اضطراب المفاهيم في الفلسفة الحديثة: جدل الحداثة لدى ليو ستروس نموذجا
عبد الله السيد ولد أباه(*)

مجلة التسامح /2009

يعرف الفيلسوف الفرنسي (جيل دلوز) الفلسفة -في أحد أهم كتبه الأخيرة- بقوله: (إن الفلسفة هي فن تكوين وإبداع وصناعة المفاهيم)(1).

ولا شك أن أهم مفهوم فلسفي شغل الفلاسفة في العصور الحديثة والراهنة هو مفهوم (الحداثة) الذي يمكن أن نرجع إليه كل المشاغل والإشكالات الفلسفية خلال القرون الثلاثة الأخيرة.

فمنذ (كانط) -كما يبين ميشال فوكو- أصبحت الفلسفة نمطا من (انطولوجيا الحاضر)، تتناول بالتفكير والأشكلة والنقد سؤال الحال الراهن وحقل التجارب الممكنة(2).

بيد أن السؤال الفلسفي للحداثة اخذ في المرحلة ما بعد الكانطية اتجاهين: اتجاه نقدي ذاتي راهن على قدرة الحداثة كمشروع غير مكتمل على الحصول ذاتيا على ضمانتها الخاصة، واتجاه نقدي راديكالي دعا إلى هدم أو تفكيك الأفق العقلاني / الميتافيزيقي للحداثة.

أخذ الاتجاه الأول -الذي تعبر عنه فلسفة هيغل وامتداداتها الراهنة- شكل (جدلية للعقل) متمحورة حول مبدأ الذاتية، وأخذ الاتجاه الثاني الذي عبرت عنه فلسفة نيتشه وامتداداتها المعاصرة شكل نقد جينالوجي جذري للمقوم العقلاني للحداثة في مجموعه ولمبدأ الذاتية الذي تولد عنه(3).

وفي الحقبة المعاصرة استمر الحوار وفق الإشكالية ذاتها، أي قدرة الحداثة كمسار عقلاني على تحقيق: مشروع التحرر الذاتي في أبعاده المعرفية والمجتمعية(4). بيد أن الجانب الذي استأثر باهتمام الحقل الفلسفي العربي هو ذلك المتعلق بالإرث النتشوي/الهايدغري في صيغه المتنوعة وقراءاته المتباينة(5)، في الوقت الذي قل الاهتمام برافد آخر من روافد السؤال الفلسفي للحداثة عصي على التصنيف في أدبيات (ما بعد الحداثة) على اختلاف نسخها ومقارباتها.

ويمثل هذا الرافد وجهان فلسفيان بارزان يتشابهان من حيث الخلفية الفكرية والانتماء الثقافي والتجربة الشخصية، على الرغم من اختلافهما في المقاربة والغايات: (ليو ستروس) (1889-1973) و(حنة أرنت) (1906-1975). كلاهما من أصول يهودية ألمانية، عاشا في ألمانيا واندمجا بقوة في وسطها الفلسفي المتألق والحيوي في مرحلة ما بعد الحربين وتتلمذا على هايدغر، ثم غادر كلاهما ألمانيا فارا من الجحيم النازي، واستوطنا الولايات المتحدة الأمريكية، وفيها حققا شهرتيهما الواسعة من خلال أعمال متميزة، لم تنل الاهتمام المستحق إلاَّ في السنوات الأخيرة.

يجمع بين الاثنين إعادة الاعتبار للفلسفة السياسية، وحرص جلي على إعادة استكشاف وقراءة التقليد الفلسفي القديم في سياق مسلك نقدي للحداثة يستدعي النظر المعمق.

وعلى الرغم من نقاط التشابه العديدة، إلاَّ أن مساري الفيلسوفين يتمايزان نوعيا في ضبط وصياغة مفهوم الحداثة. وسنتناول في هذا الحيز أطروحة شتراوس، مع استعراض مقاربة أرنت في مكان آخر.

ليو ستروس: الرجوع لما قبل الحداثة:

على الرغم من القراءة النتشوية لأعمال (ليو ستروس) التي ظهرت في السنوات الأخيرة(6)، يبدو من الجلي أن موقف ستروس النقدي الجذري من حركية الحداثة يتنزل في موقع نظري ومرجعي مغاير للجينالوجيا النتشوية.

ويمكن الكشف عن مقاربة ستروس للحداثة في مستويات ثلاثة:

– مسار التشكل الفلسفي للحداثة (الموجات الثلاث للحداثة).

