الباحث عبد الله حمودي يشرح أوضاع الانتقال الديموقراطي في المغرب والنخب والتعليم

مصطفى الإدريسي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

7 شتنبر 2013


قال عبد الله حمودي، أستاذ الانثروبولوجيا بجامعة بريستون بأمريكا، «إن الملكية ستصمد إذا تخلصت من النظام السلطوي الذي نظم في قلبها وحولها في منتصف الستينيات إلى غاية السبعينيات أو الثمانينيات إلى نظام سلطوي. وقد صرحت غير ما مرة أنني اتفق مع الذين يدعون إلى إصلاح ديمقراطي جذري ، الذي يكون فيه فصل السلط .. وتبقى الملكية في نظم معينة على رمز السيادة المغربية.» جاء ذلك في لقاء خاص للموقع الالكتروني « لكم « من خلال حوار مع فؤاد عبد المومني. وأضاف حمودي : « أن الناس لم تعد تتحمل انعدام الأخلاق في الساحة السياسية في الانتخابات والمؤسسات..»
وبخصوص الأوضاع بالمغرب وأفاق التطور المنتظر، أكد الباحث المغربي أن هذا السؤال يطرحه كثيرا المغاربة على أنفسهم ،»فين غادين» ، ويصعب تحديد جوانبه، و»سأبدأ بهذا التصريح الذي يقول بأن المخزن مهزوز أو مهزوم ، كما قلت مؤخرا في فاس ، هناك توضيح هو أنا لم أقل المخزن أو الملكية ، قلت النظام السلطوي مهزوم ومهزوز، وهذا مهم جدا للتوضيح ، فالملكية لم تكن دائما سلطوية ، الملكية المغربية العصرية لم تكن سلطوية ، لا يمكن أن نقول النظام الملكي سلطوي أيام محمد الخامس، مع أنه لم يحكم كثيرا بعد الاستقلال، كما وضحت فإن النظام السلطوي أخذ سنوات من أجل البناء.. هو منظومة تاريخية بنيت، وعلى هذا الاساس التي أرخت لها، أقول إنها ستمر، أو أنها تمر، اما بالنسبة للملكية فشيء آخر .
وأكد حمودي في نفس الحوار: «أن السلطوية اليوم بالمغرب في تراجع ، وهذا ظاهر، لأسباب عديدة.. السبب الاول هو ان لا ممارساتها ولا مؤسساتها ولا منظومتها الرمزية ونفس الهالة التي كانت لها في اوج أيامها، افتقدت لأسباب كثيرة منها أن المجتمع تغير والشرائح الاجتماعية الجديدة التي خلقت من رحم ذلك المجتمع لم تبق مرتاحة، ولم تجد نفسها في تلك المعادلة السياسية التي كانت قد أرغمت على قبولها أو أسقطت عليها. وتغير وشمل البيروقراطيات وتقنوقراطيات وأنا أحس وأرى التقنوقراطيات دواليب الدولة نفسها أخذت في التحول لدرجة أن هناك شرائح فيها لا يقبلون الاشتغال داخل الإدارة بنفس الكيفيات التي كانت تشتغل فيها الإدارة هذه العشر سنوات، وهذا ظاهر.
وقلت كذلك إان السلطوية هي انعدام الأحزاب أو النقابات، كما وهي نظام ينهك ويضعف الأحزاب ويؤتى بها الى منظومة فيها تعاقد سري، تعاقدات هي سيدة الموقف ، حتى لا تظهر في الساحة العمومية، وهذه أحد جوانب السلطوية، الشيء الذي أدخل تلك الاحزاب والنقابات في الهشاشة. رابعا هناك الاشياء التي تبلورت في حركة 20 فبراير وبتزامن مع الحراك العربي مع ما يدور في المنطقة ، وفي ضوء هذا الجو لا يمكن أن نحبس المغرب كبلد منحصر في نفسهن ونغلق عليه بسبب الهجرات والتقنيات الاتصال الموجودة .
