الوحدة والتعددية في العلم والفلسفة

فايز فوق العادة

رئيس الجمعية الكونية السورية

 عن موقع معابر

6شتنبر 2013

ان أهم الأفكار هي تلك التي تستعصي على التعريف. لذا فإن ما سنقدمه في هذه الدراسة قد يتجاوز حدود التعريف. لا تصاغ أية فكرة ولا يُبنى أي نموذج إلا باستخدام المصطلحات. لقد غدا المصطلح الفلسفي غريباً في عصر الاستهلاك. على الرغم من ذلك، سأعود إلى الفلسفة، أنهل من مصطلحاتها ما تحتاج إليه هذه الدراسة؛ لكني سأوظف المصطلح العلمي أيضاً.

لا بدَّ لي، بادئ ذي بدء، من التفريق بين آليتين كونيتين فاعلتين: إحداهما هي السوية الظاهرية، والأخرى هي السوية الباطنة. تُختزَل الأولى بإعادة ترتيب الأنماط المجسَّدة، وتحرِّكها القوانين الفيزيائية المتداولة؛ بينما لا تُعرَّف الثانية إلا بتشكيل النماذج الكونية وتطوير تلك النماذج حتى مرحلة الكمال. إنها تتلخص في تحقيق مسعى تمثُّل الكون تمثُّلاً كلياً، وذلك بصرف النظر عن واقع التعددية في عملية النَمْذَجَة الكونية، حيث يقبع نموذج في كلِّ وعي. فما يهم هو إضفاء القيمة على الكون، كفعل مقابل لتوليد الكون ظاهرة الوعي. وهكذا فليس من الضروري أن تحاكي النماذج المتعددة سمات نموذج مفرد. فدون مطمح الكمال الكثير من الجهد والمفارقة والإخلاص للحقيقة. وإننا لنجد في المناهج الفكرية القديمة ضرباً من هذه المحاكمة.

إذا شئنا تليين المصطلح، نعيد صوغ ما ذكرنا للتوِّ بقولنا: إن العلم المعاصر قد انصبَّ في قوالب الحرف، وبات العلماء المتأخِّرون “حرفيين” واقعاً. عندما قدم العلم كنهج رسمي إلى العالم – وكان ذلك على يد نيوتن في القرن السابع عشر – كانت الدوافع الأولى لمحاولات الفكر البشري السالفة هي المرتكزات الأساسية لذلك النهج. فمع نجاح النهج الجديد في الإجابة عن التساؤل المباشر: “كيف؟” أبقى العلماءُ الأوائلُ نصب أعينهم التساؤلَ الأزلي: “لماذا؟”

لقد أتى العلم على قاعدة موضوعة تفيد أن سبر الباطن يتطلب الإحاطة بالحركة الظاهرة. برز العلم كنهج مستقل بسبب هذه الموضوعة حصراً، بينما ذهبت المناهج السابقة إلى القول بإمكانية الهبوط إلى الباطن مباشرة، دونما حاجة إلى التعامل مع الظاهر. مهما يكن من أمر، فقد كانت تلك المناهج مصيبة في كثير من الأحيان، وفاتَتْها، في أحيان أخرى، حقائق جوهرية بسبب مقولتها الأساسية تلك. فعلى سبيل المثال، اعتقد الكثير من المفكرين القدماء أن المتَّصَل لا يمكن أن يتركب من المنقسم، كالخط لا يمكن أن يتركَّب من نقاط، لأن النقاط لا تملك أجزاء أو أطرافاً تتصل بواسطتها بغيرها فتشكل معها المتَّصَل. أدى التعامل مع الظاهر إلى عكس هذه الفكرة: نعلم اليوم أن الخط، إذا امتدَّ، صار متَّصَلاً مكوَّناً من الأعداد الحقيقية، أي تلك الأعداد الموضوعة قيد التعامل، وأن متَّصَل الأعداد الحقيقية يُبنى بعملية تجزئة غير منتهية، وأن لبناته هي عناصر منقسمة، وأن الاتصال يتحقق بسبب الانقسام غير المنتهي. فبين كل عددين حقيقيين يوجد عدد حقيقي ثالث مهما كان الفرق بين هذين العددين ضئيلاً.

أفاد العلم هنا من الفكرة القديمة التي أجازت الهبوط المباشر إلى الباطن عبر درب غير منتهٍ، فصاغ على خلفيَّتها مفهوم اللانهاية؛ بينما استخدم، في وقت واحد، العالم الظاهري الذي يعكس التجزئة في كل مشاهده المحلية، فاستمد منه تعريفاً صلباً للتجزئة؛ ثم ربط هاتين الفكرتين بشكل سحري ليعيد بناء المتَّصَل.

قصدتُ من إيراد هذا المثال تبيانَ أخطاء العلموية scientism الضيقة. فالعلماء المعاصرون، أو “الحرفيون” كما أسميناهم، يتعاملون مع عناصر من مجموعة الأعداد الحقيقية في بحوثهم العلمية، وكأنما تلك العناصر، في حدِّ ذاتها، هي خاتمة المطاف، ولا يلقون بالاً على الإطلاق لأصول المجموعة الضامَّة لهذه العناصر التي أشرنا إليها للتو. إن ما يلفت النظر في أعمال هؤلاء الحرفيين هو القاموس غير المنتهي من المصطلحات التي ينحتونها والتي تجذب في كل يوم أعداداً متزايدة من المفكرين. فعلى الرغم من أهمية تلك المصطلحات فإنها تبقى أسيرة ذاتها، ما لم تُربَط بأصول فلسفية راسخة. إن المصطلحات هي قوالب الأفكار؛ فإذا تناولت الأفكار الظاهر فقط، كانت المصطلحاتُ عابرة.

تجتاح عالمنا المعاصر فورةٌ كبيرة، يغذِّيها حرفيو العلم والمستهلكون، تبدأ من الظاهر وفيه تنتهي. إن فلسفة الظاهر–الظاهر باتت مفروضة على كل فرد في هذا العالم وفق التعريف المذكور.

