موانع الإصلاح الحكومي ..عند العدالة والتنمية..

محمد الحاضي

«..إن تسييس الدين عائق أول وأساسي ضد الحرية..»
أدونيس

يقتضي عنوان المقالة البدء بالملاحظات التالية:
1- قد تكون صيغة ( استحالة الإصلاح )هي الموافقة للعنوان ،بدل (موانع الإصلاح)،بحكم أن الإصلاح لا يستقيم ولن يستقيم أبدا بطلبه ركوبا على منطق الدين ..ووازع الأخلاق..وشرائع الشريعة..كما يضمر ويبرز..يخفي ويظهر..يدعو(من الدعوة)ويسوس..يجمعن ويحزّب..العدالة والتنمية وهو يستكبر منتشيا بخيلاء الشرعية الإنتخابية..لكننا آثرنا الصيغة الثانية (أي موانع الإصلاح)لما تحتمله من تنسيب قد يأخذ العبرة من منطق التاريخ وتجارب الأمم المتقدمة ، فتزول الموانع غدا ..ويستوي العدالة والتنمية وإخوانه حزبا سياسيا (وليس دينيا)يطلب إصلاح دنيا المغاربة..بأدوات وعلوم الدنيا..عدا أنه هناك أحزاب أخرى تشاركه الحكومة بمرجعيات مختلفة ..وبتطلعات وهواجس إصلاحية مغايرة قد تسرّع وتيرة هذا التنسيب ..ولو أن العدالة والتنمية يعتبرها مكمّلة أكثر من مشاركة..فمن لايتمنى هذا المصيرالسياسي الطبيعي والسّوي للعدالة والتنمية من المغاربة الديمقراطيين؟؟لقد كنّا – سجّلنا هذا منذ بداية التناوب التوافقي أواخر التسعينيات قبل هذا « الربيع» بمدة محترمة من المؤمنين بضرورة الانتقال من التناوب التوافقي إلى التناوب الطبيعي الذي يمكن أن يصعد بالعدالة والتنمية ،كغيره من الأحزاب ،إلى سدّة الحكومة شريطة تحوّله إلى حزب سياسي عادي يتبارى ويتنافس مع الآخرين بالبرامج الإصلاحية والتنموية ، ويحترم مقوّمات ومكوّنات الدائرة الجامعة لكل المغاربة ،والتي هي التعددية السياسية ،وفصل الدين عن السياسة إلاّ في إمارة المؤمنين الجامعة الحاضنة وحدها للدين والدولة ،وضمان الحقوق والحريات ،وتكريس دولة القانون والمؤسسات ..لكن يبدو أن العدالة والتنمية بعد انتخابات 25 دجنبر 2011 لايؤمن بالتناوب ، ولا بالدائرة إيّاها ، ولا بالإصلاح التحديثي الاقتصادي والاجتماعي..كما سنبيّن ونعلّل في هذه المقالة ، وكأنه وحده التغيير والحقيقة والمعقول والإصلاح..منه تنطلق هذه المبادىء والغايات وإليه تعود.. إلى ما لا نهاية..
2 – الإصلاح الذي نعنيه ونستهدفه من خلال العنوان ،يهمّ النهوض بالأحوال والأوضاع الاقتصادية ( إنتاج الثروة وتوفيرالعمل..)والاجتماعية (العدالة والخدمات..) والسياسية (الديمقراطية والحريات..) والثقافية (المعرفة والقراءة والآداب والفنون..) والعسكرية ( الحماية والمحافظة على أمن البلاد وسيادتها ووحدتها وحدودها..)،وليس الإصلاح الأخلاقوي الهوياتي الذي ينشغل دعاته /سياسيّوه أساسا بمدى ملائمة أخلاق الفرد والجماعة لموديل ديني – سنّي – ذهني ( مستحيل طبعا..)قوامه وهوسه دوما : المواضيع والظواهر والثوابت الإسلامية / الشرعية/ الإخوانية ،ونواقضها العلمانية الكافرة الفاسدة المتفسّخة ،على اعتبار أن الإسلام منهج حياة شامل جامع مانع من البداية إلى النهاية..ومن ماقبل التاريخ إلى مابعده..