وكشف حمودي باننا في المغرب اليوم في مرحلة تبلور جديد لفضاء سياسي جديد لا يتماشى مع السلطوية، وتظهر هذه الاخيرة متأخرة ، هذا الفضاء الجديد مازالت لم تتكون فيه الفعاليات بصفة تنظيمية صلبة مع قياداتها ومشاريعها، لكن الواضح اليوم هو أننا في هذا التطور هناك شئ جديد، الفضاء السياسي الجديد، بمقارنة مع النظم السلطوية القديمة التي أصبحت في مأزق .
وشدد حمودي على أن من مؤشرات اندحار السلطوية ما يلاحظ منذ 4 أو 5 سنوات ،حيث هناك منظمات وشباب وأناس في تنظيمات او غيرها ينادون بنهاية طقوس الولاء ، مثلا وهذا مؤشر، ما كان اي أحد يجرؤ على هذا منذ 10 سنوات مضت ، هذا مؤشر قوي جدا، لايمر يوم بدون اعتصامات ووقفات ومشي على الاقدام .وبخصوص علاقة السلطة بالحراك المجتمعي اوضح حمودي أنه لا أحد يمكن أن في يقول بأن هذا الهيجان أو القومات التي توجد يقول بأن النظام هو الذي أوحى بها.
وشدد الانتربولوجي المغربي على انه لا ينتظر من النظام استعمال تلك الوقفات وذلك الهيجان النضالي الموجود اليوم ، طبعا سيستعمله ، وسيحصل إما في النقابات والاحزاب سواء كانت قوية أم هشة، لكن هذه الدينامية الموجودة تعلم كذلك هذه الفئات وليس النظام لوحده ، ولاحظ حمودي أن هناك نواة تتكون في منظمات المجتمع المدني التي لديها قوة وتظهر في الساحة مرارا ، وهناك استعدادات في أحزاب صغيرة وفي تجمعات وستفرز شيئا جديدا ، وهذا سيأخذ وقتا طويلا . وعن المشاريع التي ستساهم في دمقرطة الدولة والمجتمع اكد حمودي أن المشاريع لا تتبلور بين عشية وضحاها وتتطلب وقتا . اليوم الذي يتتبع بالتحليل، يظهر لي ان هناك ثلاث نقط خطيرة تتبلور ، الاولى وهي أن الناس لم تعد تتحمل انعدام الاخلاق في الساحة السياسية في الانتخابات والمؤسسات، ولاحظ ان المشاريع التي تنجح تلح على هذا التخليق بشكل ملموس ، ويمكن للعدالة والتنمية أن تعود الى هذا النداء بالتخليق وليس لوحدهم، وهناك احزاب أخرى كاليسار التي تنادي بنفس الشئ ، هذا الميدان الخلقي لم يعد يقبل الانسان أن يهان اخلاقيا وهناك من يعبر عنها بالكرامة ، ومسألة العفو الاخير وما وقع، هذا مؤشر على ان الناس يحتجون على المساس بأخلاقهم ، وهذا بدأ الاشتغال به من طرف التنظيمات الاسلامية، وأنا لا ارغب في هذه الكلمة، لأني اعتبر الشعب كله مسلما، و أعتبرها «دعوية» ، وهذا لايمنع من الاشتغال بينهم في تقاطعات مع مشارب أخرى يسارية أو غير يسارية أو ليبرالية كذلك .