أذكِّر هنا أن العالم والمفكر الكبير جون أرشيبالد ويلر – وهو من أئمة الكونيات في العصر الحديث – يرى أن الهندسة، كمنظومة علاقات ظاهرية، تصرف الأذهان لدى التعامل معها عن العلائق الباطنة بين المحرِّكات الكامنة في ما يحدث الآن وهنا، وبين المحركات المناظِرة في أبعد مجرة من أقاصي الكون؛ كما أنها (أي الهندسة) لا تكشف النقاب عن العلاقة الفعلية بين المحرِّكات المذكورة.

تلفت العلاقات المذكورة أنظارنا، بين الفينة والأخرى، بمؤشِّرات مختلفة. فلو توقفنا قليلاً عند كمية فيزيائية تعرف باللف spin، لوقعنا على مؤشِّر من هذا القبيل. يمثل اللف في حالة القسيمات الأولية elementary particles ضرباً من دوران ذاتي ينجزُه القسيم، وله واحدات قياس معتمدة – وإن كان ليس دوراناً بكل ما في الكلمة من معنى. ما يهمنا في هذا السياق هو القياس التجريبي للف. يعتمد المخبريون اتجاهاً مرجعياً لمقارنته بلف قسيم معتبَر، فتأتي النتيجة أن الاتجاه المرجعي واتجاه اللف متطابقان؛ أما إذا غيَّر المجرِّب اتجاهه المرجعي، سارع القسيم إلى تغيير لفِّه لتحقيق التطابق في كل الأحوال.

إن التعامل مع الظاهر ليس تعاملاً مباشراً، كما قد يُتصوَّر للوهلة الأولى؛ فالمحسوسات تترجَم إلى رموز، والرموز تسكن خلايا المخ، وخلايا المخ تحاور تلك الرموز كما تحاور ذاتها. تُضفى القيمةُ على الوجود لحظة بدء ذلك الحوار، وتسقطُ بسقوطه. إن المشكلة المواجَهة هنا أشبه بمشكلة المعنى في اللغة: فكما أننا لا ندري – في الظاهر – من أين يأتي المعنى، ولا كيف نفسره أو ندركه، كذلك لا ندري – في الظاهر أيضاً – آليةً محددة لاستكشافنا ذواتنا والعالم. سيبقى ذلك التناقض قائماً في فلسفة الظاهر–الظاهر. فمن منظور المصطلح، يحمل تفسيرُ المعنى في اللغة وإدراكُه، مثلما يحمل استكشافُنا ذواتِنا والعالمَ، سمةَ الاتفاق العفوي الموضوعي. أما استكشاف الذات، في هذا الإطار، فهو أمر غير معرَّف، كحال النقطة في الهندسة.

ذهب بعض المفكرين في القرن التاسع عشر إلى تصوير الذات بنقطة أو هباءة كونية، وبذلك أراحوا أنفسهم من عناء المشكلة. تخرج الذات في نشاطها عن السيلان الزمني الفيزيائي الرتيب؛ ففي الذات تقبع كل الأفكار السابقة والحالية والمستقبلية. وبالنسبة للذات لا يمتد الزمن بل يجري: هكذا تكون الحادثة، بالنسبة للذات، في المستقبل أولاً؛ وتتحرك بعدئذٍ لتصير في الحاضر؛ ثم تنتهي أخيراً في الماضي. إن الذات لا تضفي قيمة الحقيقة إلا في اللحظة الحاضرة؛ وهذا هو جوهر سمة الجريان، بالمقارنة مع خاصية الامتداد، بحيث يستطيع الفيزيائي مقارنة أية مجموعة من الأحداث ببساطة عن طريق توقيعها على محور زمني اعتباري. إذا شئنا تبنِّي فلسفة الظاهر–الظاهر فعلينا قبول فكرة موت الكون لحظة موت الذات. بينما إذا وسَّعنا فلسفة الظاهر–الباطن فإن الأمر سيختلف.

عوْد إلى الاصطلاح قبل أن نبحر في رحلتنا. ففي نطاق المفاهيم، مثلاً، سنستخدم مصطلح “الوحدة”؛ أما في السوية الأقرب، أي العالم الظاهراتي، فنتحول إلى مصطلح “التجانس” الشائع في أوساط الفيزيائيين. وأما إذا تحدثنا عن “الواحدية”، فنعني مقابلة “الثنائية”؛ في حين – ومرة أخرى في السوية الأقرب – نستعيض عن الواحدية بـ”المشاركة”، حيث نقدِّم الفكر كشريك في المجريات الكونية، لا كمجرد راصد منفعل. تطل النظرية الأخلاقية هنا: فالمشارك يتحمل المسؤولية – ولربما المسؤولية بأكملها. في هذه الحالة ترتقي المسؤولية لتصبح مسؤولية أدبية إزاء الكون، يتحمَّلها الجنس البشري بأسره، ولتترجَم إلى مصطلح “المسؤولية الوجودية” في قاموس المفاهيم، حيث نجد الذات الكونية ماثلة وفاعلة. إن الهبوط بالمصطلح من عالم المفاهيم إلى حلبة الظاهرات ليس ممكناً على الدوام. فما يحمله مصطلح “الهم الوجودي”، كمصطلح أخلاقي معرفي على صعيد الذات، يصعب إسقاطُه على لحظة آنية واقعية؛ كذلك الهم في نطاق الواقعية أقرب إلى الملحمية منه إلى فعل محدَّد بائن. و”القلق المعرفي”، الذي لا ينفصل عن الهم الوجودي، هو مشكلة ذاتية، أولاً وأخيراً، ولا يمتُّ بصلة إلى أصناف القلق المعروفة. إن انقضاء متاعب يوم معين يعيد إلى السطح معايشة هذا القلق. لا يمثل الاكتفاء بسماع الموسيقى في هذه الحالة إلا ترداداً للتعددية الفعلية. و”التعددية الفعلية” مصطلح يجسِّد التعددية المباشرة التي نقبل بها كمعطى أساسي؛ بينما تعتمدها فلسفة الظاهر–الظاهر كمعطى وحيد، كونها، من منظور تلك الفلسفة، تختزل كل قصة الوجود. يمثل الانفعال العميق بالموسيقى المتقدمة، كموسيقى بيتهوفن، ترداداً من نوع آخر، هو ترداد “التعددية الحقيقية”. تخفي التعدديةُ الفعلية الوحدةَ خلف قناع من نسيج فعلها الجاهز؛ بينما لا يرى متأمِّل التعددية الحقيقية إلا وحدة، ووحدة فقط.