– النقد الإيديولوجي لليبرالية (المأزق النسبوي).

الرجوع للفلسفة القديمة ولتقليد الحق الطبيعي.

1-مسار التشكل الفلسفي للحداثة:

يرصد ستروس مسار التشكل الفلسفي للحداثة بالوقوف عند محطات ثلاث رئيسية، عبر عنها بـ(الموجات الثلاث) هي: موجة الحداثة العلمية والسياسية التي عيرت عنها فلسفات ماكيافيل وهوبز ولوك، موجة الأنوار التي عبرت عنها فلسفات روسو وفيشته وهيغل، وموجة العدمية الوجودية التي عبرت عنها فلسفات نيتشه وهايدغر والفلاسفة الوجوديين(7).

فبخصوص الموجة الأولى، يلاحظ ستروس أن ماكيافيل هو أول من أرسى القطيعة مع الفلسفة السياسية التقليدية واصفا إياها بالمثالية الحالمة، مِمَّا يعني عمليا رفض التأسيس الأخلاقي للسياسة من حيث هي تكريس للفضيلة المدنية، وبالتالي يتحول الموضوع السياسي إلى مجرد تسيير تقني ناجع للحكم.

إنه التصور نفسه الذي يعتمده (هوبز) في استبداله التأسيس الطبيعي والأخلاقي للسياسة بالمؤسسات الصارمة المخترعة القادرة على ضبط السلوك الإنساني. فالإشكال السياسي يرتد ببساطة إلى مجرد تنظيم محكم للدولة، مِمَّا هو متاح للإرادة البشرية.

ففي حين كان ينظر -في الفلسفة القديمة- للقانون الطبيعي في ضوء تراتب الغايات الإنسانية حيث يشكل حفظ الذات أدنى هذه الغايات، تصور هوبز القانون الطبيعي من منطلق حفظ الذات وحده في معزل عن أي التزامات أو واجبات أخرى. ومن هنا أخذت مدونة حقوق الإنسان مكان القانون الطبيعي(8).

أما الموجة الثانية فتبدأ مع روسو (الذي غير المناخ الأخلاقي للغرب) بنفس العمق الذي غيره به ماكيافيل. فإذا كان روسو قد انتقد السمتين الأساسيتين للموجة الأولى (اختزال الموضوع الأخلاقي والسياسي في مجرد المشكل التقني ومفهوم الطبيعة الحديث)، إلاَّ انه لم يستعد المفهوم الكلاسيكي للفضيلة من حيث هي الغاية الطبيعية للإنسان بمعنى اكتمال الطبيعة الإنسانية.لقد انتهى به الأمر إلى إعادة تأويل مفهوم الفضيلة لملاءمتها مع التصور الحديث لحالة الطبيعة كحالة بدائية للإنسان. فإنسانية الإنسان لا يرجع الفضل فيها للطبيعة وإنما للمسار التاريخي، مما يكشف عن مقاربة أكثر راديكالية من تصور هوبز لحالة الطبيعة. وينتج عن هذا القول إن الإنسان الطبيعي لدى روسو ومن قبله هوبز فاقد للسمتين الاجتماعية و العقلانية، انه ذات حرة وليس كائنا عقلانيا.ومن ثم يتم تعويض القانون الطبيعي المتعالي بقوانين وضعية صادرة عن الإرادة المشتركة المحايثة للمجتمع. والنتيجة الرئيسة لهذه المقاربة هي محاولة حل الشرخ الذي خلفته الموجة الأولى بين (الوجود) و(ما يتعين أن يكون عليه الوجود) من خلال مفهوم الإرادة المشتركة التي تكتسب طابعها المعياري الخير من سمتها العقلانية، في حيت تستمد طابعها العقلاني من سمتها العامة. فالخاصية العامة للإرادة المشتركة هي التي تؤسس مرجعيتها الأخلاقية، دون الحاجة إلى الرجوع إلى أي اعتبارات جوهرية أو إلى أي تصور للطبيعة الإنسانية أو الكمال الطبيعي.انه نفس التصور الذي اعتمده كانط وكل تيار المثالية الألمانية.

