في اليوم العالمي للديمقراطية التحدي الأكبر للمجتمعات العربية

احتفلت الأمم المتحدة يوم أمس، الخامس عشر من أيلول/سبتمبر، بـ”اليوم العالمي للديمقراطية”، وفي ثنايا الاحتفال تأكيد على أن تحقيق مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والتعددية والانتخابات الحرة والتداول السلمي للسلطة والسلم المجتمعي والدولي هي مسؤولية جماعية تجاه العالم، ولكل حكومات العالم تجاه مجتمعاتها، ولعل هذا التأكيد هو سؤال الراهن العربي ومستقبل المجتمعات العربية.

عامر راشد

موقع انباء موسكو

| 2013 / 09 / 16

يعود بنا احتفال الأمم المتحدة بـ”اليوم العالمي للديمقراطية” إلى مفارقة أن كل ممثلي الحكومات العربية وقعوا على “إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية الجيدة”، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن من أيلول/سبتمبر عام 2000، والذي يعتبر في البند السادس من القيم والمبادئ التي تحكم الإعلان أن دعم مبادئ الكرامة الإنسانية والمساواة والعدل، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، واحترام ما للناس من حقوق متساوية، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة أن الجنس، يقع على عاتق المجتمع الدولي، فضلاً عن مسؤولية كل حكومة تجاه مجتمعها.
ناهيك عن اعتبار الإعلان أن من ضمن التزامات الحكومات الموقعة عليه عدم ادخار جهد في تعزيز الديمقراطية، بما في ذلك احترام الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، والسعي بشدة من أجل حماية الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للجميع وتعزيزها بصورة تامة في بلدان العالم. وتعزيز قدرات بلدان العالم على تطبيق المبادئ والممارسات الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الأقليات. والعمل بصورة جماعية لجعل العمليات السياسية أكثر شمولاً وللسماح بمشاركة جميع المواطنين فيها بصورة حقيقية، وكفالة حرية وسائط الإعلام  لكي تؤدي دورها الأساسي، وضمان حق الجمهور في الحصول على معلومات.
بالإضافة إلى حماية المستضعفين، وتوسيع حماية المدنيين في حالات الطوارئ المعقدة وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وتدعيم سيادة القانون، والالتزام بالمواثيق والاتفاقيات والأعراف الدولية، خاصة ما يتعلق منها بحماية الأطفال. واحترام الحق بالتنمية.. الخ.
ولو أخذنا مجموع الالتزامات الواردة أعلاه، والتي وقعت عليها كل الحكومات العربية، نجد أن مجموع ممارسات هذه الحكومات سارت عموماً باتجاه معاكس، بينما استطاعت العديد من بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا قطع شوط كبير على طريق الديمقراطية وتثبيت العمل بالحريات الأساسية، والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة من خلال صناديق الاقتراع واحترام نتائجها، وإتباع حد مقبول من الشفافية، ودعم التنمية الاقتصادية والمجتمعية ربطاً مع تعزيز مفاهيم وتطبيقات الديمقراطية في المناحي كافة، الأمر الذي فشلت فيه غالبية، إذا لم نقل كل، الحكومات العربية وهو ما أوصل الواقع العربي إلى حالة انسداد أفق كانت وراء انفجار ثورات “الربيع العربي”، التي باتت تعاني بلدانها اليوم من مأزق يحلينا مرَّة أخرى إلى موروث الاستبداد ونقض مفاهيم الشراكة الوطنية، وضعف بنية المجتمع المحلي، ولعب مؤسسات الجيش والأمن دوراً حاسماً، حتى بات يرّوج لها كـ”حامية للديمقراطية”، وصاحبة الربط والحل وتصويب المسار المتعثر للثورات.
