الطريق المستقيم والأمة الوسط في القرآن الكريم: المفهوم والتجربة التاريخية
رضوان السيد(*

أالمفاهيم: ظلّت ثلاثة مفردات تُعبّر عن النهج والمنهج هي الأكثر وروداً في القرآن الكريم: السبيل والطريق والصراط. أمّا بالنسبة للمفرد الأول -أي السبيل وهو الأكثر وروداً بإطلاق- فهناك: سبيل الله، وسَواء السبيل. وهذان التعبيران يردان بنسبة 90%، والمخالف أو المُناقض هو السُبُل أو السبيل المقترن بوصْفٍ سبيلي مثل سبيل المجرمين (الأنعام: 55) أو سبيل الذين لا يعلمون (يونس:89). أمّا النهج السليم -إلى جانب سبيل الله أو سواء السبيل- فقد يكون (السبيل) بلام العهد (الزخرف:37) أو قَصْد السبيل (النحل: 9). أمّا مفرد (الصراط) فيرد دائماً تقريباً بمعنى سبيل الله أو سواء السبيل؛ ولذلك فإنّ المفسِّرين ذهبوا إلى أن (الصراط) خاصٌّ بسبيل النجاة أو طريق الجنة والنعيم. ويحتمل (الطريق) الأمرين، أمر الهلاك وأمر النجاة؛ ولذلك يقترن الإيجابي منه بالمستقيم أو يجري التعبير عنه بالطريقة: ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غَدَقا﴾(الجن: 16) – فإذا جرى الابتعادُ عن الطريق والطريقة يقال: طرائق أو ﴿طرائق قِددا﴾ (الجن:11). وهناك وصفٌ فريدٌ للطريقة هو الطريقةُ المُثْلى (طه:63). وبذلك يمكن إيجاز مسألة المنهج السليم في القرآن بالسبيل والطريقة والصراط. مع ما يمكن أن يلتحق بها من أَوصافٍ إيجابيةٍ غالباً مثل الطريق المستقيم، وسبيل الله، وسواء السبيل، والصراط المستقيم.

إنّ هذا النهج -بمفرداته الثلاثة الرئيسية- يزداد تحدُّداً وعمليةً عندما تذكرهُ سورةُ النساء (آية: 115) بوصفه (سبيل المؤمنين)؛ فهو نهج للأمة المتكوِّنة من أجل السَيْر فيه وعليه. والأمةُ السائرةُ عليه هي (الأمة الوسَط): ﴿وكذلك جعلْناكم أمةً وسَطاً لتكونوا شُهداءَ على الناس، ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدا﴾(البقرة: 143). ولأنّ السِياق الذي ذُكر فيه هذا التعبير المُعْجِز، تعبير الأمة الوسَط، هو سياقُ تحديد توجُّه أمة المؤمنين بل المسلمين إلى الكعبة ومكّة؛ فإننا نفهمُ أنّ هذه الاستقامة هي استقامةٌ تُجاه سائر الاُمَم والديانات، وليست خاصّةً مَثَلاً بالنزاع مع المشركين الذين كانوا يُصارعون الأمةَ الطالعة. فالآية 144 من سورة البقرة -بعد آية الأمة الوسط- يَرِدُ فيها قولُهُ -تعالى-: ﴿قد نرى تقلُّب وجْهِكَ في السماء فلنولينَّك قِبلةً ترضاها، فَوَلِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولُّوا وجوهَكم شطْره﴾. وتُختتمُ الآيةُ الخطيرةُ هذه بالقول: ﴿وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحقُّ من ربِّهم، وما اللهُ بغافلٍ عمّا يعلمون﴾. ولكي لا يحسبَ أحدٌ أنّ المطلوبَ مُواجهةُ سائر الآخرين أو إلْغاءَهُم تأتي الآية رقم 47 من سورة البقرة لتوضّح أنّ هذا هو منهجُ الخير من وجهة نظر الأمة الطالعة، والمطلوب ليس الصراع، بل التباري في صُنْع الخير للنفس وللعالم: ﴿ولكلٍ وجهةٌ هو مُوَلّيها، فاستبِقوا الخيرات أين ما تكونوا يأْتِ بكُمُ الله جميعاً، إنّ الله على كلّ شيء قدير﴾. فالله سبحانه هو الربُّ والخالق، والبشر جميعاً عبيدُهُ، وتجاربهُم في العبادة وإعمار الأرض (= الاستباق في الخيرات) هي تحت نظره U وعنايته. وقد اختار ـ جلَّ وعلا ـ لأمة محمدٍ هذا النهج، ليسيروا به في أنفُسهم وفي الآفاق، فيشهد لتجربتهم وعليها سائر الناس، ومن بينهم الرسولُ الداعية. فقد تحدَّد السبيل، وتحددت الطريقة، وصار الأَمْرُ أَمْر إخلاصهم وعملهم أفراداً وأمةً، وهم مسؤولون أمام الله والرسول والمؤمنين: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوُلُه والمؤمنون﴾، كما أنهم مسؤولون أمام الآخرين: ﴿لئلا يكونَ للناس علكيم حُجّة﴾(البقرة: 149). فالمسؤولية أمام الله والرسول والمؤمنين تحدّد طرائق العمل داخل النهج، والمسؤولية أمام (الناس) في الهداية وإيصال الخير والرفاه والسلام للبشرية.