وعلى الرغم من النقد الذي يوجهه ليو ستروس لنظرية الإرادة المشتركة لدى روسو، إلاَّ أنه يعترف انه أول من انتبه لازمة الحداثة التي يهاجمها من منطلق فكرتين كلاسيكيتين هما: المدينة والفضيلة من جهة ومن جهة أخرى الطبيعة. فثمة تأرجح جلي بين الرجوع للمدينة والعودة لحالة الطبيعة، وهذا التأرجح هو جوهر فكر روسو(9).

وكما أن روسو يرمز للموجة الثانية، فان نيتشه يرمز للموجة الثالثة التي تتشكل من فهم جديد (للشعور الوجودي) من حيث هو تجربة رعب وقلق أكثر من كونه تجربة تناسق وسلام. انه الشعور بكون الوجود الإنساني مأساوي بالضرورة، لا يمكن حله اجتماعيا على طريقة روسو، كما لا يمكن حله بحسب التصورات الكلاسيكية القديمة للسعادة، بل أن السعادة الحقيقية غير متاحة للبشر.

والفرق الرئيسي بين مقاربتي روسو ونيتشه هو أن نيتشه يوجه سهام نقده الجذري للنزعات الإنسانية والتاريخانية التي تصل إلى اكتمالها في فلسفة هيغل. أنه يعلن (نهاية الإنسان)، الذي سيتلوه (الإنسان الأعلى) أو (الإنسان الأخير): (الإنسان الأكثر دناءة والأكثر انحطاطا، إنسان القطيع الذي لا مثال له ولا طموح)، وهذا التصور للإنسان الطبيعي قابل للتوظيف السياسي في اتجاه القساوة والعنف، كما كان الحال في النازية(10).

وتكتمل هذه الموجة الثالثة في الفلسفة الوجودية التي يمثلها فكر هايدغر المتمحور حول تجربة (القلق الإنساني) من حيث هي تجربة أساسية على ضوئها يتم تفسير كل شيء في سياق (تحليلية للوجود) هي جوهر الموقف الفلسفي(11).

وغني عن البيان أن هذه القراءة لمسار التشكل الفلسفي للحداثة تطرح الكثير من الإشكالات(12)، بيد أن قيمتها تكمن في ما ينبني عليها من نتائج نظرية هامة في مقاربة ليو ستروس للحداثة.

2-النقد الإيديولوجي لليبرالية (مأزق النسبية):

لعل هذا الجانب من فكر ستروس هو الذي كرس شهرته الأخيرة إثر استناد (تيار المحافظين الجدد) الذي كان قريبا من مركز القرار في الولايات المتحدة لبعض أطروحات ستروس، المنتزعة في الغالب من سياقها النظري، أو المستخرجة من مراجع ونصوص ثانوية(13).

صحيح أن نقد شتراوس لنسبية الخير والشر وربطه للاستبداد بالرفض الحداثي للقيم الأخلاقية قد يقربانه من النغمة (الأخلاقوية) في خطاب المحافظين الجدد، إلاَّ أن النزعة القومية الاستعلائية في هذا الخطاب تبعده جوهريا عن مقاربة ستروس. ثم أن ستراوس ليس ناشطا سياسيا، فنزعته الأخلاقية ليست سياسية بل فكرية، وإنما تكمن في الخط الأفلاطوني، حيث السياسة لا تكون تحقيقا للمبادئ العليا، لان المبادئ العليا لا تقوم في هذه الدنيا، وإنما هي نشاط تأملي وتجربة فلسفية إشكالية دائمة(14).

ولنبادر بالتنبيه أن نقد نسبية الأخلاق يشكل الخيط الناظم لفكر شتراوس في تشخيصه النقدي للمذاهب الإيديولوجية الثلاثة للحداثة التي هي الوضعية والتاريخانية والعدمية.

