التاريخ والوعي بالتاريخ
حسن حنفي*

عن مجلة التسامح

الخميس 19 شتنبر 2013

أولا: التاريخ بين التاريخية والخطابية

ليس الهدف من دراسة التاريخ مجرد معرفة الحوادث الماضية، وتراكم المعلومات من الوثائق والحفائر والمخطوطات وأمهات المصادر الأولى. فذلك وقوع في النزعة التاريخية Historicism التي سادت الدراسات التاريخية في الغرب في القرن الماضي، خاصة في ألمانيا وفرنسا. وهو أيضا وقوع في الرد التاريخي Historical Reductionism الذي نبهت عليه الدراسات التاريخية المعاصرة وحذرت منه. ويعني رصد الوقائع التاريخية الواحدة تلو الأخرى، دون معنى أو دلالة أو قانون، وتغليب المكان على الزمان، والانقطاع على الاتصال. ويشبه ذلك أيضا “الحوليات” التي ترصد الحوادث عاما بعد عام دون رؤية لمسار التاريخ أو قصده أو غايته. وكذلك كتب “الطبقات” القديمة التي ترصد علماء كل طبقة وفقهائها وصوفيّيها ومتكلميها وفلاسفتها ومحدثيها ومفسريها دون رؤية لصراع الأجيال، أو مسار التاريخ أو تطور العلم أو بنائه. ليس التاريخ مجرد رصد وقائع كأننا في متحف للتاريخ، بل هو قصد وعي جماعي يصب في الوعي الفردي. التاريخ هو جذر الوعي وأساسه. ليس مجرد تصوير لفيلم مضى في مناظر متعاقبة بل المهم هو المسار والقانون، وروح التاريخ.

لقد كانت النزعة التاريخية الوضعية في الغرب رد فعل على النزعة المثالية التي مثلتها مفاهيم روح التاريخ، وروح العصر، وروح الشعب، التي تتحكم في مسار التاريخ على نحو حتمي بحيث تصبح الإيرادات الحرة للأفراد والشعوب مجرد أدوات لتحقيق المصير التاريخي العام. كان أوجست كونت رد فعل على هيجل ورؤيته للتاريخ، هذه النزعة التي تضحي بالدراسات التاريخية من أجل النسق الفكري، وتتنازل عن البحث العلمي من أجل البناء المذهبي. فيتوارى التحليل لصالح التركيب، والخاص لصالح العام، وتتحول دراسة التاريخ إلى فلسفة التاريخ، تعبر عن المذهب أكثر مما تعبر عن التاريخ.