نلجأ إلى التجربة بهدف الإيضاح. وتجربتنا هنا تجربة عقلية تنطلق من تصور كون خالٍ من كلِّ شيء، باستثناء وعي وحيد يتحرك كيفما اتفق. إن هذا الوعي سيعجز عن اكتشاف حركته نظراً لخلوِّ كونه من أي مرجع. ولكي نساعد هذا الوعي على اكتشاف حركته في خضمِّ التجانس الفيزيائي المطلق الذي يعيشه، نأتي بوعي مماثل، ونجعل الوعيين يتحركان على خطين متوازيين مستقيمين، وبشكل منتظم. مرة أخرى لن يكتشف أيٌّ من الوعيين حركته، وسيرى نفسه والآخرَ في حالة سكون. لا تترافق حالة السكون هذه مع أية تأثيرات خاصة لدى أيٍّ من الوعيين. لا بدَّ للخروج من حالة السكون هذه – السكون الغارق في التجانس – من إحداث تغيير ظاهراتي في العلاقة الملاحَظة بين الوعيين – كأن نجعل أحدهما يتبع مساراً دائرياً عوضاً عن الخط المستقيم؛ وإذ ذاك تنجلي الحركة النسبية للوعيين. يقابل التجانس الفيزيائي في هذا المثال مفهوم الوحدة؛ أما التعددية الحقيقية فيمثلها الوعيان المذكوران. وقد استخدمنا مصطلح “الوعي” هنا للدلالة على الإمكانيات الكامنة والمتاحة لاستكشاف الذات والعالم؛ في حين أن التعددية الفعلية قد تجسَّدت بالانحراف الميكانيكي المحض، أي عندما اتخذ أحد الوعيين الدائرة كمسار له.

إن لقصتنا بقية؛ ولهذه البقية جذورها في المدخل. فقبيل طور الحركتين المتباينتين – الحركة الدائرية والحركة المستقيمة – كان المفهوم الممكن الوحيد هو مفهوم الوحدة المنبثق عن التجانس؛ أما بعد هذا الطور فقد انقلب كمون التعددية إلى فعل. لا يشكل هذا الفعل، بأي حال من الأحوال، شرخاً في بنية الوحدة؛ إذ إن مفهوم التعددية الذي أخذ طريقه إلى مجموعة المفاهيم لدى الوعي الدائر سرعان ما يُعدَّل بظهور قانون الجذب الثقالي. وملخَّص ذلك أن وضع كتلة في مركز المسار الدائري سيعدِّل فعل القوة النابذة من الناحية الفيزيائية البحتة، وسيرمِّم الصدع الذي أصاب مفهوم الوحدة إثر تحقق التعددية؛ إذ إن الوعي الدائر في الحالة الأخيرة سيعود إلى الإحساس بحالة الطفو – تلك الحالة التي مثلت بالنسبة إليه نوعاً من التحقيق الذاتي للوحدة، باكتشافها على الأقل في الحدود الدنيا من خلال معايشة التجانس الفيزيائي.

إذا كان كلُّ وعي مرتبطاً بحامل مادي فإن إقحام المادة – ممثلاً فيما تقدَّم بوعيين تجريبيين – قد كسر التجانس السالف المطلق، وجعل من مفهوم الوحدة مفهوماً مجتزَءاً. وبشكل مناظر، أعاد القانون الفيزيائي الحالةَ الباطنة للتجانس بإثارته إحساساً بالتجانس لدى الوعي المستكشِفأ، وتنبيه ذلك الوعي، بالتالي، إلى جوهر الأصل المطلق.

إن القانون المعني في مثالنا هو قانون الجذب الثقالي الذي يحرِّض أية هباءة مادية على جذب أية هباءة أخرى. وللتفريق بين القانون الفيزيائي، كجملة مفهومية، وبين المادة، كوجود مجسَّد مؤثر، نذكِّر أن الجذب الثقالي في النسبية العامة لأينشتاين يتأتَّى عن الخفاء وعن التفاف في كينونة التجانس المطلق بسبب الوجود الفيزيائي للمادة. أما في نظرية المجال الموحَّد، لأينشتاين أيضاً، فإن الوجود الفيزيائي المذكور، بحدِّ ذاته، ما هو إلا كينونة رياضية، وهو بهذا المعنى مفاهيم يصوغها ويبرزها إلى حيِّز الوجود الفكرُ الواعي. وتمثِّل لهذه الكينونة الأبعادُ الأربعة التي نعيشها، ثلاثة منها للمكان وواحد للزمان؛ حيث إن هذه الأبعاد وتلك الكينونة برمَّتها من عناصر التعددية الحقيقية. لقد تصور أينشتاين الكتلة وهي تحفر أخاديد في الفضاء – في اللاشيء – في حالة التجانس المطلق الموصوفة، إلا أنه لم يأتِ على وصف تلك الحالة بعبارات واضحة.

تابع العالم البولوني تيودور كالوزا عمل أينشتاين، فقدم نموذجاً للعالم يستند إلى تعددية حقيقية تمثلها خمسة أبعاد. ضمن هذه المنظومة البُعدية، يتشوَّه اللاشيء وينضغط ويمتط. أما اللاشيء المذكور فهو الانطباع الفيزيائي المباشر والضيق، المقابل لحالة التجانس المطلق كمفهوم فيزيائي شامل؛ وهو لقطة مختزلة وطفيفة من مفهوم الوحدة. نواجه هنا سوية أعمق للتعددية الفعلية، حيث نشتق من التعددية عالمَ التجانس المطلق الذي نعبِّر عنه باستخدام مصطلح “الفضاء الهندسي”. في عالَم كالوزا تنطلق الأمواج الكهرطيسية التي نتحسَّسها ونوجِّهها كتشوهات هندسية في اللاشيء الخماسي الأبعاد.