أما الوضعية فتقوم على الإيمان بيقينية العلم التجريبي، وبأن المعرفة الممكنة الوحيدة هي التي يصل إليها العلم بمفهومه الحديث، أي ترتيب العلاقة بين الوقائع من خلال القوانين. وينطلق هذا التصور من فرضية التمييز بين الوقائع والقيم التي ركزها عالم الاجتماع (ماكس فيبر). فهذا التمييز يؤسس مقاربة (الحياد المعياري) بما تقوم عليه من وهم الموضوعية واعتقاد تجاوز الميتافيزيقا وتعويض الفلسفة بالقوانين العلمية. إنها تفضي إلى نمط من الشك الراديكالي ما دامت تنفي إمكانية معرفة طبيعة الأشياء وجوهر الأمور.ويربط ستروس بين النزعة الوضعية والإيدولوجيا الديمقراطية من حيث هي طموح للتحرر السياسي. فالوضعية ترفض الفلسفة السياسية الكلاسيكية لأنها غير علمية من حيث الشكل ومنافية للديمقراطية في المضمون. بيد أن هذه النزعة هي في الواقع ضحية وثوقها الدوغمائي، حتى لو كانت ريبية نقدية، غير واعية بأحكام القيمة الضمنية التي تتأسس عليها. فالعلم الاجتماعي الذي أراد أن يحتل مركز الفلسفة السياسية (يقر بل يعلن عجزه عن تقويم أي حكم قيمة مهما كان…فالعلم الاجتماعي الذي يدرس كل الإيديولوجيات هو نفسه حر من كل المسبقات الإيديولوجية. فبفضل هذه الحرية الاولمبية يمكنه أن يتجاوز أزمة زمننا. إن هذه الأزمة يمكن تماما أن تحطم شرط العلم الاجتماعي: ولا يمكن أن تؤثر على صلوحية اكتشافاته)(15). فالوضعية المقصودة تشمل في آن واحد الوضعية التجريبية كما بلورها باكون وديكارت والوضعية المنطقية كما تبلورت لدى هيوم والوضعية القانونية كما أرساها هوبز ووضعية العلوم الاجتماعية والسياسية.

والخلاصة التي ينتهي إليها ستروس من نقده للنزعة الوضعية هي أن العلم ليس محايدا ولا مستقلا، (فلا فكر في الموقع الفارغ)، بل إن العلم (تجربة روحية) تتداخل مع التجارب الروحية (بمعنى الثقافية) الأخرى، ولا سبيل للسكوت عن العلاقة الإشكالية المطروحة بين التقدم العلمي والتقدم الاجتماعي(16).

أما النزعة التاريخانية فقد ظهرت في القرن التاسع عشر، وتمثلت في قطيعة مع أي اعتقاد بإمكان معرفة الأزلي أو حتى الإحساس به. وهكذا يشكل نقد فكرة (الحق الطبيعي) حجر الزاوية فيها، باعتبار أنه لا توجد مبادئ ثابتة للعدالة، بل مقاربات متعددة للعدل والحقّ تخضع لمسار التحولات التاريخية. ولئن كان من غير السهل استقصاء الجذور البعيدة لهذه النزعة، إلاَّ أن ستروس يعتبر أن فكر روسو يحمل بذرة هذا الاتجاه بتدشينه الموقف النظري الذي يؤكد أن ما هو محدود في المكان والزمان أكثر قيمة من ما هو كلي. وهكذا يصبح ما كان يعتقد أنه أزلي وكوني مشتقا من الشيء المحدود في المكان والزمان.

وتقتضي الأطروحة التاريخانية الراديكالية أن كل معرفة -مهما كانت طبيعتها ومحدوديتها- تصدر عن إطار مرجعي محدد ورأي شامل يعين مجال المعنى والفهم. ومن هنا مشروعية وتساوي كل الآراء والأفكار، والاختيار بين أي منها لا يخضع لأي اختيار عقلاني حقيقي.

إن هذه النزعة تفضي إلى نسبية المواقف وتقضي على المرجعية القيمية للفعل السياسي وتقوض الأسس الموضوعية للقوانين التي تتحول إلى مجرد تواضعات ليس لها أي صلابة جوهرية أو طبيعية.

ويرى ستروس أن التاريخ لا يبرر أو يؤكد هذه المقاربة التاريخانية، بل يبين أن الفكر الإنساني -الفلسفي على الأخص- يهتم بنفس الموضوعات والإشكالات الأساسية، وبالتالي يوجد إطار ثابت غير متغير يبقى بعد أن تتغير كل المعارف الإنسانية، سواء تعلق الأمر بالوقائع أو المبادئ. فالفكر الإنساني قادر على تجاوز تحديداته التاريخية وعلى الوصول إلى ما يتجاوز ويخترق التاريخ. فالنزعة التاريخية كما ينظر إليها ستروس هي حصيلة أزمة الفلسفة السياسية التي تخلت في العصور الحديثة عن دورها السابق (كبحث إنساني عن النظام الأزلي)، وأصبحت منذ القرن السابع عشر سلاحا ثم أداة، فتحولت إلى إيديولوجيا سياسية لطبقة المثقفين التي خلفت الفلاسفة(17).