ينتمي المفهوم الأول للإصلاح إلى شؤون الدنيا والسياسة والتاريخ ، وهو الفيصل الميداني والواقعي بين التخلف والتقدم ، بين الأمم الغالبة الحاكمة في هذه الأرض وبين الدول المستضعفة المغلوبة..وهذا المفهوم هو الذي سعت وتسعى كل القوى الإصلاحية الحقيقية في بلادنا ( من ملوك وأحزاب وأعلام ونقابات وجمعيات..إلخ ) إلى جعله واقعا مجتمعيا ملموسا .. وبجملة ، هو المرادف الواقعي لمفاهيم النهضة والتحديث والحداثة كما دأبت عليهم أدبياتنا الفكرية والسياسية والتاريخية للمغرب من القرن التاسع عشر إلى اليوم..وهي كثيرة ومتنوعة ومتضاربة،وتحتاج إلى بيبليوغرافيا خاصة ليس هنا مجالها..
بينما ينتمي المفهوم الثاني للإصلاح إلى الدوائر العقيدية والدعوية و الصوفية والزاوية..ولاتهمّنا الفروق بين هذه الدوائر درجة ونوعا..وهي فروق مبرّرة ومعلّلة بالتاريخ والمجتمع والثقافة والعقيدة نفسها..بقدر ما يهمّنا التأكيد ،مرة أخرى ،على أن هذا النوع من الإصلاح ظل يتواتر ويدور ويتكرّر في تاريخنا الوسيط والحديث والمعاصر والحالي..،كما في تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية الأخرى..ونرى أن الإشكالية ليست في وجود هذا النوع من الإصلاح من عدمه..ولكنها في اعتباره ونحن في بداية الألفية الثالثة، وبعد أن توالت وتراكمت علينا رواسب التخلف ، وتكالبت علينا الأعطاب والهزائم ، قلت اعتباره دائما الرّأس الأرأس للإصلاح.. وكأن قوانين التاريخ تمشي وفق إرادتنا المنحرفة هذه ..إن المفروض والمستعجل اليوم ،هو فصل وتمييز دوائر هذا « الإصلاح» عن معمعان الإصلاح الأول ..فصل وتمييز يمكن أن يسمح لدعاته وأهله بالعيش على الشرائع التي يرتضونها لاجتماعهم وزواجهم وشكلهم..إلخ ،دون تطاول أو وصاية أو تدخل في سير وسيرة باقي الدولة والمجتمع ..لكننا نعتقد أن العقدة تكمن أساسا في هذا التطاول / الوصاية/التدخل : فهؤلاء يعيشون على أخلاق وسلوك هوياتهم العقائدية بحرية..لكنهم يعتبرون الأخلاق والسلوكات المغايرة لهم منكرات يقتضي الواجب الديني / الشرعي منهم تغييرها بكل الآليات والأساليب والوسائل التي يتيحها لهم السياق العام والخاص..3 – الإصلاح بالمفهوم الأول ظل دوما ممنوعا ( ومستحيلا..)في التاريخ المعاصر للمغرب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد حالت دونه عوامل وظروف متنوعة ومركّبة ومسترسلة :دينية- فقهية تحرّمه وتعوقه، لأن مصادره وأدواته تنحدر من الكفار والنصارى..واجتماعية قبائلية مكتفية بطبيعة العلاقات التي تفرضها عليها مصالحها المجالية والمعيشية والإنتاجية ،أفقيا وعموديا ،وهي إما علاقات خصام ونزاع وصراع ، وإما علاقات تحالف وخدمة وانصياع..بحيث لم تر في الإصلاح حاجة أو مطلبا أو حتى موضوعا.. ومالية تتمثل في غياب السند المالي الضروري لكل إصلاح..وأجنبية تعرقل كل إصلاح حقيقي يمكن أن يحول دون خضوعنا لتبعيتها واستعمارها ..وإذ يمكن التذكير بوقائع ومفارقات أن الإصلاح قبل الحماية الأجنبية وبعدها ،كان ولايزال شأنا يهمّ ويشغل الدولة/ المخزن أكثر من المجتمع ..، تنبغي الإشارة إلى مسألتين : تقول الأولى أن الإصلاح التحديثي في مجالات التشريع والإدارة الترابية والتجهيز التحتي والتعمير والاقتصاد والتعليم..إلخ هو من فعل وأثر السلطة الاستعمارية ( بصرف النظر عن حدود وخلفيات وازدواجية هذا الإصلاح..). وتقول الثانية أن الإصلاح الذي تمّ في عهد الملك الراحل الحسن الثاني بعد الاستقلال ،على الأهمية التحديثية لبعضه..، ظل أحاديا وفوقيا وشكليا ومحدودا وفئويا..ومطبوعا بالنهج الإصلاحي الاستعماري..وذلك لأن الهم في هذا الإصلاح لم يكن هو الإصلاح..وإنما الاستحواذ والاستبداد والكاريزما السلطوية..فأهدرت بلادنا 40 سنة في أجواء التناحر والتسلط واللا ثقة ..وهي أجواء هيّأت تربة خصبة للفساد والريع والوصولية والزبونية والتقليدانية المخزنية، وعطلت استفادة المغرب من طاقاته الإصلاحية التحديثية الفكرية والحزبية والسياسية..