ليست المنظومات البُعدية موجودات فيزيائية؛ وهي لا تخرج في جوهرها عن قاموس المفاهيم. يمكننا الارتقاء إلى “البُعد” كمفهوم من خلال المحاكمة التالية: نذكِّر أولاً أن بطليموس تحدث عن الثلاثة أبعاد في نطاق الضرورة. نستطيع تمثيل عالم البُعد الواحد بخط مستقيم تحدُّه نسختان من عالم البعد الصفري، أي نقطتان. تنسحب هذه الصورة، بما فيها من تناظر باطن، على العوالم كلها، مهما تعددت أبعادُها: فعالم الأبعاد الثلاثة من مكعب تحدُّه سطوحُ المكعب التي يجسِّد كلٌّ منها عالماً ذا بعدين. تمتزج، في المثال الأخير هذا، التعدديَّتان الحقيقية والفعلية؛ حيث إن سطوح المكعب هي عناصر محسوسة، وكذلك شأن الجزء الداخلي منه. إن القفزة إلى عالم الأبعاد الأربعة تنقلنا من التعددية الفعلية إلى التعددية الحقيقية، حيث لا نستطيع في عالم الأبعاد الأربعة، مثلاً، إنشاء عمود على ثلاثة محاور متعامدة فيما بينها بالطريقة نفسها التي ينفَّذ بواسطتها إنشاءٌ مناظِر في عالمي البعدين والثلاثة أبعاد؛ لكننا نستطيع ذلك في حيِّز المعادلات، حيث لا نشاط إلا للفكر البحت. لو كانت العوالم البُعدية مندرجة في التعددية الفعلية لازدادت سعة العالم بازدياد أبعاده. إلا أن العالم الرياضي جورج كانتور كان قد بيَّن في القرن التاسع عشر أن العوالم المختلفة الأبعاد لها سِعات متساوية: فعدد النقاط في عالم من أي بُعد هو نفسه في أي عالم آخر من بُعد مختلف.

سيجد معتنق فلسفة الظاهر–الظاهر بعض الحرج في نظرية كانتور. فهو يرى لوحة الوجود بدون ثخانة؛ وبشكل أدق ليس للعالم أية خلفية؛ والتعددية الفعلية، بالنسبة له، هي المعطى الأول والأخير. فإذا زاد تشابك التعددية الفعلية لجأ أنصار فلسفة الظاهر–الظاهر إلى نظرية التعقيد التي لا تخرج في جوهرها عن تحصيل ما هو حاصل. ولكن ما الذي يستطيع هؤلاء فعله إزاء نظرية كانتور؟ لا شيء. إن اللاشيء هنا ليس نفسه “اللاشيء” في نظرية كالوزا. تأكدت وجهة نظرنا على يد الرياضيين براور وليبيك اللذين قدَّما تعريفات مجردة لعوالم متعددة الأبعاد، مؤكدين، مرة أخرى، على انتماء تلك العوالم إلى حيز التعددية الحقيقية. تجد القوانين الفيزيائية مكانها الطبيعي في هذا الحيز: فما العالم الفيزيائي إلا عالم علاقات. وإذا انطلقنا مع براور وليبيك من المجردات إلى عوالم الأبعاد المجردة، وتوقفنا عند عالم من بعد معين له حدودٌ بيِّنة، لاختُزِلَت القوانين الفيزيائية بجملة من النمط التالي: لا حدود للحدود!

تساءل اهرنفست عام 1917 عما إذا كان باستطاعة الفيزياء الإجابة عن السؤال المتعلق بالبنية الثلاثيةِ الأبعادِ للمكان. لم تكن الإجابات الفيزيائية في هذا السياق مقنعة على أية حال. نذكر من بين هذه الإجابات، مثلاً، الإجابة التي تعتمد قانون عكس المربع الذي ينص على أن القوة الثقالية أو القوة الكهرطيسية بين أي جسمين تتناسب عكساً مع مربع البعد بينهما. وهكذا فهناك ضرب من الناموس الكوني يفرض أن يكون عددُ أبعاد المكان أكبر بواحد من الأسِّ الذي تُرفَع إليه المسافة بين جسمين للتدليل على الفعل المتبادل بينهما. ولما كان هذا الأسُّ في عالمنا اثنين فلا شك أن أبعاد المكان ستكون ثلاثة. يذهب مؤيِّدو هذا التحليل إلى أنه لو لم يكن الأسُّ مساوياً لاثنين لما استقرت الكواكب في مداراتها حول الشمس، ولما استطاعت القسيمات الأولية أن تجتمع لتكوِّن الذرات. ذكر العالم الرياضي ويثرو عام 1952 أن حياة الكائنات تغدو مستحيلة إذا كانت أبعاد عالمها مزدوجة، وأن تلك الأبعاد يجب أن تكون مفردة لأن عوالم الأبعاد المفردة وحدها تسمح للنبضات المعلوماتية بالانتشار. لنلاحظ هنا أن المحاولات المتكررة لإسباغ سمة التعددية الفعلية على العوالم البُعدية لم تتكلل بالنجاح حتى الآن.

تتعمق المقابلة النظرية بين التعدديَّتين الحقيقية والفعلية لدى مراجعة أعمال الفيزيائي السويدي أوسكار كلاين. ففي عام 1926 طرح هذا الفيزيائي فكرة مفادها أن عدد أبعاد عالمنا يساوي أحد عشر بعداً، منها الأبعاد الأربعة المألوفة. لو قبلنا بتصنيف هذه الأبعاد المألوفة في التعددية الفعلية، نظراً لمعايشتنا لها، لتعذَّر تصنيف الأبعاد السبعة الأخرى غير المألوفة بالطريقة عينها، لا سيما أن كلاين أسقط عنها سمة الألفة: فهذه الأبعاد منكفئة على ذاتها، بعكس امتداد الأبعاد الأربعة. وسَّع كلاين دراسته إلى حدِّ حساب نصف قطر الانكفاء لكلِّ بعد منها. لا نجد مناصاً، إزاء هذا التحليل، من تقديم مصطلح التعددية الحقيقية كمرافقٍ لمصطلح التعددية الفعلية وكندٍّ له.

