دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان وسائل الإعلام والصحافيين المغاربة إلى «الامتناع عن نشر أي خطاب يحثّ على عدم التسامح والعنف والحقد وكراهية الأجانب والعنصرية ومعاداة السامية والتمييز إزاء الأجانب».

العرب ..خيرالله خيرالله [نُشر في 11/09/2013، العدد: 9317،

اختار المغرب المقاربة الشاملة، ذات الطابع الإنساني المستندة إلى القانون الدولي بمبادئه المعروفة، من أجل التعاطي مع موضوع خطير مطروح بشكل يومي على المستوى العالمي. إنّه موضوع الهجرة والمهاجرين وهو يعني المغرب من منطلق أنّه «كان دائما أرضا للهجرة استقبالا وعبورا»، كما ذكّر بذلك الملك محمّد السادس.

لا يختلف اثنان على أهمية الموضوع الذي يعني مئات آلاف البشر، بل الملايين منهم، كما يعني المغرب. لذلك، وضع «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» تقريرا طويلا عن «الأجانب وحقوق الإنسان في المغرب: من أجل سياسة جديدة في مجال اللجوء والهجرة».

وما لبث العاهل المغربي أن اطلع على التقرير معطيا إشارة الانطلاق لمباشرة اعتماد سياسة جديدة تليق بالإنسان المغربي، وتليق أيضا بالذين يأتون إلى المغرب كلاجئين معدومي الحال أحيانا، أو كعمّال مهرة أو كمتقاعدين من هذا البلد الأوروبي أو ذاك.

وفر الملك محمد السادس الإطار العام الذي يفترض أن يحدد أي سياسة جديدة تخص الهجرة والمهاجرين «مؤكّدا اقتناع جلالته الراسخ بأنّه يجب التعاطي مع إشكالية المهاجرين والوافدين على المغرب، وهي إشكالية موضع انشغالات مشروعة، كما هي أحيانا موضوع نقاش وجدال واسعين، بطريقة إنسانية وشاملة مع الالتزام بمقتضيات القانون الدولي ووفق مقاربة متجددة متعددة الأطراف».

من يقرأ بتمعّن التقرير الصادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان وما صدر عن الملك محمّد السادس بعد اطلاعه عليه يُفاجأ أوّل ما يُفاجأ بأن الاصلاحات في المغرب لم تعد تقتصر على الداخل. ما يُفاجئ في التقرير أن الإصلاحات، التي باشر العاهل المغربي تطبيقها والتي توّجت بدستور جديد وانتخابات عامة على أساس هذا الدستور ثمّ تشكيل حكومة برئاسة زعيم الحزب الذي لديه أكبر عدد من المقاعد في مجلس النوّاب الجديد، تستهدف أيضا حماية كلّ مقيم على أرض المغرب.. حتى من كان في وضع غير قانوني. من هذا المنطلق، جاء في بيان صادر عن الديوان الملكي أن التقرير «أبرز الرصيد العريق لبلادنا كأرض لاستقبال المهاجرين بفعل العلاقات التاريخية التي تجمع المغرب بالبلدان الأفريقية جنوب الصحراء، كما تناول الإطار القانوني والدولي الذي ينظّم إقامة الاجانب في المغرب، لاسيما منه دستور المملكة الذي يضمن مبدأ عدم التمييز وحقّ اللجوء والمساواة في الحقوق بين المواطنين المغاربة والأجانب». نعم، إن التقرير يتحدّث عن «حق اللجوء» و»المساواة في الحقوق بين المواطنين المغاربة والأجانب».

مثل هذا الكلام عن احترام حقوق المقيمين على الأرض المغربية ليس غريبا، خصوصا إذا وضعناه في سياق الإصلاحات التي تشهدها المملكة، وهي إصلاحات تجعلها تعتمد الشفافية في كلّ المجالات. فالتقرير يقول صراحة للمغاربة ما هي المشاكل التي يعاني منها بلدهم في مجال الهجرة والمهاجرين. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، جاء في التقرير: «لا يمكن للمغرب، كبلد ينتمي إلى القارة الأفريقية التي تواجه تحدّيات التنمية وتعيش بانتظام على وقع أزمات سياسية ونزاعات مسلّحة، أن يظلّ بعيدا عن عواقب هذا الوضع المضطرب والمرشح للاستمرار». إضافة إلى ذلك، ورد في التقرير «إن المغرب يعاني، بما لا يدع مجالا للشكّ من آثار السياسة الصارمة التي تعتمدها أوروبا لمراقبة حدودها الخارجية». في النهاية، لا مجال للهرب من الواقع الجغرافي. إن المغرب جسر بين أوروبا وأفريقيا. وهذا ما جعله يدخل «خانة الدول المعنية بعولمة التنقلات البشرية». فالمغرب «أضحى ملتقى لديناميات متنوعة للهجرة، ما يجعل المملكة تتحول بشكل تدريجي لا رجعة فيه إلى بلد متعدد الأجناس». لم يترك التقرير جانبا من الجوانب المتعلقة بالهجرة والمهاجرين إلا وعالجه بلغة جديدة تتناسب والتطورات التي يمرّ فيها العالم. غلب الجانب الإنساني على المعالجة، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بحماية المهاجر غير الشرعي من العنف و»ضمان احترام مبدأ عدم الترحيل بصفة كونه حجر الزاوية في القانون المتعلّق باللاجئين كما تنصّ على ذلك المادة 33 من اتفاق جنيف للسنة 1951».

ذهب التقرير إلى أبعد من ذلك. تطرّق إلى مكافحة الاتجار بالأشخاص ودعا إلى «منح الأجانب المقيمين في المغرب إمكان المشاركة في الانتخابات المحلية، إما بمقتضى القانون أو تطبيقا لاتفاقات دولية أو ممارسات المعاملة بالمثل» وفقا لما ورد في الدستور المغربي. كذلك دعا إلى إعطاء العمّال المهاجرين حقوقا نقابية بما في ذلك «ولوج المناصب الإدارية ومواقع التسيير في النقابات التي ينضوون تحت لوائها».

لاشك أن تطبيق هذه التوصيات ليس ممكنا من دون حملة توعية في الداخل الغربي. ولذلك، دعا ذلك المجلس الوطني لحقوق الإنسان وسائل الإعلام والصحافيين المغاربة إلى الامتناع عن ممارسات معينة من بينها «الامتناع عن نشر أي خطاب يحثّ على عدم التسامح والعنف والحقد وكراهية الأجانب والعنصرية ومعاداة السامية والتمييز إزاء الأجانب».

ما يطرحه المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب يتلاءم مع طموحات المملكة التي استطاعت بالفعل أن تكون استثناء عربيا وأفريقيا، وأن تعدّ نفسها لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين من دون عقد.

كلّ ما في الأمر أن هناك قرارا بالانتماء إلى العصر وليس العيش على هامشه. والواضح أن التقرير ذا المواضيع المتعددة الذي وضعه المجلس الوطني لحقوق الإنسان جزء لا يتجزأ من هذا القرار الجريء الذي لا يتخذه إلا أولئك الحكام الذين ينظرون إلى المستقبل البعيد ويرفضون البقاء في أسر الماضي.

إن السؤال المطروح في نهاية المطاف؛ هل المغرب جزء من هذا العالم الذي دخل الثورة التكنولوجية، أم أنه في موقع المتفرّجين الذين يجلسون في أماكنهم لا يدرون ماذا يفعلون، كما حال بعض العرب والأفارقة عموما؟

اعلامي لبناني

***********

عن موقع جريدة العرب

11 شتنبر 2013