وقد حاولت تجربة التناوب التوافقي بعد 1998 بالتوافق الملكي الكتلوي عامة الاتحادي خاصة- تدارك التأخر الإصلاحي الاقتصادي والاجتماعي والهيكلي والسياسي والثقافي..،فألقت بغير قليل من الحجر في البرك المغربية الراكدة (..ليس كلها طبعا..)ولعل من نتائج هذه التجربة ، ومن رسوخ ثقافة النضال والاحتجاج في المغرب ،هو هذا الانخراط الإصلاحي الهادىء والنوعي لبلادنا في حركية هذا المخاض العربي منذ 2011 ، والذي أسفر عن دستور 30 غشت 2011 المتقدم عن سابقيه..وانتخابات تشريعية (25 نونبر)سابقة لأوانها ،بوّأت العدالة والتنمية المرتبة الأولى في سياق انتخابي عربي متشابه النتائج والرهانات السياسية( كما في حالتي تونس ومصر ..)
4 – الحكومة اليوم،بالسلط والصلاحيات الواضحة والواسعة التي خوّلها دستور 2011 لمؤسسة رئيسها ، يمكن أن تكون ورشا خصبا وفعالا للإصلاح ،بحيث يمكننا أن نتحدث ، لأول مرة في تاريخ الوقائع والمؤسسات السياسية بالمغرب وبالموازاة والتداخل والتفاعل مع الإصلاحات التي قام ويقوم بها الملك في مجال البنيات التحتية والتجهيزات الهيكلية الأساسية والمفاصل الحقوقية والقانونية والسياسية ( مدونة الأسرة ،الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، الإنصاف والمصالحة ، التعدد الثقافي ، الدستور..إلخ) عن الإصلاح الحكومي ، أو الإصلاح المحسوب على الحكومة أي الإصلاح الذي تباشره الحكومة بغير قليل من الاستقلالية الدستورية والمؤسسية المسؤولة . والحاصل أن موانع هذا الإصلاح هي أصلا في الذات والأداة الحزبية التي تترأّس هذه الحكومة..أي العدالة والتنمية ، أكثر ما هي في الوثيقة الدستورية ..أو في المحيط الملكي ..أو في ضغط وتشويش الكائنات الخرافية ..
