الثقافة العربية في عالم متغير

في محاولة للالتفاف حول الأسباب والعوامل التي شكلت خلفية أحداث 11 سبتمبر 2001 طرحت في الولايات المتحدة المسألة كالتالي: إن التناقض الرئيسي في العالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي وتحقيق الانتصار النهائي لليبرالية الغربية انتقل وتموضع في إطار عالمي جديد للصراع،

يتمثل في تنافس وصراع الحضارات وفقا لصموئيل هنتنجتون وغيره من ايديولوجيي الليبرالية الجديدة، ومع أن هنتنجتون حدد (8) نماذج حضارية مرشحة للتنافس والصراع، غير أنه اعتبر أن شكل تجلي هذا التناقض الرئيسي في هذه المرحلة التاريخية يتحدد بين الحضارة الغربية وما تمثله من خيارات ومنجزات وقيم، وبين الحضارة الإسلامية التي تمثل النقيض. ومع أن هذا الطرح الايديولوجي الفاقع يدحض أطروحات غربية أخرى (فوكوياما) ترى بأن نهاية التاريخ قد اكتملت بالانتصار النهائي للرأسمالية على المستوى العالمي رغم الإقرار بوجود أنماط هامشية ما قبل الرأسمالية في بعض البقاع الثانوية والمعزولة، وهذا الانتصار أنهى وجود الايديولوجيا بوجه عام لصالح الليبرالية والبراجماتية (النفعية) الاقتصادية. هذا البعد الايديولوجي والاستقطاب العقائدي المشبع بالعدوانية وغطرسة القوة والهيمنة لم ينتف أو يضعف على الإطلاق في الخطاب الأمريكي بل تصاعد مع العولمة التي يطلق عليها الأمركة من قبل نقاد ومناهضي العولمة وسيطرتها المطلقة على مقدرات الشعوب والمجتمعات قاطبة. وقد اتخذ هذا الخطاب الايديولوجي أبعادا خطيرة بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية لاقترانه بتنفيذ سياسة هجومية ذات أبعاد عسكرية وأمنية وسياسية وثقافية اختزلت هذه الايديولوجيا في مقولات ايديولوجية صارخة ومباشرة مثل «زلة» اللسان التي تفوه بها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن حول الحرب الصليبية.. أو تساؤله لماذا يكرهوننا؟ ويجيب لأنهم يكرهون حريتنا وثراءنا وقيمنا. وأخذت الإدارة الأمريكية في عهده تقسم العالم إلى أبيض أو أسود وأن «من ليس مع الولايات المتحدة ضد الإرهاب فهو ضدها» وأن المعركة هي بين الأخيار (الولايات المتحدة والغرب) والأشرار (الإرهابيين أو العرب والمسلمين) ومع أن الغرب والإدارة الأمريكية وخصوصا في عهد الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، حاولت التفريق بين الإرهاب من جهة، والإسلام والمسلمين والعرب من جهة أخرى ودعت إلى احترام وحماية العرب والمسلمين المهاجرين غير أن مجمل التشريعات والقوانين الجديدة لمكافحة الإرهاب كانت موجهة في المقام الأول ضد العرب والمسلمين ومنظماتهم وتجمعاتهم داخل الولايات المتحدة وخارجها، ولا ننسى الدور الذي مارسته تجمعات ومراكز التوجيه والتأثير الإعلامي والاقتصادي والسياسي الواقعة تحت تأثير المحافظين والمسيحيين الجدد واللوبيات اليهودية والصهيونية في استغلال أحداث 11 سبتمبر ورسم صورة نمطية سوداء عن العرب والمسلمين «المتعطشين للدماء والمعادين للحضارة الغربية وقيمها» وتحميلهم وزر كل ما يعتمل ويمور في مجتمعات الغرب من تناقضات وأزمات مثل تفاقم البطالة والفقر وتدني مستوى الأجور وتفشي العنف وانتشار المخدرات والجريمة المنظمة. وفي المقابل فإن قوى التطرف الإسلامي والأصولية الإسلامية المتشددة التي تحتل صدارة المشهد العالمي لما تقوم به من ممارسات وتصرفات تتسم بالعنف والإرهاب أسهمت بقسطها في تظهير هذه الصورة القبيحة عن العرب والمسلمين، وهي تشكل الوجه الآخر للعملة ذاتها.

شهدت المنطقة العربية ومنذ أواخر عام 2010 وحتى وقتنا الحاضر حراكا شعبيا غير مسبوق في تاريخها القديم والجديد في الآن معا، مع عدم إغفال الطابع المعقد والمتناقض والمتعرج للتغيرات الناجمة، واللافت أن دور الثقافة والمثقفين العرب في تلك التغييرات كان باهتا ومحدود الأثر مقارنة بالحراك الشعبي الواسع وخصوصا تصدر فئة الشباب المستقل كفاعل وصانع رئيس لتلك المتغيرات، الأمر الذي يتطلب بلورة خطاب ثقافي عربي جديد في مواجهة الأخطار والتحديات المصيرية التي تواجهها الشعوب والمجتمعات العربية من جراء تفاقم التدخلات الخارجية، وتصاعد مخاطر الانقسام والفرقة واندلاع الصراعات والحروب الأهلية والدينية والطائفية والعرقية والمناطقية. لدى تناولنا للخطاب الثقافي والمسألة الثقافية العربية بمكوناتها وعناصرها ومسارها لا بد من الإشارة إلى خاصيتين متلازمتين لأية ثقافة وهما:

أولا: الاستقلالية النسبية للثقافة الأفكار والمعرفة، ومع أن المجال الثقافي يدرج في العادة ضمن البناء الفوقي الذي يشمل الدولة والقانون والحقوق والأخلاق… إلخ.. غير أن تموضعه الخاص يتجاوز علاقات الاستتباع الميكانيكي «الانعكاسي» للبناء التحتي بعلاقاته الاقتصادية/ الاجتماعية مما يعطي للثقافة بعدها الخاص المؤثر والمميز ضمن التشكيل والنسق القائم..

ثانيا: تاريخية الثقافة أو البعد التاريخي للثقافة العربية بمكوناتها وعناصرها ومسار تطورها مرتبطة إلى حد بعيد بالمسار والنسق الاجتماعي العربي العام، إذ لا ثقافة خارج المجتمع في تحولاته وتبدلاته البنيوية بفضل العوامل الداخلية «الخاصة» والخارجية «العامة» الموضوعية. وضمن هذه العلاقة الجدلية المترابطة والمتبادلة يتحدد موقع ودور البنية الثقافية خصوصا في مرحلة الانعطافات والانقطاعات الحادة… نحن بأمس الحاجة إلى مساءلة الخطاب الثقافي العربي بأسئلته وتساؤلاته القديمة/ الجديدة وتحديد جذور أزمته وهو ما يقودنا بالضرورة إلى الكشف عن جوهر الأزمة البنيوية العميقة للدولة العربية والواقع العربي بمستوياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والذي أفرز ثقافته وفكره المأزوم فهنالك تداخل بين أزمة الثقافة وثقافة الأزمة

*******

عن موقع صحيفة التجديد العربي

12 شتنبر 2013