نحن إذن أمام عدة مفاهيم أساسية أو تأسيسية: السبيل وسواء السبيل، والطريق والطريقة، والصراط، وهي مسالك اعتقادية وعملية للأمة، التي يسمِّيها القرآنُ أُمّةً وسَطاً. وهي وسطٌ ليس بمعنى التوسُّط بين طرفين متناقضين، كما هو شأنُ القيم الأرسطية؛ بل بمعنى المُغايرة لهذا النهج أو ذاك أو للطرائق القِدد (= التشرذُمات) التي صارت ديدن البشرية وداءَها عشيةَ ظهور الإسلام. وبخلاف الأُمَم والديانات الأُخرى الكتابي منها وغير الكتابي؛ فإنّ النهج الجديدَ يشكّل تصحيحاً بل ويطمحُ للتوحيد – وذلك لأنه يقول بعالمية الدين، ويقول للمؤمنين به إنّ المسؤولية تقعُ على عواتقهم بشأن نشر الرسالة وخيراتها، وتُشهِدُ عليهم -أي على جدارتهم في حمل الأمانة الكبرى هذه- الله سبحانه ورسولَه، والناسَ أيضاً: أي عليكم إقناع الآخرين بأعمالكم بأنّ هذه الرسالةَ خيرٌ لهم، وعلى مستويين؛ مستوى المُنافسة إن بقوا على طرائقهم الأُولى، ومستوى الاقتناع والإيمان إن رأَوا -بنتيجة سلوك المسلمين نحوهم- أنَّ الانضمام إلى هذه الوحدة المتوسّعة يجلبُ لهم الأمن والسلام. وبذلك أضاف القرآن مفهوم أو مبدأ المسؤولية إلى المفاهيم الأُخرى: ﴿وإنه لَذِكْرٌ لك ولقومِكَ وسوف تُسألون﴾(الزخرف: 44).

لقد خاضت كُتُبُ التفسير، وكتب (الوجوه والنظائر) طويلاً في معنى (الأمة)، فذكرتْ لها -بناءً على السياقات التي وردت فيها- أربعة أو خمسة معانٍ، ووصل بعضُ اللُّغويين بتلك المعاني إلى العشرة. بيد أنَّ أحداً ما فكَّر طويلاً في اقتران مفرد (الأمة) بوصف: (الوسط)، بحيث صار ذلك تعبيراً اصطلاحياً، وشكَّل سبيلاً أو نهجاً لأُمة المؤمنين. وإذا كان التحدُّد قد حدث باعتباره نهجاً لجهتين: جهة السبيل، وجهة الوسط؛ فإنّ هذا التحدُّد ازداد وضوحاً في قوله -تعالى-: ﴿كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾(آل عمران: 110). فالأمةُ الوسطُ في تمايُزها عن الأُمَم والمِلَلِ الأُخرى، هي أمةُ خيرٍ وعطاءٍ وعملٍ على ذلك من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وأصلُ ذلك كلِّه: الإيمانُ بالله. وليس بعد هذا الإيضاح إيضاحٌ من كلّ الجهات: السبيل القويم، والوسطية، والمسؤولية، والخيرية المعلَّلة. وهذا المفهوم الطالعُ في أُفق القرن السابع للميلاد، والأول للهجرة، هو الذي ستُحاولُهُ من أجل التحقق التجربة التاريخية الإسلامية.

بالتجربة: مثّلت القرون الثلاثة الأولى من تجربة الأمة في العالَم ومعه تسانداً بين النصّ القرآني وتفكير نُخَب الأمة من النواحي الدينية والدعوية، والاجتماعية، والثقافية. وتجلّى هذا التسانُد في الارتكاز إلى النصّ الإلهي في الرؤية والمفاهيم الكبرى، والاجتهاد في موافقة نصّ النصّ وروحه في متغيرات التجارب والمشكلات وتبايُنات الظروف. وقد نشأت مدارسُ كلاميةٌ وفقهيةٌ بذلت جهوداً كبيرةً في فهم النصّ، واستكشاف أبعاده، وفقْه محكماته ومتقتضياته ومتشابهاته. ونبتت القضايا والمُشكلات خلال التجربة من أربعة مصادر: علائق الجماعة بالقرآن، وطبائع السلطة وصلاحياتها، والحكم على الأحداث في حياة الجماعة في الحقبة الأُولى، وتطورات العلاقة بالعالم.