ولا يعني ذلك في المقابل الوقوع في الخطابة السياسية، أو الحماس الوطني أو الوعظ التاريخي باسم “الدرس المستفاد” أو “العبرة” كرد فعل على الرد التاريخي. الخطابة ليست علما، والحماسة ليست تحليلا، والوطنية ليست ابتساراً للماضي، أو انتقاء للحظات التاريخ خارج سياقها. إن الحماس للحاضر لا يعني مجرد إسقاطه علي الماضي والإشادة به. فالماضي ليس أنشودة يغنيها الحاضر، بل هو مسار تاريخي في وعي الجماعة. في الخطابة يتحول التاريخ إلي أدب، والشخصيات إلى أبطال، والحوادث إلى نماذج، والعلم إلى أخلاق. إنما التحدي هو إيجاد طريق ثالث بين هذين النقيضين يقوم على فلسفة في التاريخ تربط بين دراسة التاريخ والوعي بالتاريخ. فعلى أساس الوعي بالتاريخ تتم دراسة التاريخ. فدراسة الحركة الوطنية في عصر تتأزم فيه هذه الحركة يساعد على حل الأزمة. ودراسة الحركة العمالية في عصر تخبو فيه هذه الحركة يساعد على معرفة جذور الأزمة الممتدة عبر التاريخ. القصد من دراسة التاريخ ترسيخ الوعي بالتاريخ، وتحويل دراسة التاريخ إلى وعي بالتاريخ. الإنسان كائن تاريخي، ومعرفته بالعالم تصب في تاريخه. وإذا كان التاريخ هو الزمان فإن الإنسان وجود زماني، يصب زمان التاريخ فيه. وقد لاحظ فلاسفة التاريخ من قبل، هردر وكانط ولسنج وابن خلدون أن أعمار التاريخ هي مراحل العمر. التاريخ هو العمر الكبير، والإنسان هو التاريخ الصغير. الهدف من دراسة التاريخ هو تنمية الوعي التاريخي وتعميقه. دراسة التاريخ ليست غاية في ذاتها من أجل عمل أرشيف للتاريخ خارج الوعي القومي، بل وسيلة لتعميق الوعي القومي ومده بخبرات تاريخية سابقة، تساعده على رؤية الحاضر ومكوناته التاريخية.لذلك يمكن دراسة التاريخ عن طريق قراءة الحاضر في الماضي. فالحاضر ما هو إلا تراكم للماضي. وبالرغم من وقوع الحوادث في تعاقب الزمان Diachronism إلا أن هناك بنية للحوادث في المعية الزمانية Synchronism. الحاضر هو الذي ينير الماضي عن طريق اختيار الموضوعات واستنتاج النتائج. التجربة التاريخية الحية الحاضرة هي التي تنير التاريخ الوثائقي الحفائري النصي الميت. لا يعني ذلك مجرد إسقاط الحاضر على الماضي بمعنى التشويه وسوء الغزو الاستعماري الأوروبي للاستيلاء على الثروات المادية والبشرية، ثم إيجاد المبررات الحضارية لذلك، مثل تمدن الشعوب المختلفة. إنما يتم الربط بين الماضي والحاضر داخل الوعي القومي الواحد لتحقيق الاستمرارية في الشخصية التاريخية والكشف عنها، ورصد مراحل تطورها ومسارها في التاريخ. وقد سمي برجسون ذلك “الحركة التراجعية للحقيقة” Le movement rétrograde du vrai، أو ترائي الحاضر في الماضي Le mirage du Présent au Passé.ويمكن أيضا قراءة الماضي في الحاضر. فالماضي ما هو إلا مكون للحاضر، عودا على بدء. وما دامت هناك بنية ثابتة في التاريخ فلا يهم أين تتم دراستها في الماضي أو الحاضر أو التنبؤ بها في المستقبل. ففي المجتمعات التاريخية مثل مجتمعات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ما زال التاريخ حياً في وجدان الناس. وقد يكون الماضي أكثر حضورا في الحاضر من الحاضر نفسه. فالناس توجد بالتاريخ وتعيش في التاريخ إلى حد أن طغى الوعي التاريخي باعتباره وعيا بالماضي، على الوعي بالحاضر والوعي بالمستقبل. فنشأت فيها الحركات السلفية التي تدعو إلى العودة إلى الماضي باعتباره هو الطريق الوحيد للنهوض بالحاضر واللحاق بالمستقبل. فسقوط غرناطة يتراءى في احتلال القدس.

ولا تنفصل هاتان الحركتان، قراءة الحاضر في الماضي، وقراءة الماضي في الحاضر. فهما اتجاهان لحركة واحدة، الذهاب والإياب، سماها هوسرل المنهج التراجعي التقدمي Regressive- Progressive Methode. قراءة الحاضر في الماضي تجعل التجربة الحية أساسا لفهم النص التاريخي، وقراءة الماضي في الحاضر تكشف عن المكونات التاريخية في الحاضر. دراسة التاريخ تتم إذن في وعي المؤرخ الذي يتقابل فيه الماضي والحاضر. فلا يوجد تاريخ بلا مؤرخ، ولا يوجد مؤرخ بلا وعي تاريخي. لذلك كان الوعي بالتاريخ هو شرط دراسة التاريخ.

وعلى هذا النحو تتحقق وحدة شخصية المؤرخ بين دراسته للتاريخ ووعيه بالتاريخ، بين دوره كعالم ورسالته كمواطن. فلا يصبح علمه في جانب وحياته في جانب آخر، مهنته منفصلة عن رسالته. بل يغذي كل منهما الآخر، علمه يصب في حياته، وحياته تنير علمه. عندئذ تصبح دراسة التاريخ علم تحليل الوعي التاريخي.