فكيف يستقيم فهم وتعليل أن قوة دعوية-سياسية تلهج بالإصلاح ومحاربة الفساد والاستبداد ليل نهار..هي بالذات من يمنع الإصلاح ويعوقه ؟
المعادلات بسيطة…
1 – ليكن واضحا وجليا أن الإصلاح بالمنطق النهضوي التحديثي العقلاني غير وارد ، لا ذاتيا ولا موضوعيا ،في وعي ونظر الإسلام السياسي ككل ، ومنه الزوج المغربي الإصلاح والتوحيد / العدالة والتنمية . إن الإصلاح الحقيقي هو تجديد..هدم وبناء..وليس عودة إلى الأصول..لقد ظل المصلح المتنور الشيخ محمد عبده أواخر القرن التاسع عشر أسير عدّته الدينية الكلامية ..حتى وهو متشبث بالإصلاح ..ومقرّ ب « تخلفنا وتقدم الآخر « ..إذ بقي واقفا تائها وسط مفارقات متشعبة، منها أن أن تقدم الغرب هو من أثر الإسلام وليس المسيحية..( أنظر عبد الله العروي ،مفهوم العقل ، مقالة في المفارقات ، ط 1 ، 1996 ،المركز الثقافي العربي ). حصل هذا مع الشيخ محمد عبده وأمثاله بالمشرق والمغرب ، فما بالنا وعدّة الشيوخ والفقهاء من بعده تنحدر دركا..دركا..إلى أسافل العلم..وأتون التطرف..ومغالق العقل..إلى اليوم . نفس الانحدار يمكن ملاحظته بالمغرب بين الاجتهاد المتنور والعالم لأعلام الأمس مثل علال الفاسي وبلعربي العلوي والفقيه داود و المختار السوسي والتهامي الوزاني الذي كان يصطحب معه زوجته إلى قاعة السينما بتطوان..وغيرهم ، وبين فقهاء الظلام والتطرف والانغلاق اليوم.. لذا سيكون من المفهوم أن يمسي الإصلاح عند الإسلام السياسي وشيوخه وفقهاءه اليوم ،فقط ،همّا أخلاقويا عقيديا لاشأن له بمفارقات تقدم الآخرين وتخلفنا مادام التقدم في الدين..أو هو الدين نفسه..ومادام الدين هو المظهر / الدّالّ الأول والآخر على التقدم.. وعليه، فالعدالة والتنمية ،الذي هو من هذا الإسلام السياسي السائد اليوم عربيا، « يمنع « بأثر مرجعيته الدينية ،الإصلاح بمفهومه التحديثي العقلاني النقدي الحرّياتي..ويلهج بالإصلاح العقيدي الأخلاقوي بإعتباره الحلّ الأنجع (= الإسلام هو الحل) لما يراه من نظم بعيدة وغريبة عن الدين ..وشريعة ملغية..وكفر طافح..وإيمان يابس..وحرية زائغة..ولو طارت معزى..
2 الأصل في الإسلام السياسي هو الدعوة ، هو الإيديولوجية التي تتوسل الدين..وما السياسة إلا أداة الوصول والتمكين والتنفيذ..( من هنا أحد أوجه تغنّيه بالصندوق الانتخابي ،فقط ، للديمقراطية..). الإخوان المسلمون، بمصر،هم الأصل بينما الحرية والعدالة مجرد فرع سياسي..والشبيبة الإسلامية أو الإصلاح والتوحيد ( وقبلها رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد )هي الأصل ، بينما الحركة الدستورية الديمقراطية الشعبية لعبد الكريم الخطيب ،ثم العدالة والتنمية لاحقا، مجرد فرع / أداة سياسية لترجمة الأصل إلى واقع ملموس..إن السياسة الحقيقية التي يستهدفها الإسلام السياسي هي السياسة الشّريعاتية ،أو سياسة تطبيق الشريعة في دولة الخلافة الموعودة..
والحال أن السياسة السياسية البشرية المدنية الدنيوية هي قابلة ورافعة الإصلاح بالمنطق التحديثي التاريخاني المدرّ للتقدم والرقي ..وهذه بالذات هي السياسة التي يعارضها ويحاربها الإسلام السياسي ..