والواقع أنّ المسألة الأولى كانت هي الوحيدة ذات العلاقة المباشرة بالنصّ القرآني أو نهج الطريق المستقيم، وظلّت ميزاناً وحاكماً وحَكَماً؛ بينما تعلّقت المسائلُ الثلاثُ الأُخرى بمفهوم أو مفاهيم الأمة الوسط، واختبرتها الجماعةُ في تجربتها مع الواقع وفي ضوء التاريخ. بالنسبة للمسألة الأُولى، أي علاقة الجماعة بالنصّ، كان هناك إجماعٌ على ضرورة الاحتكام إليه في سائر المسائل الخاصة والعامة. لكنْ ما معنى الاحتكام؟ قالوا جميعاً: الاحتكام معناه التسليمُ بمحكمات القرآن، وردّ متشابهاته إلى محكماته. إنما كيف نردُّ المتشابهات إلى المحكمات؟ منهم من قال بالعودة إلى سنة النبي e أو سُنَنِه؛ لأنَّ من وظائف السنة إيضاح القرآن، ومنهم من قال بل نلجأُ لأمرين لجعل ذلك عملياً: نُدقِّق في تفسير القرآن بالقرآن لنظلَّ بداخل النصّ، ونرى رأْينا فيما لم تنحلَّ إشكالياتُهُ بهذه الطريقة. ونتيجة ذلك ظهر اتجاهان كبيران: أهل الأثَر، وأهل الرأْي. واقترح الإمام الشافعيُّ في رسالته حلاًّ للإشكال يقول بمصادر أربعةٍ للفهم والاشتراع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وما قَبِل الأثريون الإجماعَ ولا القياس في البداية؛ في حين استشكل أهل الرأْي على مفهوم السنة (أو الحديث)؛ وما رأَوا أنّ القياس مصدرٌ؛ بل هو منهجٌ في قراءة النصّ ولا يرقى إلى رُتبة المصدر أو الدليل. ورغم أنّ الاختلافَ هذا كان فقهياً، أي جزئياً وفروعياً، وما أفضى إلى خلافاتٍ أساسية؛ فإنه تسبّب في ظهور اتجاهاتٍ ومدارس بشأن مَنْ هو صاحب أو أصحاب السلطة أو الحقّ في فهم النص والاستنباط منه. وانحصر خلافُ الطريق المستقيم أو المنهج القويم إزاء النصّ بين فئتي الفقهاء والمتكلّمين منذ القرن الثاني الهجري. وفي القرن الرابع الهجري كان الأمر قد انحسم لصالح الفقهاء؛ لكنّ المتكلمين كانوا قد طرحوا إشكاليتين عقديتين ما زالتا بزوالهم أو تضاؤل نفوذهم: مسألة الإيمان ومقتضياته، وعلاقة عقيدة القضاء والقَدَر بأفعال العباد. بيد أنّ انحسامَ الأمر -كما سبق القول- لصالح الفقهاء، أعطى المسائل طابعاً تقنياً إذا صحَّ التعبير، فتقاربت المسائل والاختلافاتُ بالداخل الإسلامي؛ لكنّ الرؤى الكبرى تضاءلت أو تجمدت على مستوى ما بلغتْهُ في القرن الثاني الهجري. وقد أثّر ذلك ولا شكّ في الأفهام والطموحات للمسائل الثلاث الأُخرى؛ وبخاصةٍ علائق الأمة بسلطاتها، وعلائقها بالعالَم. فإذا كان استلامُ الفقهاء لسلطة مقاربة النصّ قد أفاد في التوحُّد الداخلي؛ فإنه ما أفاد في المسائل الكبرى الأُخرى، لأنه أخضعها لمفاهيم الحلال والحرام، وفي الحدّ الأدنى: لمفاهيم الاستحسان والكراهية، مُبْعداً إياها عن قضايا التكليف والمسؤولية والمشتركات الظاهرة في مثل قوله -تعالى-: ﴿شرع لكم من الدين ما وحَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى: ﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾(الشورى:13).

إنّ التبايُنَ والافتراق المفهوميَّ -والذي ما حدث حقيقةً في المسألة الأولى: مسألة فهم النصّ والاحتكام إليه- سُرْعانَ ما ظهر في القضايا الثلاث الأُخرى: طبائع السلطة السياسية وصلاحياتها، وأحداث الحقبة الأُولى، والعلاقة بالعالَم. وهي قضايا تتعلّقُ كُلُّها بالتجربة العامة للأُمة، وطرائقها في إدارة شؤونها، كما طرائقها في الموازنة بين الدعوة والدولة في العلاقة بالخارج المُجاور والعالمي. ولا شكّ أنّ رؤى الطريق المستقيم والأمة الوسط تتخلَّلُ كلَّ هذه المسائل، وعلى الخصوص الأمر الثاني أي أمر الأمة الوسط؛ أي كيف يتبلْورُ المنهج المُغاير الذي مثلتْهُ الأمةُ الجديدة والطالعة في أُفق العصور الوسطى المُقْبضة؟!