ثانيا: لماذا غاب الوعي التاريخي في وجداننا المعاصر؟

تثير الحالة الراهنة للوعي بالتاريخ ثلاثة تساؤلات: الأول: هل غاب الوعي التاريخي في وعينا المعاصر بالرغم من أننا شعوب تاريخية؟ والثاني: لماذا غاب الوعي التاريخي في تراثنا القديم، وهل هذا الغياب القديم هو المسؤول عن الغياب الحاضر؟ والثالث: لماذا لم تنشأ لدينا فلسفات في التاريخ تقوم على مفهوم التقدم والمراحل، تعطي الأولوية للمستقبل على الماضي؟

ومحاولة الإجابة على السؤال الثاني: لماذا غاب الوعي التاريخي في تراثنا القديم قد تكون الإجابة على السؤال الأول: هل غاب الوعي التاريخي في وعينا المعاصر؛ نظرا لأن الحاضر ما هو إلا تراكم للماضي. فهل غاب الوعي التاريخي في تراثنا القديم ولماذا؟ ولما كان التراث القديم مجموعة من العلوم العقلية العلوم النقلية الخالصة والعلوم العقلية الخالصة كان السؤال: هل غاب الوعي التاريخي عن هذه العلوم ولماذا؟

لقد نشأت العلوم العقلية النقلية الأربعة عندنا، علم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، وعلوم الحكمة وعلوم التصوف تكاد تكون خالية من الوعي بالتاريخ باعتباره تقدماً وحركة إلى الأمام، وارتقاء وتكاملا يكون الحاضر فيه أكمل من الماضي، والمستقبل أزهر من الحاضر. ولما كانت هذه العلوم هي المكون الرئيسي لموروثنا الثقافي فقد غاب الوعي التاريخي عن وجداننا المعاصر بالرغم من أننا شعوب تاريخية، وبالرغم مما مررنا به من أزمات العصر ومازلنا نمر، تهدد الوجود والكيان.

ففي علم أصول الدين سادت العقائد الأشعرية بعد أن تبنتها الدولة، وأصبحت عقيدة الفرقة الناجية في مقابل عقائد المعارضة. تعطي العقائد الأشعرية الأولوية للإرادة الإلهية على الإرادة الإنسانية، في حياة الإنسان ونظام العالم ومسار التاريخ في صنع الأحداث، فالإرادة الإلهية تسيطر على حياة الإنسان من الحياة إلى الممات. لا يفعل الإنسان شيئا إلا إذا شاء الله. الأرزاق والأسعار، والفقر والغنى بإرادة الله. ولا يكسب فعلا إلا إذا أعطاه الله القدرة على ذلك. كما تسيطر الإرادة الإلهية على جميع ظواهر الطبيعة التي تخرج عن سيطرة الإنسان. فالسهم لا يصل إلى الرمية إلا بإرادة الله. وقد يتوقف الحجر الساقط من أعلى إلى أسفل في الهواء إذا شاء الله. والإرادة الإلهية هي التي تحرك التاريخ وتقيم الدول وتقوضها. الله هو الذي يبعث المجتمعات ويقضي عليها. نجى نوح وأهلك قومه. كما نجّى موسى ومن معه وأهلك فرعون. ونجى يونس في بطن الحوت وأهلك عاداً وثمود. ونجّى الكعبة وأهلك أصحاب الفيل. فلم يعد للإنسان فعل مستقل في مجتمعه أو في الطبيعة أو في التاريخ. الإنسان مجرد ظاهرة تخضع للفعل وليس عاملا فعالا. والوعي التاريخي لا ينشأ إلا إذا كان الإنسان خالق فعله، مؤولا عما يحدث في مجتمعه، وفعالا في التاريخ. وهو التصور الذي ساد في عقائد المعتزلة في الجمع بين التوحيد والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعند بعض الفرق في ضرورة التوحيد بين الإيمان والعمل والثورة على الإمام، وعند آخرين في حتمية ظهور الإمام الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وكان التاريخ في علم أصول الدين خارج عن العالم، أما تاريخ الوحي في النبوة، التاريخ الماضي أو تاريخ الإنسانية بعد البعث، تاريخ المستقبل. أما الحاضر فلا تاريخ له. ينهار التاريخ جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن اعتمادا على بعض الأحاديث مثل «خير القرون قرني ثم الذي يلونه»، أو «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة تتحول بعدها إلى ملك عضود» أو سوء تأويل لبعض الآيات مثل: ﴿فخلف من بعدهم خلف، أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات﴾، أو بعض الأقوال المأثورة مثل “نعم السلف وبئس الخلف”، أو “ما ترك الأولون للآخرين شيئا”.