3 – ولكي يضمن سليلو الشبيبة الإسلامية ، الشرعية القانونية كان لابد من وساطة معيارية وحزبية مثلها عبد الكريم الخطيب وحزبه، مما سيطبع مآل هذه هذه الحركة الإسلاموسياسية بإزدواجية بنيوية مزمنة ( سجلنا ذلك في مقال : هل تنظيم العدالة والتنمية حزب سياسي؟ ج الإتحاد الاشتراكي ع 7890 ،24 /03 /2005 ? وفي مقال : ازدواجية العدالة والتنمية محاولة في الفهم،ج الصباح ع2281 ،10/08 /2007 )وهي ازدواجية بقدر ما توفر للحركة العمل بمحرّكين شرعيين متكامليين..بقدر ما توفر للخصوم والنقاد مظهر واضح وحجة دامغة لتداخل وتكامل وتآزر الدعوة والسياسة..الجمعية والحزب..وهو ما لا تحتمله الحركة وكأنه سبّة أو نقيصة..والحال أنها لاتحتمله ولاتطيقه إلا لأنها تدرك جيّدا فعاليته وجدواه التعبوية والاستقطابية..إلا لأنها تريد أن تجعل وتصوّر نجاحها الانتخابي وكأنه مجهود سياسي لاأثر فيه للدعوة / الأخونة الأفقية والعمودية (في جمعيات الشباب والنساء والنقابة والمال والأعمال والرياضة والحقوق والاتصال والإعلام والطفولة والطلبة والخير والإحسان والتعليم الخاص والعمومي ودور القرآن..إلخ.فمن أصل 90 ألف جمعية وطنية ،تقدر المصادر عدد الجمعيات المنتمية الى ،أو القريبة من التيار الإسلامي في المغرب بما لايقل عن 23 ألف جمعية ، (عن ج الأحداث المغربية ع 5027 ،16 /06 /2013 )ومن 107 نائب برلماني حوالي 90 منهم أعضاء في حركة التوحيد والإصلاح) (عن أسبوعية الوطن الآن ع 531 -08 /08 /2013 ).
وهذا على كل حال حق وغاية كل تنظيم سياسي ،كما يمكن أن يرد علينا ،حقا ، أي ناقد موضوعي..لكننا نرى أن العلة ليست هنا ، إن العلة تكمن وتسكن أساسا في أن تنظيمات الإسلام السياسي تعتبر نفسها هي وحدها الأحزاب ،أو بالأحرى الحزب الحقيقي / الشرعي / الأصيل وحده في بلاد المسلمين ..وهو وحده الحزب الصّالح المصلح الأصلح ( ألم يقل الفقيه الريسوني أن الصّلاح والاستقامة والنزاهة هي في الإنسان المتديّن الإسلامي الملتزم أكثر من غيره ،ولربما قال دون غيره..من المسلمين العاديين..الذين يمكن أن يكونوا يساريين أو ليبراليين أوقوميين..) . لذا فتنظيمات الإسلام السياسي لاترى نفسها برنامجا سياسيا كغيره من البرامج المتبارية المتداولة المتناوبة ، كما هو النهج الديمقراطي الحقيقي ،بل ترى نفسها هي البرنامج الأول والآخر..هي البرنامج الوحيد الأوحد..لأنها هي بالضبط برنامج الهوية..والأصل..أي البرنامج الإسلامي ..أي الإسلام.. نعود فنقول أن ازدواجية الخطاب الديني / الخطاب السياسي ملازمة بنيويا للعدالة والتنمية ، ولايمكن أن يعمل ويعيش إلا بها ..إذ يستحيل عليه التحلل منها في اتجاه السياسة الخالصة ..أو في اتجاه الدعوة القاطعة..ولايمكن فهم الحديث عن اتجاه الإسلاميين إلى خلق تمايز بين الدعوي والسياسي (كما كتب بلال التليدي ج التجديد ع 3193 ? 17 / 07 /2013 ) إلا في سياق الحديث عن تمايز التقاسم والتكامل ، وليس تمايز المسافة والإستقلالية بين الطبيعة السياسية البرنامجية البشرية ،وبين الطبيعة الدعوية التربوية الأخلاقية اللاهوتية.. كما يريد أن يوحي هذا الكلام ..