أما العدمية فهي الإيدولوجيا الجامعة بين النزعتين الوضعية والتاريخانية، إنها الموقف الذي يمنع أي تفكير ممكن حول الحق الطبيعي، بتحطيم التصورات الكلية والثوابت القيمية(18).

فهذه الإيدولوجيا العدمية هي التي جعلت الغرب (يفقد ثقته في مصيره) في مجتمع الوفرة الاستهلاكية والمساواة القانونية الشكلية. ففي الوقت الذي أدى انفصام الفلسفة عن العلم إلى انهيار الحكمة، أفضى التمييز بين الوقائع والقيم إلى ضياع الحدود بين الخير والشر والعدل والظلم والحقّ والخطأ. وليست النازية بكل قساوتها سوى لحظة تجسيد لهذه العدمية القائمة على النسبية القيمية والتعددية الثقافية: (عندما نسمع اليوم عبارة (العدمية الألمانية) يفكر أغلبنا بطبيعة الأمر في القومية/الاجتماعية. بيد أنه يجب علينا أن ندرك مباشرة أن القومية/الاجتماعية ليست سوى الشكل الأكثر شهرة من العدمية الألمانية -شكلها الأكثر خساسة وجمودا-… فهزيمة القومية-الاجتماعية لن يعني بالضرورة نهاية العدمية الألمانية)(19).

إن هذا النقد الجذري للعدمية الحديثة -بربطها بمسألة النسبية(20)- هو الذي يفسر موقف ستروس الداعي إلى العودة للفكر السياسي القديم في رصيده اللاهوتي والفلسفي المشترك.

3-الرجوع للفلسفة القديمة ولتقليد الحق الطبيعي

للخروج من مأزق النسبية العدمية، يدعو ستروس إلى الرجوع للحالة الفلسفية ما قبل الحديثة، ولتقليد الحق الطبيعي بمقوماته وجذوره اللاهوتية.

فالعودة للفلسفة الكلاسيكية لا معنى لها إلاَّ من منظور العلاقة النقدية بالعصور الحديثة. أي بعبارة أخرى: إن ما يريده ستروس هو تجاوز الراهن إلى الماضي، ليس من اجل الرجوع لنموذج سابق، وإنما للوصول إلى الحقائق الجوهرية الثابتة في الفلسفة السياسية التي لا تخضع للتحول التاريخي، على عكس ما تتوهم المقاربات التاريخانية والوضعية.

فالعودة للفلسفة السياسية القديمة هو بكل بساطة عودة للفلسفة السياسية ذاتها التي استبدلت في العصور الحديث بالفكر السياسي والعلوم الاجتماعية. فإذا كان الفكر السياسي هو مجرد عرض للآراء والمذاهب دون تمييز بين الرأي والمعرفة، فإن الفلسفة السياسية تهتم أساسا بالبحث عن الحقيقة.

كما أن الفلسفة السياسية تختلف عن اللاهوت السياسي الذي هو التعاليم السياسية المؤسسة على الوحي الإلهي، باعتبار كون مجالها محصور في ما هو متاح للعقل الإنساني. وإذا كانت الفلسفة الاجتماعية تنظر للمسألة السياسية في حدود الرباط الاجتماعي، فإن الفلسفة السياسية تنظر إليها في مستوى الدائرة الأكثر شمولية ومحورية.

إنها الفلسفة التي تتناول إشكالية (المدينة والإنسان) بالبحث عن القيم المدنية الثابتة الضامنة للعدل في المدينة والسعادة للإنسان. فالنظام السياسي الأمثل هو الأفضل كونيا وأزليا.

والميزة الكبرى للفلسفة السياسية الكلاسيكية هي كونها وثيقة الارتباط بالحياة السياسية تعالج مباشرة شكل النظام السياسي والموقف القيمي منه، في حين تحولت المسألة السياسية راهنا إلى مجرد مسألة منهجية لدى المختصين والخبراء. إنها الفلسفة التي تركز اهتمامها على البنية الداخلية للمجموعة السياسية ونمط تسييرها، مِمَّا يفضي بالفيلسوف إلى التحول إلى (معلم للمشرعين) باعتباره وحده القادر على ممارسة التفكير خارج حدود التواضعات والمصالح الظرفية.ومن هنا الطابع العملي في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، إذ الغرض المنشود ليس فهم الحياة السياسية وإنما البحث عن السلوك القويم. صحيح أن الموضوعات السياسية تتعلق بالتقويمات الأخلاقية التي لا يمكن الحسم فيها بالبرهان والدليل، ولذا تتجه إلى البشر الذين يعتبرون هذه الإشكالات محسومة سواء من منظور نوازعهم الطبيعية أو بفضل تربيتهم. فالتعاليم السياسية للفلاسفة الكلاسيكيين موجهة للبشر النزهاء الصادقين في عمومهم وليس للأذكياء أصحاب العقول البارعة. فالشأن السياسي من اختصاص رجل الدولة المتنور المرتبط بمسؤولية الشأن العام وليس من اختصاص المراقب المنقطع عن الحلبة السياسية(21).