أصبح التطور يعني الانتقال من الإيمان إلى الكفر، ومن الكمال إلى النقص، ومن العلم إلى الجهل، ومن الفضيلة إلى الرذيلة، من العصر الذهبي إلى عصر الانهيار. ومن ثم كان التقدم بالضرورة عوداً إلى الماضي ولحاقاً بما فات. أصبح القديم، وليس الجديد، من أوصاف الذات. ولم يبق في موروثنا الثقافي ما حاولته الكرامية من قبل من جعلها الله محلاً للحوادث، ربطا بين الله والتاريخ كما هو الحال في فلسفة التاريخ في الغرب الحديث، هردر وفيكو وكانط ولسنج وهيجل. تلك دلالة قدم القرآن وحدوثه. فالقرآن قديم، كلام الله الأزلي يتجاوز الزمان والمكان. واستبعد القول بحدوث القرآن مع أنه نزل من العلم الإلهي في زمان ومكان على فترات متتالية، مقروءا باللسان، محفوظا في الصدور، مفهوما بالعقول، مطبقا في المجتمعات.

وفي علم أصول الفقه، علاقة الأدلة الشرعية الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس علاقة تنازلية، من النص إلى الواقع. الكتاب نص أول، والسنة نص ثان في عصر أول. والإجماع نص ثالث في عصر ثان. والاجتهاد قياس على نص في كل عصر. النص هو الأساس في الأدلة الشرعية الأربعة وليس الواقع والتاريخ. والتاريخ أيضا انهيار تدريجي في المعيار من النص الأول حتى النص الأخير. فلا اجتهاد فيما فيه نص. وشرع من قبلنا ليس مصدرا للتشريع ومن ثم يبدأ التاريخ بالنص الأول كقطع فيه دون اتصال. ومنطق التفسير هو منطق اللغة: الحقيقة والمجاز، والظاهر والمؤول، المحكم والمتشابه، المجمل والمبين، المطلق والمقيد. والحقيقة أفضل من المجاز، والظاهر أيقن من المؤول، والمحكم أصوب من المتشابه، والمبين أدق من المجمل، والمقيد أكثر أمنا من المطلق. والمؤمن يتمسك بالمحكم في حين أن الذي في قلبه زيغ ومرض يقع في المتشابه.

فوقع التشريع في حرفية النص، وقلت حرية التأويل التي تعطي إمكانية للفعل في التاريخ والحركة المستقلة فيه. الأحكام أحادية في المعنى وقيد على التاريخ. والتشابه تعدد في المعنى وفعل حر في التاريخ. ثم تغلبت الأحكام على المقاصد، الحلال والحرام على درء الأضرار وجلب المنافع. ثم تغلبت أحكام التكليف، الأوامر والنواهي على أحكام الوضع، السبب والشرط والمانع حتى أصبح التشريع صوريا بصرف النظر عن أحوال الناس وضرورات الحياة وموانع تطبيق الحدود، فضمر الفعل، وزاد الالتزام، وعم القيد، وقلت الحركة، وامتنع التجديد، وندر الإبداع. والوعي التاريخي لا ينمو إلا بتغليب المتحول على الثابت، والتجديد على التقليد، والإبداع على النقل، والحرية على العبودية.

وانقسمت علوم الحكمة إلى منطق وإلهيات. المنطق علم معياري يعصم الذهن من الخطأ، منطق صوري خالص دون منطق للمجتمع أو منطق للتاريخ. والطبيعيات إلهيات مقلوبة، سلب للعالم حتى يكون الإيجاب لله وحده. الطبيعة ناقصة، فانية فاسدة. أتت من عدم، وتنتهي إلى عدم. والإلهيات علوية مفارقة، تنأى عن العالم وتتجاوزه. فأين الإنسانيات والاجتماعيات والتاريخيات؟ لقد حاول إخوان الصفا إضافة جزء رابع هو الناموسيات والشرعيات وكلها ظلت بلا تاريخ. كما تصور الفارابي وإخوان الصفا مدينة مثالية لا وجود لها في الواقع. والتاريخ هو تاريخ المجتمعات الفعلية الموجودة في الزمان والمكان. لا ينشأ التاريخ إلا في عالم ثابت له قوانين تطوره ومنطقه. ولا يتحقق التاريخ إلا بفعل الفرد والجماعة. والإنسان والتاريخ عصبا الوعي التاريخي، وكما ينقصان في علم أصول الدين ينقصان أيضا في علوم الحكمة.