إنّ المسألة الثانية إنما تتعلق بطبائع السلطة وصلاحياتها؛ إذ ما كان هناك في البداية خلافٌ في الطبيعة أو الأَصْل. فقد سمَّى المسلمون -تبعاً للقرآن- سلطتهم خِلافةً وليس مُلْكاً أو إمارة. أي أنهم ما اتّبعوا الطرائق العربية القديمة (الإمارة)، ولا طرائق الأُمَم المجاورة (الكسروية والقيصرية). ولذا فقد انحصر الاستشكال في بعض التصرفات التي يقومُ بها هذا الخليفةُ أو ذاك. وكان النقد والتصحيح ممكنَين من طريق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهذه مسؤوليةُ الأفراد وحقّهم. لكنْ عندما صار خلفاءُ يصلون للسلطة بدون شورى، بدأَ التمرُّدُ من البعض عليهم من أجل التصويب؛ بينما انصرف آخرون للتفكير في أصل السلطة في الإسلام، وهل هي دينيةٌ إلهيةٌ أم شورويةٌ مصلحية. وبذلك ظهرت فكرةُ الإمامة بالنصّ الظاهر أو المفترض، وهي فكرةٌ ما ماتت بعد ذلك، وأفْضت إلى قيام دُوَلٍ وسقوطها، وظهور فِرَقٍ قويَ بعضُها وما يزال. والحقّ أنّ الأَصل في ذلك: هل يريد الإسلام إدارةً ذات طبيعةٍ دينيةٍ للشأن السياسي، أم أنّ الشأنَ السياسيَ هو من شأن الجماعة وشوراها ومصالحها؟! وبتعبيرٍ آخر: هل الشأن السياسيُّ جزءٌ من الدين باعتبار أنّ الدولة قامت بقيام الدين، أم أنّ مشروع الأمة الكبير يتّسعُ لتجاربَ مختلفة، والإدارةُ السياسيةُ ذاتها تتكيفُ مع التجارب؟ كان هناك مَنْ فهم إذن أنّ السلطة في الإسلام دينيةٌ مهدويةٌ، ولذلك تحولت (الإمامةُ) لدى هؤلاء إلى (طُوبى) ومثال، لا يمكن بلوغُهُ إلاَّ حيث تنقطعُ الأزمنةُ وتُلغى حصاراتُ المكان. وابتعادُ المثال عن التحقُّق ما أضعفه أو أزاله بل أعطاه طاقةً ثوريةُ تغييريةً شبه دائمة، دونما قدرةٍ على الإسهام في الإصلاح العملي. وكان هناك فريقٌ ثانٍ أعطى للإمامة خصيصتين دنيويتين ممكنتين ربط (الشرعية) بهما: الشورى والعدل. على أنّ مطامح هذا الفريق حال دون تحقُّقها أيضاً الطابع الإمبراطوري الذي تطور للدولة الإسلامية، والعنف الذي انتهجه بعض أهل الشورى والعدل في نضالهم. وأفضى ذلك إلى ظهور فريقٍ ثالثٍ اعتبر نفسَه واقعياً، فربط شرعية النظام بالعدالة الداخلية، بالدفاع عن دار الإسلام، وهي الوظائف الموكولة إلى السلطات في سائر الدول. والطريف أنّ إمارات المؤمنين والخلافة التي استمرت عناوين طمحت إلى إقناع المؤمنين بمهدويتها أو عصمتها، ليس لاستنادها إلى نص إلهي؛ بل لقيامها على مهامّ ذات طابع قدسي تتصل باستمرار الأمة وسوادها!