يقدم مبدأ البساطة – وهو مبدأ كوني عقلي عميق – تأييداً لتحليلنا. نعرض لهذا المبدأ بمثال فيزيائي مرة أخرى: فلو نجحت عدة نماذج متباينة في توصيف ومماثلة ظاهرة معينة، لوجب علينا أن ننتقي أبسط هذه النماذج على أنه النموذج الصحيح. لا يتوقف مبدأ البساطة عند حدود هذا المثال. فالأبعاد السبعة تؤمِّن أبسط بنية ممكنة للكائنات الهندسية، بخلاف الأبعاد الثمانية أو التسعة أو غيرها. يتجسَّد مبدأ البساطة، على صعيد الفيزياء الفعلية، بمبدأ الطاقة الأقل، حيث يجنح كل موجود فيزيائي إلى إنجاز فعالياته بأقل طاقة ممكنة، وإلى التخلص ما أمكن من طاقته والاستقرار في أدنى حالة طاقة ممكنة. إن البساطة، كمفهوم، هي من صفات الوحدة. أما على الصعيد الفلسفي فمصطلحا البساطة والوحدة مترادفان. وما دامت التعددية الحقيقة مستترة ليس من المستغرب ألا نلحظ البساطة في العالم الماثل.

يستخدم الفيزيائيون المعاصرون مصطلحاً معروفاً هو “التناظر”. نواجِه التناظر في أبسط صورة عندما ننظر إلى خيالنا في مرآة مستوية؛ أما التناظر في السويات الأعمق فهو نسيج رياضي معقد. يحاول فريق من العلماء إبداع علاقة رياضية يختزلون بموجبها الكون بأسره إلى ما يُعرَف بمصطلح “القوة الكونية الفائقة”. تقوم هذه العلاقة على مفهوم التناظر، وليس على الفعل الفيزيائي القريب للتناظر. فالتناظر في القوة الكونية الفائقة بعيد المتناوَل؛ إنه من الآليات الفاعلة في خلق التعددية الحقيقية. لذا فإن القوة الكونية الفائقة، أو بالأحرى العلاقة الرياضية الكونية المنشودة، هي المجموعة الضامَّة لعناصر التعددية الحقيقية. إن نجاح القوة الكونية الفائقة سيصل بالباحثين قاب قوسين أو أدنى من التجانس المطلق.

إن مصطلح التناظر ليس رديفاً لمصطلحي البساطة والوحدة في عالم الأبعاد الأربعة. ففي هذا العالم نعرف 163 قسيماً، ونستطيع، بعملية أو أكثر من أصل ثماني عمليات تناظر، أن ننطلق من مجموعة جزئية من هذه القسيمات إلى مجموعة جزئية أخرى. لو زدنا في تعددية العالم (كأن نجعله مع كالوزا مكوناً من خمسة أبعاد) لاختُزِلَت عمليات التناظر الثمانية إلى عملية واحدة فقط، ولغدت مصطلحات التناظر والبساطة والوحدة مترادفة فيما بينها. إن رفع التناظر إلى سوية الوحدة قد تم على حساب تعميق التعددية في موقع آخر. لا يعني ذلك أن التعددية أساسية بحدِّ ذاتها؛ وسنصوغ استنتاجاً مناسباً لعلاقة التعددية. فليس لدى الكون المتمدِّد، مثلاً، من أولويات؛ إذ يحمل التمدُّد كل نقطة كونية بنفس السرعة وعلى قدم المساواة مع النقاط الأخرى.

لقد انجلى التجانس المطلق إثر الانفجار الكبير Big Bang الذي أتى بالكون إلى الوجود عن مبدأي “اللامركزية” و”الشمولية” اللذين يرتبطان في أدبيات العلم باسمي كوبرنيكوس ونيوتن، على الترتيب. لو كانت التعدديةُ جوهريةَ الطابع لتغيَّر القانون الفيزيائي من بقعة كونية إلى بقعة كونية أخرى، ومن آنٍ زمني إلى آنٍ زمني آخر، ولكانت هناك أولويات في الزمان والمكان، ولتعذَّر، من حيث المبدأ، كشفُ السمة الأساسية للامركزية وللشمولية – أعني أنها نابعة من مفهومين.

نتحسَّس التجانس المطلق في حالات كونية واقعية نعرضها فيما يلي: إن هناك سرعة قصوى لتبادل الأفعال في نطاق السببية. والسببية هي نسيج التعددية الفعلية: تستند معقوليةُ هذه التعددية إلى مفهوم السببية؛ وهذا المفهوم بدوره هو من نواتج التعددية الفعلية. أما عن السرعة القصوى المذكورة فنذكِّر أن نظرية النسبية قد حدَّدتها بسرعة الضوء البالغة 300000 كم/ثا. إن الكون، بهذا المعنى، مصاب بالانفصال السببي – ذلك الانفصال الذي نجم عن انفجار الكون وتمدده. كان امتداد الكون 10 14 كم بعد مضي ثانية واحدة على الانفجار الأولي، ولم يكن بمقدور الضوء أن ينتشر في كل الكون آنذاك نظراً لسرعته المحددة. تبيِّن الحسابات البسيطة أن الكون يتألف في تلك اللحظة من 10 27 حيِّز، ينفصل كلٌّ منها سببياً عن الآخر. ونحن اليوم، عندما نرصد السماء، نتلقَّى الضوء والمعلومات من نقاط ومناطق متباينة، ونستشف سمات كونية متطابقة، على الرغم من أن منابع الإشعاعات المرصودة كانت أبعد بعضها عن بعض بتسعين ضعفاً مما يستطيع الضوء تغطيتَه لحظة بدئه رحلته الطويلة المنتهية في بوتقة مشاريعنا الرصدية.

باختصار فإن الانفصال السببي يعمُّ الكون. وعلى الرغم من ذلك، يتصرف الكون وكأنما كلَّ جزء منه على دراية بما تفعله الأجزاء الأخرى، بدليل أننا لا نستطيع التفريق بين أي جزء وبين الأجزاء الأخرى. إنه التجانس المطلق الذي لم تمسحه التعددية؛ بل لقد باتت التعددية حاملة في كل ثنية من ثناياها لقطة من ذلك التجانس. وإذا ارتفعنا بالمصطلح عن نطاق الفيزياء لوجدنا الوحدة متغلغلة في التعددية.