وفي علوم التصوف كان الطريق الصوفي صاعدا إلى أعلى، متدرجا في المقامات والأحوال، خارجا عن العالم وليس داخلا فيه. العالم مأساوي يتقاتل عليه طالبو السلطة، ويسقط فيه الشهداء من الأئمة وآل البيت. وهو طريق نازل، وكشف تدريجي للوحي في تاريخ النبوة، كما عرض ابن عربي في “فصوص الحكم”.

الطريق الصوفي حركة رأسية مزدوجة، من أدنى إلى أعلى بالرياضة والمجاهدة عبر الأحوال والمقامات، ومن أعلى إلى أدنى في الحلول والاتحاد. والتاريخ لا يظهر إلا في حركة أفقية مزدوجة، من الخلف إلى الأمام في التقدم، ومن الأمام إلى الخلف في التخلف. كما عاش الصوفية كالفلاسفة في مدينة مثالية خارج العالم، مدينة الأقطاب والأبدال مثل ابن عربي، وقليل منهم من عاد إلى العالم، ودخل في معاركه مثل الحلاج.

وفي العلوم النقلية الخمسة: القرآن، والحديث، والتفسير، والسيرة، والفقه غاب التاريخ أيضا باعتباره وعيا بالتاريخ، بالرغم من وجود عناصر فيها كان يمكن أن تكون جذورا للوعي التاريخي. فاقتصرت علوم القرآن على الكلام والنصوص خارج التاريخ، في حين تدل “أسباب النزول” على أولوية الواقع على الفكر. يدل نزول القرآن منجما مفرقا على أنه استجابة لأسئلة في الزمان والمكان طبقا للحاجة وتلبية لمطلب. كما يدل “الناسخ والمنسوخ” على وجود الزمان والتطور والتغير وتكيف الشريعة طبقا للقدرة والأهلية. كما يبدو التاريخ في التمييز بين المكي والمدني، بين العقيدة والشريعة، بين التصور والنظام. وتحيل الشريعة والنظام إلى الصراع الاجتماعي والسياسي والتاريخي.

وفي علوم الحديث يظهر التاريخ في الرواية، خاصة في السند وأنواعه من تواتر وآحاد. التاريخ هنا هو تاريخ الرواية، تاريخ القول وليس تاريخ الحدث. التاريخ هو “الأخبار”، العلم بأقوال السابقين ونقلها نقلا صحيحا. الخبر هو مادة التاريخ، والفعل لا يتجاوز فعل الرسول أو فعل يقره الرسول. فالسنة قول وعمل وإقرار. التاريخ نقل من الماضي إلى الحاضر وليس توجها نحو المستقبل. ويكون النقل صحيحا إذا كان مطابقا دون زيادة أو نقصان. وكل فعل مستقبلي في التاريخ هو تأسس بالنموذج الأول، القدوة الحسنة.

وفي علوم التفسير كان المؤرخون هم المفسرون مثل الطبري وابن كثير. وكما تمت كتابة التاريخ بطريقة الحوليات كذلك تم التفسير بنفس الطريقة، سورة وراء سورة، وآية تلو آية. وكما تقطعت الحوادث وأصبحت بلا رابط بينها وبلا مسار كذلك تقطعت السور والآيات، وتجزأ الموضوع الواحد بلا موقف أو بنية أو رؤية. كان التفسير يعني جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات التاريخية حول السور والآيات، معلومات في ذاتها دون توظيف في تحريك الواقع أو إحداث تقدم اجتماعي، باستثناء التفسيرات الإصلاحية الحديثة مثل “ترجمان القرآن” للمودودي، “تفسير المنار” لرشيد رضا، “في ظلال القرآن” لسيد قطب.

وفي علوم السيرة يغيب التاريخ كلية. فالرسول زعامة تأتي من خارج التاريخ، تشق التاريخ، وتحدث تصدعا فيه ثم تتركه. صحيح هناك القدوة والسنّة لمن أتى بعده، ولكنه تاريخ اقتداء وتأسس. المعيار في الماضي كما هو الحال في القياس. السيرة تاريخ شخصي للعظماء وليست تاريخا للشعوب. البطل يصنع التاريخ، والتاريخ ليس له كيان مستقل بذاته عن فعل الأبطال. وتتداخل السيرة مع الخيال الشعبي والملاحم والسير للأبطال والفاتحين حتى ينعدم الفرق بين التاريخ والأسطورة.