وتركت مسألة ثالثةٌ في التاريخ الأول لتجربة الأُُمة آثاراً غائرةً في الوعي والواقع. ففي عهد الراشدين ظهرت اختلافاتٌ بين بعض الخلفاء وفئات من الجمهور. فقد أراد البعض إرغام الخليفة الثالث على الاستقالة وعندما رفض قتلوه. واختلفت مجموعاتٌ في جيش الخليفة الرابع معه على بعض تصرفاته وخياراته، وأفْضى الأمر إلى قتله أيضاً. وفي الحالتين نشبت نزاعاتٌ سقط فيها آلاف القتلى. وصار ذلك مشكلةً بالفعل؛ لأنَّ بعض المُعاصرين لتلك الأحداث المؤْسية، وَمَنْ جاء بعدهم من أجيال، فهموا تلك الخلافات أو حكموا عليها حكماً دينياً. إذ كيف يقتُلُ المُسلمُ المسلمَ والمؤْمنُ المؤمن مهما كانت الأسباب؟ وما حُكْمُ القاتل والمقتول؟ البعض قال بالتكفير للجميع، والبعض قال بالتبرؤ من الجميع. وانفردت فئةٌ -ما وافقها كثيرون- بتأجيل الحكم على تلك الأحداث وإرجائه. وهكذا ما قبل أحدٌ تقريباً فهم تلك الأحداث فهماً سياسياً أو حتّى جنائياً وليس دينيا ًواعتقادياً. وربما جاء هذا الجَزَع الشديد من أحداث (الفتنة الأُولى)؛ لأنَّ قادة المشاركين كانوا من أصحاب النبي e، ولأنّ المسلمين الأوائل كانوا يعتقدون أنّ أمتَهم هي الأمةُ الوسطُ المُغايرةُ كلياً للأُمم السالفة في الرؤية والسلوك، وفي قضايا العبادة والتعامل مع النفس والآخر. وتأتي أهمية هذه المسألة (المثال الأول، أو التاريخ الأول للتجربة، أو الخلافة الراشدة) من أنها ظهرت في القرن الثاني الهجري عندما كان (علمُ الكلام) هو الذي يصنعُ الرؤى، ويعتبر الأمة مهدويةً ومعصومة. أو بمعنىً آخر: إنّ تصرفات المؤمنين الأوائل تُصبحُ سُنَناً واجبة الاتّباع أو يُقاسُ عليها. وهكذا ضاقت المسافة والمساحةُ لتنحصر في عهدي الشيخين أبي بكرٍ وعُمَر. وما كان هذا الانحصارُ مُفيداً لمثال الأمة المستمر ومعصوميتها وجلال تجربتها القائمة والدائمة، وبالداخل، ومع الخارج.

أمّا المسألة الرابعةُ فتتعلَّقُ بالعلاقة بالعالم. فعند وفاة النبي e كان الناسُ في نظر الإسلام فريقين: فريق أمة الإجابة، وفريق أمة أو أُمَم الدعوة. وعلاقةُ الفريق الأول بالفريق الثاني بحسب القرآن، تقومُ على التسابُق في الخيرات، وعلى التعارُف. لكنّ الذي حصل ولأسبابٍ مختلفةٍ أنّ العرب المسلمين اجتاحوا العالم من حولهم بقيادة السلطة الخليفية أحياناً، وبدون موافقتها –أو موافقتها اللاحقة- أحياناً أُخرى. وصحيحٌ أنّ المؤرّخين يقولون إنّ التاريخ ما عرف فاتحاً أرحمَ من العرب؛ لكنْ مع نهاية القرن الهجري الأول كان العالَمُ قد انقسم من وجهة نظر الدولة والفقهاء إلى دار إسلام ودار كفرٍ وحرب. وقد ظلّ الفقهاء إلى نهاية القرن الهجري الثالث يقولون إنّ الجهاد جهادُ دفْعٍ وليس قتالَ طَلَبٍ وغزو. أمّا الواقع فهو أنّ الدول الإسلامية الكبرى عبر التاريخ ظلت دُوَلَ توسُّعٍ وتمدُّدٍ بواسطة القوة العسكرية. وما أُرغم أحدٌ على اعتناق الإسلام بقوة السيف؛ لكنّ مشروع التفاضُل من خلال الخيرات أو من خلال التعارُف، ما وجد الاستجابة المرُجوَّة فضلاً عن أن يتحقق المشروع الكبير: مشروع انضواء أمة الدعوة (= العالَم) في أمة الإجابة (= أمة الإسلام). وتتضح أهميةُ ذلك من مُلاحظة الممارسات والفتاوى الفقهية التي سادت في أزمنة الانحسار مثل ضياع صقلية أو الأندلس، وفيما بعد في عصر الاستعمار: الهند فالجزائر.. وصولاً إلى ليبيا. إذ سادت رؤىً تقول بالجهاد المستميت أو الهجرة. إذ يستحيلُ العيشُ على الأرض التي تسودُها سلطاتٌ غير مسلمة. وقد ظلّت لذلك آثارُهُ في الفكر والسلوك إلى الزمن الحاضر، وبين الجيل الثالث من المهاجرين المسلمين إلى ديار الغرب. فأين يقعُ ذلك من رؤية القرآن للعيش مع العالَم وفيه، والتصرف في جنباته بما يجمع وليس بما يفرّق ويفصل، دونما إهمالٍ بالطبع لضرورات الدفاع.