ويرى ستروس أن اكتشاف القدماء وثيق الارتباط باهتمامات الحاضر، والغرض منه هو الفهم الأفضل للموضوعات السياسية في ذاتها التي لا تزال هي ثوابت الفعل السياسي، مِمَّا يعني الخروج من التصورات التقنية والاصطناعية للشأن السياسي. فالفلسفة اليونانية الكلاسيكية تحمل بهذا المعنى بعض الطرافة والجدة، وتساعدنا على حل أزمة الحداثة الراهنة.

تلك هي الخلفية التي يقرأ بها ستروس نصوص الفلاسفة السياسيين الكلاسيكيين بدءا بسقراط(22) وأفلاطون(23) وأرسطو(24) وانتهاء بالفارابي(25) وابن ميمون(26).

ولا يمكن الفصل بين هذه العودة للفلسفة الكلاسيكية وإعادة الاعتبار للحق الطبيعيnatural right مخرجا من أزمة الحداثة السياسية القائمة على النزعتين الوضعية والتاريخية.إن المقصود هنا هو تأسيس القوانين المسيرة للمدينة على مرجعية (الخير المشترك)، باعتبار أن القوانين لا يمكن أن تؤسس شرعيتها بذاتها.بيد أن الخير المشترك لا يمكن أن يكون تواضعيا، في حين أن القوانين تواضعية بالضرورة، فهي مجرد تأويلات للعدالة ولا تتماهى مع قيمة العدل في ذاتها.

ومن ثم فإن السياسة -من حيث هي فن وضع القوانين العادلة- تتجاوز الإطار التشريعي الضيق، وتقوم على تصور غائي أخلاقي شامل، أي ما عبر عنه ستروس بعبارة (الوعي بالكلي). إلاَّ أن الكلي ممتنع على التجربة الإنسانية المحدودة، وكل إدراك له هو بالضرورة مجرد رأي، وان كان الأفق المعياري الضروري للفعل السياسي، ما دام السياسي مسؤولا عن (تحديد ما هو عادل)(27). فهذا الانشداد نحو الغائية المعيارية المطلقة للفعل السياسي هو ترجمة (الانزياح بين أثينا وأورشليم)، أي بين المجتمع الذي تحكمه القوانين والمجتمع الذي تحكمه الأخلاق المثالية الفاضلة. مع أن ستروس يدعو بوضوح إلى العودة إلى (الحضارة الغربية في كامل طابعها ما قبل الحديث) أي الجذرين اللاهوتي والفلسفي، إلاَّ انه يدرك أن هذين المكونين لا يتماثلان من حيث الخطاب والمنهج. فما يوحدهما هو التناقض مع قيم الحداثة ومقولاتها، كما أنهما يتفقان في أهمية الأخلاق وفي مضامينها واعتقاد حاجتها إلى المرجعية القصوى. أما ما يفرقهما فيتعلق بأسس الأخلاق وما به يكون قوامها.

فإن كانت الفلسفة والتوراة تتفقان في مشكل القانون الإلهي الضامن للعدالة، فإنهما تسلكان طريقين متعارضتين. فالفلسفة -من حيث هي بحث عن المعرفة المتعلقة بالكل- تعتبر دوما الأسئلة أهم من الأجوبة، فكل الحلول قابلة للرفض والتساؤل. بيد أن نمط الحياة العادل لا يمكن أن يقام إلاَّ إذا عرفنا طبيعة الإنسان، في حين أن طبيعة الإنسان لا يمكن إدراكها إلاَّ في ضوء فهم مسبق للكلي. ومن هنا فان الفلسفة بالمعنى الكامل للعبارة لا تتلاءم مع نمط الحياة التوراتي. فالفلسفة والتوراة (قوتان متعارضتان في مأساة الروح الإنسانية). كلاهما تدعي معرفة وتحديد الحقيقة الحاسمة ذات الصلة بصيغة الحياة العادلة. بيد انه لا يمكن أن توجد إلاَّ حقيقة واحدة، ومن ثم كان الصدام حتمي بين هاتين المقاربتين. حاولت كلاهما عبر التاريخ دحض الأخرى، وما زال الصدام قائما(28).

