعتقال المقاومين.

الدولة و الاغتيال السياسي

بعد التحول في التوجه السياسي للنظام المغربي في صيف 1960، وبعد إصدار قوانين متعددة في مجال الحريات وتعديل المساطر الجنائية وعودة كثير من الوجوه التي اعتبرتها الحركة الوطنية مرتبطة بسلطات الحماية إلى الواجهة، ظهر عنف الدولة ووظف الاغتيال السياسي في سياق الصراع حول النموذج المغربي، وتمأسس الاغتيال بظهور ” الكتائب الخاصة” التي ارتبط اسمها بتصفية عدد من الزعماء السياسيين والنقابيين والمتمردين على السلطة المركزية. وأبرزت المحاكمات السياسية الكبرى (1961 1964- 1971- 1973-) اغتيال عدد من المناضلين السياسيين أو العسكريين أو مواطنين عاديين، ومن أبرز الملفات في هذه الفترة اغتيال المهدي بن بركة، واستمرت قضيته في إزعاج أطراف داخلية وخارجية إلى يومنا هذا. يمكن قراءة العنف السياسي في الزمن الممتد بين 1960 و1975 في سياق تحول بنية النظام السياسي نحو ما كانت تسميه أدبيات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالحكم الفردي، ويمكن وضع محاولتي الانقلابين العسكريين في 1971 و1972 في سياق الاحتقان الحاصل داخل النظام.

 الموساوي العجلاوي, أستاذ محاضر بمعهد الدراسات

الإفريقية بالرباط

أجرى الحوار: ياسين قُطيب

********

عن موقع صحيفة الصباح

5 شتنبر 2013