وفي خلاصة الأمر: فإنّ المفاهيم الخمسة أو الستة التي نشرها القرآن من الطريق المستقيم إلى الأمة الوسط، عانت من بلاءٍ وامتحاناتٍ كثيرة. وما اختلت العلاقةُ بين المسلمين وكتابهم، لكنّ الخلَلََ داخَلَ المفاهيمَ المتعلقة بالمصالح وبالتاريخ وبالرؤية لظهور الأمة ومصائرها. ولا يرجعُ ذلك إلى خطأ فردٍ أو جماعةٍ أو فرقة؛ وإنما هو المخاضُ الناجمُ عن تجربة الأُمة في التاريخ. ولأنّ التجربة مستمرةٌ ما استمرت الأمّة؛ فإنّ المشروعَ ما يزالُ قيد التحقُّق؛ لأنَّ الأمة موجودةٌ ومُتكاثرة، وما يزال الاجتهاد والتصحيح جاريين وعلى مستوياتٍ مختلفة. أو بعبارةٍ أُخرى فإنه ما دامت العلاقةُ بين الجماعة والقرآن قائمةً ومستقرةً ومتطوّرة؛ ﴿إنّا نحن نزلْنا الذكْر وإنّا له لحافظون﴾(الحجر:9)؛ فإنّ أمة الإسلام تظلُّ قادرةً على التصحيح، وعلى السير في أُفق الإنجاز بالاتّجاه السليم.

جالإشكالياتُ المفهومية والتنميةُ الحضارية: لا يمكنُ نسْبةُ الاختلالات المفهومية المنتشرة في ثقافتنا ووعينا بالكثير من الأساسيات والفرعيات، إلى المرحلة الماضية أو الوسيطة. فنحن نعيش منذ أكثر من قرنين في عالمٍ آخَر تسودُ فيه مصطلحاتٌ ومفاهيمُ وأساليبُ عيشٍ لا علاقة لها بما نعيه من التجربة الماضية. وعبر المائة عامٍ الأخيرة خاض المثقفون العرب والمسلمون تجارب كثيرةً لإعادة إنتاج المفاهيم وتوحيدها أو بلورتها. وقد سلكت تياراتٌ عديدةٌ مسلَك الاستعارة من الغرب الناهض على كلِّ المستويات، والتعبير عن ذلك بمفرداتٍ عربيةٍ أثرت في الوعي والتصرفات تأثيراتٍ كبيرة. وكان هناك مَنْ لجأ إلى إحياء التعابير القرآنية أو الوسطية واعتقد أنه اكتشف معناها الأصلي والصحيح وحاول تقليدها أو فَرْضها. وكان هناك فريقٌ ثالثٌ حاول التوسُّط بين الأمرين، أي الاحتفاء بالمفاهيم الحديثة، ومزجها بالمفاهيم القديمة. وفي حين حقّقت الاستعارة المفهومية أو الثقافية بعض النجاحات الظاهرة من خلال الاستعمال في الحياة العامة؛ فإنّ التجربتين الأُخريين: استعادة القديم كما هو، أو التوفيق والتلفيق، كلاهما ولَّد أو أنتج ثمراتٍ مُرّةً من حيث إفضاؤه إلى فصاماتٍ وانقسامات في الوعي وفي الواقع. وقِدماً ذكر القرآنُ سببين للاختلال المفهومي المؤدّي إلى الاختلال في الوعي والتصرف. ففي سورة (المجادلة: 16): ﴿اتخذوا أيمانهم جُنةً فصدُّوا عن سبيل الله﴾. وهذا هو السببُ الأول. فللحداثة أئمتُها وروادها الذين يُقلَّدون باعتبارهم مراجع في نطاقها، وبذلك يُقتدى بهم من جانب القائلين بها منّا؛ فيكون ذلك بين عِلَل الخَطَل والضلال. أما السببُ الثاني فيرد في قوله -تعالى- في سورة (يونس: 88): ﴿رَّبنا إنك آتيت فرعونَ زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربَّنا ليُضلُّوا عن سبيلك﴾. فالخطأُ والاختلال يأتي من هذا السبب أيضاً، أي ما يملكه فرعون من مالٍ وسطوةٍ ومظاهر برّاقة، وهذا هو الشأن في أبطال وركائز الدنيوية المُعاصرة. لقد كانت الأساسيات في عالَم المسلم القديم مُنتظمةً؛ كما أنّ التصحيح كانت له آلياتُهُ المعروفةُ والمسلَّم بها بحيث يمكنُ اللجوءُ إليها. أمّا في الأزمنة الحديثة فإنّ المسلم لا يعيش في عالمه هو، أو أنه يعيشُ في عالمٍ لم يُسْهِمْ إسهاماً بارزاً في إنتاجه وتطويره؛ ولذا فإنّ الاختلال الذي نال من المفاهيم الأساسية التي تحكم حياته، ينال أيضاً من آليات التصحيح ومناهجه فهو حائرٌ بين الآليات المستورَدة مع المفاهيم، أو استعادة الآليات القديمة التي لم تَعُدْ فاعلةً بطريقةٍ متّسقة أو سلِسة. وليكن واضحاً أنّ الوعْيَ الإنسانيَّ ليس انعكاساً ميكانيكياً للواقع المُشاهَد أو أنه لا يتكونُ مباشرةً نتيجة التلامُس مع الواقع. بل الحقُّ أنّ الوعي يتكون نتيجةَ الاستناد أو الاقتناع بشبكةٍ من المفاهيم التي تُحاولُ إدراك الواقع من أجل مُناقضته أو التلاؤم معه. وهكذا فإنّ الفصامَ الناجمَ عن اختلال المفاهيم، يؤدّي إلى اختلالٍ في إدراك الواقع والتصرُّف إزاءَه. ولا شكّ أنّ اختلال رؤية العالم في نظر المسلم وإدراكاته، يؤثّر آثاراً عميقةً في القدرة على التنمية الإنسانية والحضارية، وسط هذه الغربة الشاسعة التي تُعاني منها فئاتٌ واسعةٌ من الجمهور، بل ومن النُخَبِ أيضاً.