وإذا كان ستروس قد مال في كتابات الشباب إلى الصهيونية السياسية، إلاَّ أنه رفض الخلفيات اللاهوتية للصهيونية الدينية وإن كان اعتبر أن نقد سبينوزا للاهوت اليهودي من منطلق تنويري ليبرالي لم يحل المسألة اللاهوتية – السياسية ولم يقض على النزعة الارثدوكسية(29).

ومن الواضح أن ستروس -في معالجته للعلاقة بين الفلسفة والدين- ظل وفيا لمشروع الفارابي وامتداداته لدى ابن ميمون (في مقابل سبينوزا). إنه يرفض بشدة التأليفات المتسرعة والمفتعلة بين السجلين أو النصين. وفي بعض نصوصه يبدو ستروس أقرب للدين بالنظر للعلاقة الحميمة بين الإيمان والقانون (في اليهودية والإسلام). فالقانون هو في آن واحد كلي وديني، وذلك ما يمنحه الصلابة والثبات وخضوع البشر طواعية في مقابل القوانين الوضعية المصطنعة(30). إلاَّ أن ستروس اعتبر أن التنازع بين الدين والفلسفة، بين العقل والوحي، هو القوة الدافعة للتفلسف والمعين الإشكالي الضروري للفكر، ولذا وجب الحفاظ على تلك الجدلية الخصبة دون توفيق أو نفي.

ولذا نجد من غير الدقيق اتهام ستروس بالنزعة الماضوية الراديكالية، مِمَّا يشكل (نضالا في الاتجاه المعاكس لمصيرنا التاريخي)(31). فليو ستروس فيلسوف حديث على طريقته ونلمس لديه وعيا حادا وصريحا بانحسار (الوعي الطبيعي)، ومرارة القطيعة مع التقليد الفلسفي واللاهوتي الذي لم يتوهم إمكانية إحيائه والرجوع الميكانيكي له.

فما أراده بدعوته للرجوع للحالة ما قبل الحديثة هو البحث في التراث عن قيم ثابتة أزلية (الحقيقة والعدالة)، مع الوعي الواضح بأن هذا البحث يبقى إشكاليا، يولد من الأسئلة أكثر من ما يقدم من الأجوبة الجاهزة(32).

**************************

الحواشي

*) باحث وأكاديمي من موريتانيا.

1G.Deleuze et F.Guattari, qu’ est ce que la philosophie? minuit 1991, p 8.

2 M.Foucault, “critique et aufklarung” Bulletin de la société française de philosophie. N2 avril-juin 1990, p 35-63.

3- راجع الفصلين الثاني والثالث في كتاب (هابرماس).

Le discours philosophique de la modernité Gallimard 1988, p 26-101.

4- راجع حول آخر تجليات وآثار هذا الحوار الفلسفي الذي تمحور في الجدل بين الفيلسوفين الأمريكي رورتي والألماني هابرماس.

La modernité en question sous la direction de F.Gaillard, j.Poulain, R.Shusterman cerf 1998.

5- نشير في هذا الباب إلى أعمال فتحي التريكي ومحمد سبيلا عبد السلام بن عبد العالي وفتحي المسكيني ومحمد الشيخ وعلي حرب ومطاع صفدي.

6- ذهب إلى هذا الرأي رمي براغ وستانلي روزن ولورانس لمبيرت راجع عرضا وافيا عن هذه المقاربة في:

D.Tanguay, “strauss, disciple de Nietzsche; a propos d une hypothèse récente sur le sens cache de l œuvre de leo strauss” ETUDES PHILOSOPHIQUES janvier – mars 2000, p 105-132.

7 L.Strauss, “les trois vagues de la modernité” in La philosophie politique et l histoire librairie générale française biblio essai 2008, p 211-235.

8- نجد تفصيل قراءة شتراوس لهوبز في كتابه الهام:

The political philosophy of Hobbes its basis and genesis The university of Chicago press 1996.