وفي علوم الفقه تطغى العبادات على المعاملات، فيغيب التاريخ نظرا لأولوية الأفراد على الجماعات، وأولوية الأفعال على العلاقات. هي كلها أفعال نمطية، مطابقة، تخلو من الصراع والجدل. ويأتي الجهاد كأحد الأبواب المتأخرة في العلم وهو عصب التاريخ وطريق فتوح البلدان.

أما العلوم العقلية الخالصة فإنها بطبيعتها خالية من التاريخ. فالعلوم الرياضية، الحساب والجبر والهندسة والفلك والموسيقي. علوم صورية خالصة تهدف إلى معرفة القوانين، عمليات عقلية خالصة بلا مادة. والعلوم الطبيعية علوم تدرس ظواهر الطبيعة الحاضرة دون تاريخ. فالطبيعة والكيمياء، والطب والصيدلة، والنبات والحيوان، تدرس الظواهر في حالتها الراهنة دون تاريخها. فالتاريخ جزء من البنية وليس موضوعا مستقلا بذاته. تاريخ الطبيعة هي الطبيعة، وتاريخ النبات هو النبات.

أما العلوم الإنسانية، اللغة والأدب، والجغرافيا والتاريخ فإنها علوم مرتبطة بالإنسان لغة وأدبا وأرضا وعمرانا. تاريخ كل علم جزء من العلم وليس منفصلا عنه. تاريخ اللغة جزء من اللغة، وتاريخ الأدب جزء من الأدب، وتاريخ طبقات الأرض جزء من الأرض.

وأخيرا ظهر ابن خلدون في التاريخ ليؤسس الوعي التاريخي متجاوزا رصد الحوادث إلى رؤية للتاريخ العام، وفلسفة للتاريخ الخاص، ومحددا مسارا تاريخيا للحضارة العربية، يجمع بين التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة والثقافة في علم جديد هو علم العمران. ينقد آراء المؤرخين السابقين في الاعتماد على الروايات غير الصحيحة ويستبدلبها استقراء حوادث التاريخ من أجل اكتشاف القانون الذي يحكم مسارها. نظر إلى مجمل الحضارة العربية على مدى سبعة قرون ووضع قانونا لتطورها، من النهضة إلى الانهيار، من قوة العصبية إلى تفككها، من البدو إلى الحضر، بالإضافة إلى أحكامه على العرب ونهضتهم بالنبوة أو الولاية ومدى قدرتهم على التمدن والتحضر(1). جيلان للنهضة وجيلان للانهيار، فعمر الدورة أربعة أجيال دون خط تراكمي يكتسب الوعي التاريخي فيه درسا من الدورة السابقة. إنما هو عودا على بدء، قيام وقعود ثم العودة إلى الصفر من جديد. فإذا كان ابن خلدون قد وضع سؤال “أسباب الانهيار” للقرون السبعة الأولى، فهل يمكن لابن خلدون جديد أن يكمل السؤال عن أسباب التخلف في القرون السبعة الماضية، ثم سؤال “شروط النهضة” للقرون السبعة التالية؟