خاصة في ظل تداعيات السياق المصري بعد 30 يونيو2013 ..إن التمايز بمعنى وضع مسافة مبدئية حقيقية من الاستقلالية في النظر والعمل بين الدعوي والسياسي ، مستحيل عند / في الإسلام السياسي كما هو الثنائي التوحيد والإصلاح / العدالة والتنمية..وفي جعبة الفقيه الريسوني دائما ما يفيد ويسعف من الحجج والبراهين إذ « المسألة الأخلاقية والالتزام الأخلاقي « تحضى ( عنده ) «..بأهمية كبرى في المنظومة الإسلامية ، وأحكامها تتسم بكل الوضوح والحسم..» ( ج المساء ع 1877 ? 05 / 10 / 2012 : المشروع الإسلامي على المحك ).فهل من مجال أو احتمال ،حسب منطق هذا الكلام ، للتمايز بين الدعوي والسياسي ، بل وبين كل قطاعات وتنظيمات هذه الحركة الإسلامية بالمغرب ..مادام التمايز و «..التأويلات والحيل والتمييع والتكييف عند غير الإسلاميين حيث كل شيىء نسبي ومتقلب « ؟؟(كما يتابع الريسوني..). ولعلّ هذه الأحكام القدحية هي أصلا وفصلا مايطبع غير الإسلاميين ( وليس غير المسلمين ) من قيم ومبادىء التنسيب والإختلاف والتّحول والتعدد..إلخ وعلى ذكر الأخلاق ، يجدر الانتباه إلى أن المسألة الأخلاقية والقيم النبيلة مثل الاحترام والصدق والأمانة والإنصاف والعطاء والحب والنزاهة والمروءة والضمير المهني والسّلام..إلخ لا علاقة لها بالدين..أو بالدين وحده..إن الأخلاق والقيم لها ارتباطات ووشائج قوية ب « الذهنية العامة « التي تساهم في صياغتها عدة عوامل مثل مدى الوعي المدني ، ومنسوب الحريات العامة والفردية ، والسلوك العقلاني ،ومستوى العيش..لذا يصحّ ،أيضا ، الحديث عن إشكالية فصل السياسة والأخلاق عن الدين واللاهوت..
نخلص إلى أن هذه الإزدواجية هي من عوامل صعود العدالة والتنمية ..وقد تكون ، أيضا ، من عوامل نزوله..وتستحق ، هنا ، فرضية أن الإسلام السياسي « عدو نفسه « ( بمناسبة ما وقع للإخوان المسلمين بمصر ،أوبالأحرى ما فعلوه هم حتى يكون مصيرهم هذا الهبوط السريع والمفاجىء..)غير قليل من الاحترام العقلاني التحليلي..
4 – لا يمكن لموقع المعارضة أن يمتحن أبدا طبيعة التوجهات الإصلاحية للعدالة والتنمية ، حيث يجب تعبويا أن تتنوع وتختلف المطالب الإصلاحية في صوت المعارضة الذي لاضفاف اجرائية أو تنفيذية يمكن أن تحدّه وتختبره.. ومع حملة الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر 2011 ، التي جاءت في ظل كثافة السياق العربي ( الربيع..) والشّبابي ( 20 فبراير..)، أطلق العدالة والتنمية العنان لجموح وعوده وبرامجه الإصلاحية والتنموية ، واعدا بأرقام ومعدلات مثالية في نسبة النمو..ومعدل العجز..وهي وعود يمكن أن تبررها الحملة / التنافس الإنتخابي..لكن يمكن للخبرة المتواضعة بلغة الاقتصاد وارتباطاته واكراهاته الداخلية والخارجية ، وبلغة المجتمع وأحواله وتحولاته ومركّباته، أن تكون لها بصمة واضحة في هذا الاندفاع الرقمي ( من الأرقام)المواكب ل والمشفوع ب « المعقول « و الدعاوي ( من الدعوة والدعاية معا..)السرية والعلنية للعدالة والتنمية في المساجد والدور والمآتم والحفلات والتجمعات ..حتى قضت الصناديق أمرها..وتصدّر العدالة والتنمية نتائج الانتخابات البرلمانية هذه.
