في ذكرى رحيل المفكر محمد اركون

محمد أركون لا يزال قادما من المستقبل

لحسن العسبي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 15 شتنبر 2013


كم سيمر من زمن، كي يضوع فكره عموميا، مثلما ينتشر العطر الطيب في المدى؟. لأن الحاجة إليه عميقة في يومي العربي والمغاربي، اليوم أكثر من البارحة، بسبب الفوضى الضاجة في منطق التحليل غير الملموس للواقع الملموس. فمحمد أركون، يكاد يشكل مدرسة فكرية قائمة الذات، نحتث بهدوء وروية الفقهاء العلماء، منهجا للتحليل ومعنى للوقائع وتفسيرا للأفكار، من داخل السؤال الديني، لم يسبقه إليه أحد على امتداد القرن العشرين كله في دنيا العرب. وقوة أطروحته ليست فقط أنها من داخل السؤال الديني، بل من أنها لم تكن قط في خصومة معه. أي أنها لم تسعى (لغايات إيديولوجية كما سجل في أطروحات مشرقية سابقة عليه بسنوات) إلى هدم الدين، بل سعى إلى بنينته وتفسيره وتحليل منطقه ضمن صيرورة هائلة للتاريخ وللفعل البشري ولمعنى الحياة، ككيمياء جد معقدة من خلال تجليها في الكائن الحي العاقل، المفكر، القلق، المنتج للمعاني، الشغوف بالتآويل، الذي اسمه الإنسان.
من هنا، كونية أطروحاته العميقة، التي كم نحتاجها اليوم، قراءة ورؤية تحليلية، وأداة تربوية عمومية في مدارسنا الثانوية وجامعاتنا ومعاهدنا، ضمن منطق تطارح الرؤى والأفكار، التي عادة ما تميز كل جسد مجتمعي حي، فاعل ومخصب. وهي أطروحات لا تدعونا بالضرورة إلى التطابق، بل تدعونا إلى مكرمة الإختلاف، وحسن تدبيره، بغاية مركزية هي تكامل المعارف العالمة الجدية، لإنضاج مشروع معرفي عربي إسلامي جديد. وفي ذكرى رحيله، هو الذي اختار بقرار، أن يعانق الأبد في تراب المغرب، بمقبرة الشهداء بالدارالبيضاء، بعد أن وافته المنية بباريس، يعود إلينا مثقلا بشغف الديمومة، تلك التي توهب للأفكار الناضجة، الرصينة، النيرة. وما هو مؤكد، أن غربة العالم ليست أبدية في دنيا المعرفة، وأن الفكرة التي تكون جدورها عميقة في تربة الحقيقة والعلم، تظل مزهرة تطرح غلاتها مع كل إطلالة شمس في دنيا الحياة. وكم يعبر الحاقدون، ويعبر قصارى النظر، ويعبر الجلادون (ضمنهم أيضا جلادو الفكر)، وتبقى الأفكار الرصينة مزهرة عالية، علامة طريق.
إن محمد أركون، الآخر، الذي نلتقيه اليوم عبر أطروحاته وكتبه، والذي نخصص له هذا العدد من الملحق الثقافي، يقدم لنا درسا في معنى التصالح مع حقيقتنا التاريخية، مع حقيقتنا الكينونية، مع حقيقتنا المعرفية، من خلال الرؤية للدين كمعطى تربوي سلوكي معرفي، أسس لرؤية العربي في الحضارة، تماما مثلما أسست رؤى دينية أخرى لمنطق حياة في تجمعات بشرية أخرى عبر التاريخ. وقد يمر زمن طويل قبل أن يعود جدول العقل لنهر الحياة في دنيا المعرفة بعالمنا العربي، العقل الذي ينتصر للتحليل المخصب للفهم. ولن يتحقق ذلك، بدون تحقق تراكم في معنى التنمية، ومعنى المدنية الحديثة، ومعنى الحداثة التي تعني ليس الإنسلاخ (لم يدعو أركون قط إلى ذلك) بل التصالح مع بنية معرفية كاملة وتحويلها إلى رؤية كونية في التحول الإيجابي المعلي من قيمة الإنسان كإنسان، من الحرية، من مسؤولية الإختيار، من الحق فيه.
محمد أركون، لا يزال مستقبله العلمي الفقيه الرصين أمامه.. لا يزال صوتا قادما من المستقبل أكيد.. ونضع اليوم وردا مغربيا على قبره بمقبرة الشهداء، حيث يرقد غير بعيد بغير ثلاثة أمتار عن قبر محمد عابد الجابري، وجنب قبر الروائي إدريس الشرايبي، وعلى مسافة قليلة جدا من قبر الباحث الإقتصادي المغربي عزيز بلال. وإلى جوارهما تماما قبر أسطورة لعبة كرة القدم المغربية العربي بنمبارك.. هي حياة أخرى هناك.

9/13/2013

عدد