ثالثا: الوعي المعاصر بالتاريخ بين الأنا والأخر

ومضت سبعة قرون أخرى ولم يظهر ابن خلدون جديد يضع هذه القرون السبعة الجديدة في الاعتبار، ويرصد مسارا أطول للتاريخ، ويحقب من جديد تطور الحضارة الإسلامية على مدى أربعة عشر قرنا. والموضوع مثار منذ فجر النهضة العربية الحديثة عندما حاول الأفغاني وضع قانون أخلاقي لتطور المجتمعات يقوم على الشرف والإخلاص والأمانة. كما وضع محمد عبده التاريخ كموضوع جديد في علم العقائد كما هو الحال في “رسالة التوحيد”، واصفا التاريخ كحركة تقدم، فالإسلام انتشر بسرعة لا مثيل لها في التاريخ، مغيرا مسار التاريخ في علم العقائد القديم الذي ينهار جيلا عن جيل، وقرنا بعد قرن، “خير القرون قرني…” منذ جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل(2). كما حاول أديب إسحاق وضع فلسفة للتاريخ، أسوة بفلسفات التاريخ في الغرب التي أدت إلى تفجير الثورة الفرنسية. وكان الطهطاوي قد حاول من قبل كتابة تاريخ العرب قبل الإسلام، وسيرة محمد ساكن الحجاز مؤسسا الوعي السياسي الحديث على الوعي بالتاريخ. ولكن ظلت محاولته محدودة تجمع بين التراث القديم والتراث الغربي دون منطق محكم. ثم انتهت محاولته على يد اللاحقين عليه مثل أحمد لطفي السيد وطه حسين إلى جعل وعينا بالتاريخ جزءا من الوعي بالتاريخ الغربي. فزاد قدر التغريب وقل قدر الارتباط بالتراث القديم. وسار شبلي شميل، وفرح أنطون، ونقولا حداد، ويعقوب صروف، وإسماعيل مظهر، وسلامة موسى في نفس التيار. فالوعي بتاريخنا هو وعي بالتاريخ الغربي باعتباره العلم والفلسفة والثقافة والأدب والفن كما قال سلامة موسى في “هؤلاء علموني”، وكلهم من الغربيين(3). وقد حاول سيد قطب أخيرا بعث التاريخ فكرة ومنهاجا رابطا بين دراسة التاريخ والوعي بالتاريخ كنموذج لتحديث الدراسات التاريخية، بداية بمفهوم التاريخ ومنهجه من أجل إذكاء الوعي بالتاريخ، ولكنها ظلت محدودة الأثر، حدسية الرؤية، وجدانية المستوى، قصيرة المدى في حاجة إلى تطوير ومزيد من الإحكام العلمي عن طريق تحليل الوعي التاريخي ومناهج دراسة التاريخ(4).

وأثناء القرون السبعة التي تلت ابن خلدون عندنا ظهرت فلسفات التاريخ في الغرب منذ بداية عصر النهضة في القرن السادس عشر حتى بلغت الذروة في القرن التاسع عشر. واكتشف الوعي الأوروبي الزمان الإنساني أو الوجود الإنساني. فاكتشف الزمان التاريخي الذي أصبح فيما بعد الوعي التاريخي. وأصبح يزهو علينا بأنه هو وحده صاحب حضارة الإنسان والتاريخ. لقد استطاع الوعي الأوروبي اكتشاف الوعي التاريخي بعد أن استطاع هردر إعادة تفسير العناية الإلهية على أنها قانون التاريخ، وأن الإرادة الإنسانية تحقق الإرادة الإلهية، وفهم الأعلى على أنه هو الأمام، وفهم الأدنى على أنه هو الخلف، والتحول من المحور الرأسي في تصور العالم إلى المحور الأفقي.

حاول فلاسفة التاريخ تحقيق التاريخ في مراحل متمايزة، في مرحلتين النهضة والسقوط مثل فولتير وروسو، أو في ثلاثة مراحل مثل فيكو، وتورجو، وكومت، من عصر الآلهة إلى عصر الأبطال إلى عصر البشر، أو من عصر الدين إلى عصر الميتافيزيقا إلى عصر العلم، أو في أربعة مراحل مثل هردر وكانط، من الحس والغريزة إلى العاطفة والعقل، أو خمسة مثل فشته من العقل والغريزة إلى العقل التسلطي إلى العقل الواعي وهو العلم إلى العقل المهيمن وهو الفن، مرحلتان للتقدم الأعمى، ومرحلتان للتقدم الحر، ومرحلة متوسطة، أو في عشرة مثل كوندرسيه، إيقاع ثلاثي مفصل وتبقى العاشرة للمستقبل. كان مقياس التقدم مثل التنوير: العقل والحرية والطبيعة والعلم والتقدم والإنسان.