فالناس تطالب بالحرية ، التي مورست منذ 10 سنوات والتي توسعت ولا تؤدي بهم الى القرار ، ها هم احرار، ولكن السياسات تطبخ ثم توضع على الساحة وتطبق ، وهذا هو الجانب الثاني من المشروعية، وهو مطلب، أن الحرية تكون مرتبطة بالوصول الى القرار والتأثير في السياسات، لا في السياسات الوطنية فقط، ولكن السياسات المحلية والجهوية، وهذه الاحتجاجات والوقفات تنجح مع بلورة التخليق والحرية والكرامة ليرجع فضلها الى الناس التي تعيش في المنطقة سواء تعلق الأمر بموارد معدنية أو مائية أو غابوية أو إصلاحات ثقافية أو تمدرس أو أي شيء من هذا القبيل. وهناك ثالثا، الحاجة للتفكير في المنظومة الاقتصادية الجديدة، ويجب إعادة النظر في ربط المشاريع بالعلاقات الاجتماعية مع إعادة النسيج المجتمعي وإعادة التفكير في العائلة وفي الجهة وعشائر والطبقات، من أجل رجوع العائدات الى المجتمع، وأقول باسم العولمة واقتصاد السوق إلى الانفصام مابين مشاريع التنمية والحاجات الاجتماعية الملحة التي يحس بها الناس، وهناك أحزاب قاست مثل العدالة والتنمية، وهذا ما جعل الناس ينتبهون إليها، والتنظيمات الاخرى عندها كفاءات كبيرة يمكن أن تدخل في هذا المشروع بكيفية لها مصداقية أكثر من الكيفية التي تعامل بها حزب العدالة والتنمية مع مشكلة التنمية أو إعادة الاقتصاد اليوم . وبخصوص صيغة الخروج من وضع التحكم الذي يؤدي الى التلاشي، أوضح الباحث أن هذا منتظر ، لأن الخروج من السلطوية له مراحل ، ويمكن أن يكون زمام الأمر محليا وجهويا وحتى وطنيا حيث ما زالت في يد شرائح كما نسميها ، الوجهاء والبارونات، ولكن الخروج بنضال من أجل تمثيلية ملموسة وغير مخدومة، هذا نفسه يوسع الفضاءات ، وهنا تبدأ حكاية جديدة من العمل السياسي والنقابي ، لشرائح شابة جديدة ومستعدة لدفع البلاد الى الامام و تتنظم.
وشدد حمودي بالقول «لا تنتظر من هذه الفئات التي سيطرت ان تترك لك المكان وتتخلى عن المصالح و الامتيازات، وتدعوك إلى دخول مكانها ، ستحاول أن تدافع عن مصالحها وتستقطب.. «، « والأخير أن
النضال مستمر من أجل فصل السلط سيستمر لسنين ، ونضال من أجل التمثيلية الشفافة سيستمر، ولن نخرج من السلطوية هكذا ، ولكن هناك حاجة لابد أن نقدرها ولم تكن معروفة ، الوقفات والاحتجاجات والديناميات الثورية لا يمكن ان تتنبأ بزخمها ، ما يمكن فعله الان هو العمل على تنمية وتيرتها ومن رحمها لا تعرف ما يخرج ..» و عن المحددات حول مايقع في الساحة وارتباطه بالمؤثرات الخارجية، اكد حمودي بالقول
« العنصر الداخلي وهو المهم ، كيفما كانت المؤثرات الخارجية ..لما يأخذ الشعب زمام الأمر في بلادها في تلك الساعة، تكون تلك التأثيرات الخارجية رهينة بتحركاتها ، وهذا وقع في مصر . لابد أن نتبع مسألة الدمقرطة في بلادنا، ومؤسسات السجن والعفو.. لازم أن يكون الضغط بأشكاله على المؤسسة السلطوية لكي ينظم العفو، ويكون فيه التنظيمات المنتخبة والجمعوية التي تنظر في العفو ، هذا ملف قائم ومرشح ، والمسألة الثانية هي عودة الملكية والخطاب الملكي الى مسألة التعليم ، وأنا من رجال التعليم ، ولكن الرد ما زال ضعيفا بالنسبة للتنظيمات والاحزاب وتنظيمات المجتمع المدني ، والتعليم هو المسألة التي أخذت من يد الشعب، وكان فيها قرار النظام السلطوي بعقود وعقود مضت ، واليوم يخرج النظام ويقول يجب تطبيق مشروع الاصلاح الذي كان في الحكومة السابقة ، مع أن معالم الاصلاح كانت غامضة . لابد للملفات الداخلية أن تكون عندها الأسبقية وهي معروفة .
وفي الأخير أتساءل لماذا تتشرذم التنظيمات والشرائح التي تدفع بالإصلاح والتي تؤمن بالإصلاح..؟ ألم يعد من اللازم لم الشمل هذه المسألة ، هي راهنة بالنسبة لي لكن عناصرها يجب مناقشتها، وهذه المسألة حيوية وراهنية الساعة الآن.

9/6/2013