بيد أنّ هذا الاستنتاج لا يحلُّ المشكلة؛ إذ هناك قضيتان حاضرتان في حياة الأمة اليوم: قضية الاختلال المفهومي، وقضية التنمية الإنسانية والحضارية من طريق النهوض والانتظام في حركية العالم. فلننظر أولاً كيف حدث الاختلال المفهومي الحاضر، ثم لننظر ثانياً في تأثيراته على إدراكنا للعالَم، وبالتالي على قدرتنا على فهمه والتفاعُل معه والتأثير فيه لصالحنا. ولدينا نموذجٌ لإدراكٍ قرآنيٍّ للمسألة المفهومية وطرائق تصويبها أو الخروج منها من عالَم القرن الثالث الهجري. ففي ذلك القرن نَحَتَ الحارث بن أسد المحاسبي (-243هـ) في رسالته (مائية العقل وحقيقة معناه) مصطَلَح: العقل عن الله. ومن وجهة نظره فإنّ هناك حقيقتين حاضرتين: الكتاب المسطور، والكتاب المنظور. ويقصد المحاسبي بالكتاب المسطور العالَم الإنساني. وتنتظم أفهامُنا للكتاب المسطور من خلال (العقل عن الله) الجامع ين الأمرين والْمُلائم بينهما. وقد ضرب المحاسبي أمثلةً كثيرةً لمنهجه انصبّت جميعُها على حلّ المشكلات العَقَدية التي كانت متفاقمةً آنذاك، ومن بينها مفهوم العقل ومعناه ووظائفه، كما من بينها مسألة الحرية الإنسانية. وقد رأى مُعاصروه أن أفهامه هذه هي أدنى للإدراك الصوفي، ولذلك ما أخذ أحدٌ بها، وظلّت ثُنائية العقل والنقل هي السائدة. أمّا المفكّرون العربُ والمسلمون في عصري الإصلاح والإحياء؛ فقد أدركوا أنّ المشكلة هي في اختلال العلائق بالغرب الحديث ولصالحه. فرأى الإصلاحيون ضرورة الاستعارة من الغرب بما يؤدّي إلى العقلنة والعصرنة والتماثُل مع الغرب في القوة الحضارية فالتصدي بقصد المشاركة. ثم رأى الإحيائيون أنّ نهج الاستعارة ساد خلال قرن، وما أدّى إلى نتائج المرجوَّة في التقدم؛ بل كانت له نتائج كارثية على هوية الأمة وانتمائها. ولذلك لا بد من الانفصال القاطع وبناء الهوية المستقلة على ثوابت النصوص وسيرة السلف الصالح. ولأنّ تلك المقاربات كانت مقارباتٍ فكرية في الغالب؛ فإنّ الخلاف نشب حول المفاهيم مثل الدين والدولة والحرية والحضارة والاقتصاد المستقلّ أو التنمية المستقلّة والمُواطنة. وبذلك فقد ازداد الاختلال في المفاهيم سواءٌ أكانت مستعارة من أوروبا أو من المجال الإسلامي القديم.

لكنْ إذا كان نهج الإصلاح لم يستطع السواد على المستوى الفكري؛ فإن نهج الإحياء ما حقّق في الستين سنةً الماضية مكاسب تدعو لاعتناقه من السواد الأعظم في الأمة. وإنما سادت ازدواجياتٌ وفصاماتٌ، ومُنافساتٌ في المجال الواقعي على كلّ شيءٍ في سلاسل من ردود الأفعال، التي لا ترقى جميعاً إلى منزلة الفعل المُنتج. وقد كان هناك من تعزّى بأنّ القافلةَ تسير.. بغضّ النظر عمّا يقوله الطرفان من الناحية النظرية والجدالية.