وإذا ما بلغ الوعي مرحلته الأخيرة توقف التاريخ واكتمل الوعي: الحرب والمهارات اليدوية والتصنيع عند بودان، والحرية والديموقراطية عند فولتير، والعقد الاجتماعي عند روسو، والمرحلة الإنسانية عند فيكو، والمرحلة التجريبية عند ترجو، والمرحلة الوضعية عند كومت، والجمع بين النهائي واللانهائي عند كوزان، والفن عن فشته ونيتشه، والعقل عند هردر وكانط. ولما انتهت المرحلة التاريخية الأخيرة توقف الوعي الأوروبي وبدأ في الانهيار كما لاحظ اشبنجلر وتوينبي، وبدأ الحديث عن أفول الغرب وفقدان الإحساس بالحياة (هوسرل) وتحويل الآلة إلى إله جديد (برجسون)، وقلب القيم (شيلر)، والعدمية المطلقة (نيتشه)، انتهى الإبداع، وأكمل الأوروبي دورته، وتم إعلان نهاية التاريخ(5).

والسؤال بالنسبة لنا هو: أية مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ ودون الوعي بهذه المرحلة قد نقوم بدور أجيال مضت فتنشأ السلفية عند العامة وتشتد كما هو الحال الآن. وقد نقوم بدور أجيال قادمة فتنشأ العلمانية عند الخاصة وتشتد كما هو الحال الآن. وينشب الخصام بين الطرفين، حرب بلا هوادة بين الأخوة الأعداء، وتنفصم عروة الشخصية الوطنية. والغالبية العظمي لا تدري أي فريق تختار، روحها أم بدنها، ماضيها أم مستقبلها؟ وتريد الإبقاء على الشرعيتين معا في حاضرها. قد تكون المرحلة الحالية، بعد أن مررنا بمرحلة الإحياء، الانتقال من الإصلاح الديني إلى النهضة الشاملة، الانتقال من الكتاب إلى الطبيعة، من القديم إلى الجديد، من الله إلى الإنسان، من النفس إلى البدن، ومن النقل إلى العقل، ومن السلطة إلى البرهان.

دون وعي بهذه المرحلة تتأرجح الدراسات التاريخية بين النزعة التاريخية عند الخاصة والنعرة الخطابية عند العامة. يتم تحديث الدراسات التاريخية إذن عن طريق اكتشاف الوعي التاريخي ومراحله حتى تصب الدراسات التاريخية فيه، تبلوره، وتوضحه، وتعيد إليه ميزان التعادل. لو كان متجهاً نحو الماضي كانت مهمة الدراسات التاريخية فك إزار الماضي. ولو كان غائبا عن المستقبل كانت مهمة الدراسات التاريخية رصد مسار التاريخ من أجل التعرف على طبيعة المرحلة القادمة. وإن كان غائبا عن الحاضر كانت مهمة الدراسات التاريخية تحيل الوعي الحاضر، ووصف التاريخ باعتباره تراكما في الوعي الحاضر. إن المهمة الرئيسة لدراسة التاريخ هي الوعي بالتاريخ(6).

********************

الهوامش

*) مفكر وباحث مصري.

([1])وذلك مثل “في أن العرب لا يتغلبون إلا علي البسائط”، “في أن العرب إذا تغلبوا علي أوطان أسرع إليها الخراب”، “في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين علي الجملة”، “في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك”، المقدمة ص149-152، المكتبة التجارية، القاهرة.

(2)محمد عبده: رسالة التوحيد، ص90-192، مطبعة نهضة مصر، القاهرة 1956.

(3)هم عشرون: فولتير، جيته، دارون، فيسمان، ابسن، نيتشه، رينان، دستوفسكي، ثورو، تولستوي، فرويد، سميث، اليس، جوركي، شو، ولز، شفيتزر، جون ديون، سارتر. والواحد والعشرون هو الشرقي غاندي. سلامة موسي: هؤلاء علموني، سلامة موسي للنشر والتوزيع، القاهرة 1965.

(4)سيد قطب: التاريخ، فكرة ومنهاج، دار الشروق، القاهرة.

(5)انظر: لسنج: تربية الجنس البشري، ص72-205، دار الثقافة، القاهرة 1977، وأيضا، مقدمة في علم الاستغراب ص665-679، الدار الفنية، القاهرة 1991.

(6)انظر دراساتنا السابقة: “من الوعي الفردي إلي الوعي الاجتماعي”، “لماذا غاب مبحث الإنسان في تراثنا القديم؟”، “لماذا غاب مبحث التاريخ في تراثنا القديم؟”، دراسات إسلامية ص345-456، الأنجلو المصرية، القاهرة 1981.