يوفر فرع جديد من الفيزياء، يُعرَف بالميكانيكا الكوانتية، فرصة للتخلص من مبدأ السبب–النتيجة. تأكيداً لما قدَّمنا، وبما يتطابق مع ما ذكره الفيزيائي الكبير د. بوهم في كتابه الكلِّية والنظام الباطن، إذا كانت أجزاء الكون منفصلة بعضها عن بعض سببياً فإنها مرتبطة بشكل حقيقي؛ وإذا كانت لحظة ولادة الكون منقطعة سببياً عما قبلها فإنها، مرة أخرى، مرتبطة بذاك الحين القَبْلي في إطار الحقيقة.

تعني كلمة “كون” في اللغة العربية الكينونة، أي ما هو كائن بالمقارنة مع ما هو غير كائن؛ بينما يشير المصطلح المناظر الحديث في اللغة الإنكليزية Universe إلى الوحدة أو الواحد. يتفق المصطلحان في الدلالة من منظور فقه اللغة؛ حيث إن الوحدة، كمفهوم، هي موضوع مشترك بينهما، والتجانس المطلق هو الكائن الممكن الوحيد. إن التجربة الكونية هي تجربة فريدة ومتميزة ووحيدة. إننا، بمعنى ما، لا نستطيع تكرار تلك التجربة؛ فالمصداقية، أولاً وأخيراً، تتركز فيما هو كائن. ويستتبع ذلك أن التجربة الحسية مضلِّلة في كثير من الأحيان. ولا أدل على ذلك من اعتقاد الأقدمين أن الأجسام المختلفة تسقط نحو الأرض بتسارعات متباينة. إن التجربة العقلية، ومعها حالة الاستغراق الكوني، هما ضرب من التغلغل في التعددية الحقيقية؛ على النقيض من التجربة الحسية التي غالباً ما تدفعها التعدديةُ الحقيقيةُ إلى الخطأ. إن تعميم التجربة الحسية لا يجد مبرراً له إلا في التعددية الحقيقية؛ وبدون تلك التعددية لا نستطيع استخلاص الصيغة معمَّمة من أية تجربة حسية، مهما بلغت دقتها.

ليس بمقدورنا في هذا السياق قبول الفكرة القائلة إن العقل يفرض على الكون ما يريد، وذلك لأن العقل عاجزٌ عن الإحاطة الفيزيائية بالكون. فالتجانس المطلق هو البنية التحتية للعقل، والوحدةُ هي مادة مكاشفاته الوحيدة. تدفع الطاقةُ الكامنةُ للتجانس المطلق العقلَ في بحثه عن ذاته، عن التجانس المطلق، عن الوحدة؛ ويبرز هذا الدافع في صورة القلق المعرفي الذي لا ينفصل عن معاناة الهمِّ الوجودي العميقة.

نأتي من الفيزياء – على الدوام – ببراهين مستحدثة على صحة ما نرغب في تأكيده. فلو توقفنا قليلاً عند مفهوم العطالة لوجدنا ضالتنا مرة أخرى. نوجز مفهوم “العطالة” بقولنا إن كل جسم، كل كائن، يجنح إلى مقاومة تغيير وضعه الفيزيائي، وإنه لا يغيِّر بشكل فعلي من ذلك الوضع ما لم يتأثر بفعل خارج عنه. اعتقد نيوتن أن العطالة صفة ذاتية تقبع في جوهر الجسم. إلا أن إرنست ماخ، بعده بقرنين، أعاد إلى العطالة نموذجها الصحيح، مبيناً أنها خاصية كونية شاملة، وأن مقاومة جسم معين لتغيير وضعه تتأتَّى عن كبح الأجسام الأخرى له (تشمل كلمة “الأخرى” كلَّ الموجودات الكونية باستثناء الجسم المعني). ألا تثبت العطالة، من هذا المنظور، أن التجانس المطلق حقيقة لا يطالها الشك؟ مهما يكن من أمر، فالعطالة هي ميزة، وهي ليست التجانس المطلق بحدِّ ذاته. إن للفراغ الفيزيائي المطلق، وفق العالم المعاصر آلان غوث، عطالتَه. وهكذا تستقل العطالة عن الوجود الجسمي المجسَّد لترتبط مباشرة بالتجانس المطلق.

إن حالة التجانس المطلق حالة مستقرة، على الرغم من تقدم السيلان الزمني إلى الأمام. إن العودة بالزمن إلى الوراء، بحسب فاينمان وويلر، هي حالة فيزيائية ممكنة وموجودة. (نذكِّر، بهدف الإيجاز، وبعيداً عن التفاصيل، بأن قوانين ماكسويل في الكهرطيسية متناظرة بالنسبة للزمن؛ أي أن الحدث الذي تحكمه يستطيع الانتشار نحو المستقبل مثلما يستطيع الانتشار نحو الماضي.) إن ما أثبته فاينمان وويلر، في هذا السياق، هو أن الأمواج الكهرطيسية المنطلقة إلى الماضي تقع ضحية تداخل هدَّام، فتنتفي ولا نتمكن من اكتشافها. و”التداخل الهدَّام” هنا أشبه بالتقاء موجتين على سطح بركة ماء، تحاول إحداهما رفع قطرة مائية نحو الأعلى، بينما تشد الأخرى تلك القطرة إلى الأسفل؛ والنتيجة أن القطرة تبقى في مكانها. وهكذا لا نرى الحركة نحو الماضي، وبوجودها نستدل فعلاً على أن التجانس المطلق حالة مطلقة بكل ما في الكلمة من معنى. درس العالمان الكبيران فولفغانغ باولي، الفيزيائي المعروف، كارل غوستاف يونغ، عالم النفس التحليلي، حالة التجانس المطلق، وخلصا إلى ما أسمياه مبدأ “التزامن” synchronicity، اللصيق بحالة التجانس، والمتمخِّض عن تظاهرات كونية متطابقة لا ارتباط سببياً فيما بينها، وبشكل مستقل عن السيلان الزمني بالطبع.