راجع أيضا:

L.Strauss, “sur les fondements de la philosophie politique de hobbes” in qu est- ce que la philosophie politique? puf 1992, p 165-189.

9 L,Strauss, “la crise du droit naturel: Rousseau” in La philosophie politique et l histoire, p 237-294.

10 L.Lampert, Leo Strauss and Nietzsche The university of Chicago press 1996.

Chap 2: how leo strauss read Nietzsche s beyond good and evil, p 25-116.

11 L.Strauss, “une introduction a l’existentialisme de Heidegger” in La renaissance du rationalisme politique classique Gallimard 1993, p 93-122.

12- راجع مثلا نقد ليك فري لقراءة شتراوس لروسو وللمثالية الألمانية في:

“les limites de la critique straussienne de la modernité” in L.Ferry, philosophie politique tome 1.

Le droit, la nouvelle querelle des anciens et des modernes Puf 1986, p 79-105.

13- راجع كمثال على الكتابات التي تربط ببعض التسرع والسطحية بين النزعة الثورية الراديكالية لدى المحافظين الجدد ونقد شتراوس للنسبية والتعددية الثقافية:

Anne Norton, Leo Strauss l’empire americain Denoel 2006.

14 Carole Widmaeir, “Leo Strauss est-il néoconservateur? l’épreuve des textes” ESPRIT nov 2000, p 23-39.

15L.Strauss, la cité et Lhomme Agora 1987, p 14.

16 L.Strauss, la renaissance du rationalisme politique classique (chap 2: relativisme) , p 82-88.

17 L.Strauss, “la nature et les contradictions de l historicisme” in la philosophie politique et l histoire, p105-138.

18- راجع حول علاقة العدمية بنظرية الحق الطبيعي:

Olivier Sedyn, nihilisme et politique de Leo Strauss payot 2001.

19L.Strauss, nihilisme et politique payot-rivages 2001, p33-34.

20- قارن بمقالة جيفري باراش في الموضوع الذي يربط نقد شتراوس للنسبية بقراءته لكارل شميت:

Jeffry A.Barash, “Leo Strauss et la question du relativisme”CITES 2001-4 N8, p 153-176.

21 L.Strauss, qu est-ce que la philosophie politique? p 15-58. L.Strauss, “de la philosophie politique” inLa renaissance du rationalisme politique classique, p 125-145.

22 L.Strauss, “le problème de socrate” in La renaissance du rationalisme politique classique Gallimard 1993, p205-321.

23Strauss, “sur la république de platon” in la cité et Lhomme, p 69-77.

24Strauss, “sur la politique d Aristote” in la cité et Lhomme, p 23-68.

25 Strauss, “comment Farabi a lu les lois du Platon” in qu est-ce que la philosophie? p 131-150.

26 Strauss, “le propos de Maimonide sur la science politique” In qu et-ce que la philosophie politique? p151-164.

27 L.Strauss, natural right and history The university of Chicago press 1965 (chap 4: classic natural right) , p 120-164.

28 L.Strauss, “the mutual influence of theology and philosophy” in Faith and political philosophy. The correspondence between Leo strauss and Eric Voegelin 1934-1964. The curators of the university of Missouri 2004, p 217-224.

Daniel Tanguay،“the conflict between Jerusalem and Athens” In Leo Strauss, An intellectual biography Yale university press 2007, p 114-192.

29 L.Strauss, The early writings (1921-1932) translated and edited by Michael Zank State university of New York 2002. L.Strauss, Essays and lectures in modern jewish thought Edited by Kenneth H. Green State university of New York press 1997.

راجع مقدمة المحرر ص1-177. حول سبينوزا راجع كتابه:

Spinoza s critique of religion. The university of Chicago press 1997 (part two) , p101-192.

Eugene R.Sheppard, leo strauss and the politics of exile. Brandeis university press 2006, p9-16.

30 Gerard Sfez, Leo Strauss, foi et raison Editions Beauchesme 2007, p 80-82.

Corine Pelluchon, Leo Strauss: une autre raison, d autres lumières. Essai sur la crise de la rationalité contemporaine vrin 2005.

31 Simone Goyard – Fabre: Les embarras philosophiques du droit naturel Vrin 2002, p45.

32- قارن بـ:

Carole Widmaeir, “Leo Strauss: sens historique et pensee de la tradition” ESPRIT nov 2002, p 32-48.

**********

عن موقع مجلة التسامح

10 شتنبر 2013