إنما هذا استنتاجٌ لا يصمدُ أمام الواقع المُشاهَد. فالأمة ليست في حالة نهوض، والعلائق بالعالم مختلّة. ولا ينبغي الاستخفافُ بعدم الإجماع على أيّ أمرٍ بين نُخَبها؛ وهذا فضلاً عن اختلال مثال الدولة في الأخلاد والواقع. فقد تحوَّل الغربُ بعد الارتفاع والانخفاض والتقلْقُل إلى نموذج في قيمه الفكرية والثقافية، نموذجٌ يُقلّده دونما وعْيٍ عميق حتّى أشدّ خصومه بيننا. ومن السهل القول تعالَوا فلنعْد إلى ممارسة العقل عن الله U والاحتكام إلى الكتاب المسطور. فدُعاةُ الهوية والانتماء الخالص ادّعوا خلال أكثر من نصف قرنٍ أنهم قاموا بذلك ثم يقومون. لكنهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون وقعوا في التقليد. فقد صاغ الإسلاميون عشرات الإعلانات في حقوق الإنسان على سبيل المثال. وعندما نُراجع ما قاموا به نجدُهُم قد أخذوا بالمنظومة القيمية الغربية كلّها البادية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وتمايزوا عن الإصلاحيين، بالاستناد في كل ّموادّ الإعلان العالمي إلى استشهاداتٍ من القرآن والسنة وعهد الراشدين.

ولذا فالذي أراهُ العودة إلى أصول المسائل. فقد نهانا الله سبحانه عن (التفرُّق في الدين) باعتباره واحداً. وهكذا فهناك مشتركاتٌ كبرى إنسانيةٌ ينبغي المصيرُ إليها، سواءٌ أكانت مِمَّا ورد لفظاً في القرآن ومواريث السلف أو لم تكن واردة. وسواءٌ أكانت مِمَّا يقول به الغرب أو يُعارضه. وهذه ليست فكرةً جديدةً ما قال بها أحدٌ من قبل؛ لكنّ الذي صَرَف عنها حبُّ الغرب وكراهيتُه. فالمحبُّون المستسهلون يأخذون ولا يسألون عن الصحة والتلاؤم. والكارهون المستيئسون يعارضون حتى البديهيات ويجدون شواهد عليها لفظية أو تاريخية. وذلك؛ لأنَّ التأزُّم في عوالمنا الفكرية والشعورية، ما جاء من الاختلال المفهومي؛ بل من اختلالات العالَم الخارجي الواقع تحت الإدراك والشعور. أي أنّ الهيمنة الغربية ما كانت فكريةً وثقافيةً في الأساس، بل كانت واقعيةً وعمليةً في حركات الجيوش والأساطيل والقوة العارية. وعندما صارت استطراداً وتثبيتاً دينيةً وثقافية، ظلّت الإدراكات الواقعيةُ لحركة الغرب مشدودةً إلى وقائع الهزائم العسكرية والسياسية، فجرى رفض المشتركات الدينية والثقافية والقيمية تبعاً لرفض الهيمنة العسكرية والسياسية. فالحلّ هو في العودة إلى المشترك الذي دعانا إليه القرآن، و ليس في الدين فقط؛ بل وفي (الخير العامّ) أو المستوى الإنساني الشامل؛ وهذه دعوةٌ قرآنيةٌ أيضاً، كما سبق القول: ﴿فاستبِقوا الخيرات﴾، ﴿ولا يجرمَنّكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقربُ للتقوى﴾. ولا شكّ أنّ انتظام مفاهيم أساسية في إدراكنا -مثل الدين والخير والعقل والعدل والأخلاق- مُعينٌ على الخروج من الالتباسات والاختلالات. وهذا الانتظامُ بحدّ ذاته لا يؤدّي إلى النهوض تلقائياً؛ لكنه يُصحِّحُ الرؤيةَ للعالَم الواقعي، ويعيدُ وصْلَنا بالعالَم؛ بل إنه أيضاً يُصحِّحُ علاقتنا بالقرآن الكريم، وبالتجربة الحضارية الإسلامية العريقة. فالتقليد لا يحقّق معنى الأمة الوسط باعتبار عدم المُغايرة. والقطيعة لا تحقّق الأمة الوسط باعتبار استحالة إلغاء الآخر. أمّا التميز والتمايز اللذان يقتضيهما مفهوم الأمة الوسط؛ فإنهما لا يتحققان إلاَّ باعتماد المشاركة والتفوق في نطاقها، وبداعية الإنجاز والحقّ الإنساني.

**************************

*) مفكر وأكاديمي من لبنان، ومستشار تحرير مجلة التسامح.

*******عن موقع مجلة التسامح

16 شتنبر 2013