أجرى العالم هِرمان بوندي تجربة عقلية أثبت من خلالها أن القوانين الفيزيائية في مختلف فروع الفيزياء تعمل كوحدة متماسكة. تخيل بوندي أنبوباً أسطوانياً يتصل في نهايته بكرتين، حيث تحتوي كل كرة على قسيم واحد، وطاقة أحد القسيمين أكبر من طاقة القسيم الآخر، وهذا القسيم الآخر في أدنى حالاته الطاقية. تصور بوندي الأنبوب متمفصلاً من وسطه على حائط، بما يمكِّن من دورانه بشكل حر. تنص الفيزياء النسبوية على أن القسيم ذا الطاقة الأكبر تكون كتلتُه السكونية أكبر؛ كما أن الميكانيكا الكوانتية تقرر أن القسيم في حالاته الطاقية الدنيا لا يستطيع إطلاق أي شيء. تبدأ التجربة بتحويل الأنبوب إلى وضع أفقي، سرعان ما يتغير إلى وضع شاقولي بسبب فرق الكتلتين، إذ يصبح الجسم ذو الكتلة الأكبر في الجهة السفلى. نستخدم هنا مبدأ الطاقة الأقل: وفق هذا المبدأ يتخلَّى الجسم ذو الكتلة الأكبر عن طاقته، بعد مدة قد تطول أو تقصر، فتنطلق الطاقة عبر الأنبوب ليتلقَّفها الجسم الآخر، فتصبح كتلتُه هي الأكبر، فينعكس الأمر، ليدور الأنبوب مرة أخرى، وليُطلِق القسيم الأخير طاقته بعد مدة أخرى، فيتلقَّفها الأول، وهكذا دواليك. نحصل بذلك على آلة دائمة الحركة، نستطيع بواسطتها ضخ الطاقة بشكل مستمر من لاشيء. إن في هذا مخالفة صريحة للقانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي ينص في إحدى صياغاته على استحالة الحصول على آلة دائمة الحركة.

ما هو الخطأ في هذه التجربة؟ لقد أهملنا في هذا الوصف حقل الجذب الثقالي الذي يدور الأنبوب بسببه. يتباطأ الزمن، وفق نظرية النسبية العامة، عند النقاط الأقرب إلى الحقل الثقالي. هنا تلزم معرفة القليل من الفيزياء حتى نتفهم هذا الأثر على نحو واضح. تُعرَف حوامل الطاقة في الفيزياء بالفوتونات. والفوتون هو قسيم طاقة تقاس شدة طاقته بتواتره. وباختصار، تتناسب طاقة الفوتون طرداً مع تواتره. نعود الآن إلى تجربة بوندي.

إن القسيم المستقر في الجهة السفلى من الأنبوب سيكون أقرب إلى مركز حقل الجذب الثقالي للأرض، حيث يتباطأ الزمن بالمقارنة مع الجهة الأخرى للأنبوب. يفضي هذا التباطؤ إلى نقص في تواتر الفوتون المنطلق من القسيم المعني، وبالتالي، إلى انخفاض طاقة ذلك الفوتون. وبعد عدة دورات للأنبوب تنخفض طاقة الفوتون بشكل ملحوظ، إلى حد أن أياً من القسيمين لن يتلقَّفه لأنه (أي الفوتون) لن يرفع أياً منهما إلى سوية طاقية أعلى نظراً لانخفاض طاقته. وهكذا يتوقف الأنبوب عن الدوران.

لا نستطيع أن نستخلص من هذه التجربة أن القوانين الفيزيائية هي عناصر متكاملة من لوحة واحدة وحسب؛ إذ إن قبولنا بهذا الاستنتاج كاستنتاج وحيد إنما يعني أن لكل قانون فيزيائي شخصية مستقلة على خلفية إطار واحد. تدل هذه التجربة على أن القوانين الفيزيائية أقرب إلى السلوك الفعلي منها إلى الأحكام التنبؤية. تفسر وجهة النظر هذه عسرَ التنبؤ المستقبلي باستخدام القوانين العلمية. ونعزو هذا العسر حالياً إلى كثرة المتغيرات وإلى قصور في صيغة القانون. لا يعني تلونُ السلك حدوثَ أي تغيير في الشخصية، كما لا يعني الانتقال من قانون الديناميكا الحرارية إلى قانون تباطؤ الزمن حدوثَ أي تغيير في حالة التجانس المطلق. وإذا كانت القوانين الفيزيائية هي السمات السلوكية لكيان التجانس المطلق فإن تفسيرنا لهذه القوانين والقيمة التي نضفيها عليها إنما هي ضروب من سلوك الوحدة. يجب أن نجري بعض التصحيح هنا؛ إذ لا يمكن أن نستخدم مصطلح “السلوك” في سياق الحديث عن الوحدة. فالمفاهيم ليست تظاهرات؛ وهي بهذا المعنى ليست سلوكاً يتباطأ؛ لا بل إنها ليست جزءاً من تفاصيل الحوار داخل خلايا المخ؛ فهي مظلة ذلك الحوار.

نوجز فنقول إن حال القانون الفيزيائي في التجانس المطلق كحال المفهوم في الوحدة. وإذا كان القانون الفيزيائي سلوكاً فإن المفهوم ليس بسلوك. فالمفهوم لا يستمد قيمته من تظاهراته أو فعله: يحمل المفهوم قيمته في باطنه. إن المفهوم، بمعنى من المعاني، هو القيمة. هكذا نقول إن للتجانس المطلق سلوكاً، بينما تتفتَّق الوحدة عن المفاهيم. بذا نكون قد أوجزنا استنتاجنا فيما يتعلق بتجربة بوندي.