اليوم ،والحكومة التي يترأّسها العدالة والتنمية توشك على إتمام سنتها الثانية ،صار بإمكاننا رصد « موانع « الإصلاح التي تعود إلى ذات وصلب العدالة والتنمية .وهي ، للتذكير ، « موانع « مركبة ، ذاتية وموضوعية ، يمتزج فيها العجز بضعف التجربة بالإيديولوجيا الإخوانية (= المجتمع ، والدولة الإسلامية المنشودة أو المتخيلة أو الموهومة ،سيان..) بخيلاء الشعبوية . فيما يلي بعض من مظاهر هذه « الموانع « :
1 – رغم أن الحكومة هذه ائتلافية تتكون من عدة أحزاب ، فإن العدالة والتنمية تصرّف وكأنه وحده فيها ..لذا يطغى صوته على الباقي ..والصوت ، هنا ، يفيد العقيرة من جهة..وطبيعة « الهواجس الإصلاحية « من جهة ثانية ..وقد نتج عن هذا « الطغيان الصوتي « مشاكل عويصة ومزمنة داخل الأغلبية الحكومية (..فأحرى مع المعارضة..)من مظاهرها التنافر والتضارب والعقم والتّحامل حتى خرج من الحكومة حزب الاستقلال ..ويتحمّل العدالة والتنمية « المانع الإصلاحي» في هذه الوضعية ، لكونه تصرّف وكأنه في الحكومة وحده.. في حين يفترض ويفرض تدبير العمل ( فأحرى الإصلاح..) في حكومة ائتلافية الكثير من سياسة التفاهم والتوافق والتشارك والحوار والتنازل..فلماذا لم تنهج رئاسة الحكومة هذا الأسلوب ؟ أو بالأحرى لماذا لم تغلبه على ماسواه من أساليب المبارزة والكيد والحفر والتنابز والتجاهل والعجرفة والتهاتر؟؟؟ربما لأن العدالة والتنمية يضمر في وعيه ولاوعيه الإيديولوجي ، كما أسلفنا ، أنه الحزب الأفضل ( من الفضيلة والمفاضلة معا..) والأتقى والأقوم ، لأنه وحده الحزب الإسلامي الأليق والأجدر بمجتمع مغربي إسلامي ..بدليل أن هذا الشعب الإسلامي بوّأه المرتبة الأولى ..وكان يمكن ( وقد يمكنه مستقبلا..) أن يبوّئه المرتبة المطلقة ..لو غاب المال الحرام والدسائس الإدارية والسلطة التحكمية الذين لايزالون يفرزون هذه الكائنات السياسية الطفيلية التي تزاحمه وتعرقل استفراده ..(ألم يقل الفقيه الريسوني ،أيضا، أن الإصلاح الحقيقي والتغيير الحقيقي في تاريخ المغرب الحديث بدء مع هذه الحكومة؟). فلماذا ،إذن ، يتنازل هذا الحزب الإسلامي الغالب ليتكلّم ويصغي الى هؤلاء الحلفاء الصغار ؟سيكون ذلك ربما من قبيل الاستهتار بالشرعية الإسلامية وتمريغها في الوحل السياسي الوسخ والفاسد لهؤلاء ؟؟
لكن المفارقة التي يكشفها منطق السياسة ودرسها ، هي أن هذا العدالة والتنمية المستكبر والمتجاهل لرأي وطلب حليفه الأول و» القريب « حزب الاستقلال، يرضخ لتعديل حكومي طالبا يد حزب « بعيد « (القرب والبعد ، هنا ، بمنظور العدالة والتنمية طبعا..)كالتجمع الوطني للأحرار ، بعد أن تبادلا معا تهما ثقيلة وعميقة ..وكأن العدالة والتنمية فسّر ، بعد الجهد ، الماء بالماء..
2 – العدالة والتنمية لايمكنه ، لاذاتيا ولاموضوعيا ، أن يمنع سيرورة وصيرورة الطبائع المدنية الكونية للدولة والمجتمع في المغرب المعاصر حتى وهو ضد هذه الطبائع ..لكنه ، في نفس الوقت لايمكنه أن يساهم ويبادر بالإصلاحات المسايرة والمتوافقة مع هذه الطبائع ..خصوصا في مجال الحريات والمساواة والآداب والفنون..هذه المفارقات تكبح وتعرقل الإصلاح التحديثي الشامل ..ولايمكنها أبدا أن تفرز نموذجا مجتمعيا يختلف في طبيعته ونموه عن بعض بلدان الخليج أوايران ( وهم على كل حال أغنياء بالريع النفطي..)أو السودان ..أو الصومال..موضوعيا ،إذن ، هذا هومستقبل المغرب « الممكن « بالمشروع الإصلاحي للعدالة والتنمية..

…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي …7/9/2013