افتراضياً؛ كان يمكن النظر إلى توقيع الحكومات العربية على”إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية الجيدة” كنقطة انطلاق تؤسس لمفاهيم وممارسات جديدة للأنظمة الرسمية العربية، بالاتجاه الصحيح، لو أن الحكومات تلتزم بما توقع عليه وتعني ما تقول. لكن الأوضاع العربية شهدت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تدهوراً حاداً في ملف الحريات العامة والتعددية السياسية والديمقراطية، وجرى التراجع في بعضها عن قوانين انتخابية متطورة نسبياً واستعيض عنها بقوانين متخلفة تذكي العشائرية والقبلية والجهوية، مثال ذلك التراجع عن قوانين الانتخابات التي تأخذ بالنظام المختلط (نسبي+ فردي) إلى قوانين الصوت الواحد، وأطيح بحالات الانفراج المحدود إزاء ملف الحريات في بعض البلدان العربية، لتعود قبضة الأمن أشد وطأة من السابق. وصار التزوير في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية علامة مسجلة في كل البلدان العربية التي أجريت فيها انتخابات، مع تمايز نسبي هنا وهناك لا يعتد به.
حتى في النماذج التي كانت توصف عادة بأنها نسبياً هي الأكثر تطوراً في البلدان العربية، مثل لبنان والكويت، طغت سلبياتها على إيجابياتها، إلى أن باتت عامل عدم استقرار سياسي، وشاهداً على الأمراض المتراكمة والمزمنة في البنية السياسية- المجتمعية العربية، والتجربتين الفلسطينية والأردنية يمكن أن تكونا مثالين آخرين يعكسان جانباً من معضلة الديمقراطية والتعددية السياسية في النظام الرسمي العربي، في ظل واقع هذا النظام وإمكانية التغيير من داخله، وفقاً لطبيعة النظام والآليات المعمول بها ودرجة تطور المجتمع المحلي والمؤثرات الداخلية والخارجية.
بذلك،؛ افتراضياً خسر العرب إمكانية البناء على خطوات تدرجية باتجاه التحولات الديمقراطية والتعددية السياسية، واحترام الحريات الإنسانية الأساسية لتفكيك ألغام الانقسامات المجتمعية، التي لعب فيها الطائفية والمذهبية والجهوية والإثنية دوراً كبيراً، جراء أخطاء تاريخية متراكمة في طريقة معالجة هذه الملفات، إلى أن أصبحت ألغاماً تهدِّد مستقبل البلدان العربية ووحدة مجتمعاتها، وأمثلتها الأكثر نفوراً في العراق وسورية ولبنان وليبيا ومصر والسودان واليمن.
لذلك لا غرابة أن نجد دولة مثل اليمن ترتفع فيها أصوات وازنة تدعو لتفكيك دولة الوحدة بين الشمال والجنوب، بينما تتجه بوصله الحوار الوطني للإقرار بالفيدرالية كمخرج من المأزق المستحكم. وأن نجد في دولة مثل السودان تنامياً لمطالب الانفصال عن الدولة الأم، وأن ترفع في العراق شعارات إقامة كيانات سياسية تحت مظلات طائفية، بينما تتعالى التحذيرات في سورية وليبيا من مخاطر التقسيم.
واتت ثورات “الربيع العربي” لتكشف عن عمق الأزمات في بنية الأنظمة السياسية والمجتمعات العربية، وقصور رؤى القوى السياسية الجديدة التي أفرزها الثورات، لجهة مفاهيم وتطبيقات الشراكة الوطنية، والتأسيس لأنظمة سياسية تقوم على احترام الحريات الأساسية وحق الاختلاف، والتعددية السياسية والديمقراطية والتداول السلمي، عبر صناديق الاقتراع والالتزام بنتائجها، مع مراعاة أن المرحلة الانتقالية تفرض تقديم الشراكة الوطنية على أي اعتبار آخر، لأن هذه المرحلة هي مرحلة بناء تشترط مشاركة أوسع طيف ممكن من القوى السياسية والمجتمعية فيها.
إن غياب هذا المفهوم وتطبيقاته أوصل بعض بلدان ثورات “الربيع العربي” إلى استعصاء يهدِّد بثورات مضادة، وفي بعضها الآخر بتفكك بنية الدولة والتقسيم أرضاً وشعباً، في حين مازالت غالبية الحكومات العربية تنأى بنفسها عن استحقاقات التغيير الديمقراطي وإطلاق الحريات العامة، وفي الحالتين فشل في التعاطي مع التحدي الأكبر للبلدان العربية، ألا وهو الديمقراطية.

*****

عن موقع انباء موسكو

18 شتنبر 2013