إذا كان القانون العلمي سلوكاً فإننا نلقي على عاتق المفهوم مهمة تفسير القانون. لقد استطاعت المفاهيم أن تذهب بنا إلى عمق القوانين. إلا أننا ما زلنا في هذا السياق بحاجة ماسة إلى تفسير للعلم بحد ذاته. لن نجد هذا التفسير إلا في الوحدة، حيث تكمن المفاهيم. وخير مركب لنا في رحلة البحث هذه هو الفلسفة. تعتمد كبريات النظريات العلمية، كالنسبية مثلاً، مقولات فلسفية. ففي هذه النظرية ينبغي ثبات الصورة الكونية، ومعها القانون الفيزيائي، من وجهة نظر أي مرجع، أياً كان مكانه أو مهما تغير زمانه. ألا تحمل هذه المقولة، بحدِّ ذاتها، سمة الإطلاق الغارقة في تجانس غير منتهٍ؟ – إذ إنها تُطلَق على كل زمان ومكان وبشكل متجانس على قدم المساواة. إذا وضعنا البنيوية اللغوية جانباً، نذكِّر أن المقولة النسبوية لا تُسقَط بشكل قانون فيزيائي وحيد في عامل التجانس المطلق؛ فهذه المقولة هي مفهوم، نستجرُّ منه منظومة منتشرة من القوانين الفيزيائية، نوسِّعها متى شئنا وكلما وضعنا اليد على المزيد من تظاهرات التعددية الفعلية.

إن سبر العقل لكل الأبعاد الكونية، بما في ذلك ارتحاله نحو البدء، لأكبر دليل على الاشتقاق المباشر للعقل من الأصل الأول: الوحدة. وإذا كانت تعددية التجانس المطلق قد حملت ذلك العقل فإن اللقطة الناتجة هي لقطة ثنائية. نؤكد هنا على مصطلح “اللقطة”؛ فالثنائية هي لقطة، والواحدية هي كل؛ ولا تُقابَل الواحدية بالثنائية. نتحسَّس الثنائية لحظة إضفاء القيمة – واللحظة، أية لحظة، هي، أولاً وأخيراً، لحظة عابرة. إننا لا نستطيع سرد وقائع فيلم سينمائي لمجرد أننا شاهدنا منه لقطات محددة لثوانٍ معدودات؛ كذلك يستحيل أن نُلبِس العالمَ ثوب الثنائية لمجرد أننا تعاملنا مع هذا العالم على نحو ثنوي للحظات معدودات. إن التعامل السببي مع التعددية الفعلية هو المسؤول عن وهم الثنائية. وما على القارئ إلا العودة إلى الملاحظات الخاصة بالانفصال السببي في الكون لكي يدرك أهمية استنتاجنا. نستذكر هنا تكافؤ الوحدة والتجانس المطلق، وإمكان الانتقال بين المصطلحين في أي وقت نشاء فيه الانتقال من المصطلح الفلسفي إلى المصطلح الفيزيائي وبالعكس.

تبرز الواحدية من خلال هذا التحليل على أنها مصداقية للتعددية. إذا تحوَّلنا إلى قاموس المصطلحات الفيزيائية المقابلة نجد أن الواحدية تفسَّر بالكمون، وأن جنوح القوانين الطبيعية نحو التناظر يمثل محاولة باطنة لإبقاء جوهر الكمون. إن انتزاع ذلك الجوهر أمر مستحيل: ففناء جزء من الكون لن يمحو ذلك الجزء لأن الوحدة تعلِّمنا أن بصمة كل شيء مطبوعة في كل شيء آخر – وهذا هو باطن الكمون أو الواحدية. إن الواحدية، أولاً وأخيراً، هي مسؤولية وجودية وهي موقف كوني. إن أية واحدية أخرى، سواء أكانت مجسَّدة أم مفارقة، حتى لو لهثنا في أثرها، لن تتعدى حدود الظاهرية – وإن كان اندفاعنا نحوها يمثل في النهاية نزعة العودة إلى الأصل. إن هذه النزعة هي لقطة ساكنة، ولا تمتُّ إلى مفهومي الانحدار والحركة بصلة؛ كل ما في الأمر أن التعامل مع التعددية الفعلي يوهمنا أن هذه النزعة حركية. لقد ورث العقل التشوُّهات التي حلَّت بالتجانس المطلق نتيجة ولادة المادة؛ إلا أنه سرعان ما اكتشف (أي العقل) القانون الفيزيائي الذي تقع على كاهله مسؤوليةُ ترميم تلك التشوُّهات. إن هذا القانون هو الخيط الرفيع والمتين الذي يربط العقل بالوحدة. لذا يجب ألا نتوقف عند التطبيقات الآنية للقانون، وألا نؤخذ بها، بل أن نسبر القوانين الفيزيائية وأن نتجاوزها حتى مرحلة التجانس المطلق، لنستقرئ منها، ونعايش من خلالها، مفهوم الوحدة.

لما كان العقل هو الشاهد الوحيد على ما دعوناه بـ”الواحدية” فإن مهمة العقل تتركز في عملية المعرفة. وهنا لا نجد انفصالاً بين هذه المهمة وبين المسؤولية الوجودية. عندما يضفي العقل القيمة على العالم فهو يخفض فوضى ذلك العالم، مخفِّفاً من عشوائية التعددية الفعلية. تُطلِعنا الفيزياء على نبوءة خطيرة: فوفق العلماء المعاصرين، يتحلَّل البروتون في المستقبل الموغِل في البعد؛ ومع تحلُّل البروتون يندثر الكون ويتلاشى. أما السبب في ذلك فهو أن كل القسيمات الكونية الأخرى، كالنوترونات وسواها، تتحلَّل في وقت أبكر. ما مآل الوحدة في الوعي إذ ذاك؟ وهل يمكن أن تُطمَس شهادة العقل التي أشرنا إليها؟ أم أن الوعي الخيِّر المبادر سيستطيع محو فوضى التعددية الفعلية؟ وإن لم يستطع، فلا شك أن محاولاته المعرفية ستدفعه إلى تجاوز حامله المادي.

لا تشكل هذه الرؤيا أية مشكلة؛ فالمادة في الفيزياء الحديثة هي خواء مادي، مجرد فضاء مركَّز. ويبقى لوعي معيَّن خيار أن يستغرق في الكلِّية الكونية ليتمثل الوحدة، سواء بقيت المادة أم اندثرت.