الراحل سالم يفوت ..مسار فلسفي غني

سالم يفوت.. الأثر النافع للناس

لحسن العسبي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الجمعة 20شتنبر 2013

نستطيع الآن تأمل إسم علم يلقب ب «سالم يفوت» كواقعة مكتملة في الزمن. لأنه بعد الغياب يتبقى الأثر. والأثر هو عنوان صاحبه.  والعنوان هنا كبير. ذلك أن رجل الفكر الذي هو يفوت، رجل الفلسفة، رجل البحث العلمي الرصين، رئيس شعبة الفلسفة في أرقى جامعات المغرب والمغرب العربي (كلية الآداب بالرباط)، كان أيضا رجل التزام ميداني. وأنه بسبب من ذلك جرب معنى الإعتقال السياسي، معنى التعذيب الوحشي في مخافر الشرطة، في بداية السبعينات ضمن الحركة الإتحادية، وأيضا معنى المسافة الواجبة بين منطق التنظيم الحزبي ومنطق البحث العلمي والفكر. من هنا، انتصاره، مثل أستاذه محمد عابد الجابري، للفكر والبحث العلمي بدلا من تاكتيك العمل الحزبي التنظيمي، المدمر للذات العلمية الباحثة.
لقد شكل غنى تلك التجربة الإنسانية للرجل، سمادا لخياره العلمي الأكاديمي، الذي ظل يصدر عن رؤية فكرية منخرطة ضمن مشروع تاريخي للتحول المغربي مجتمعيا. وأنه ظل يؤمن أن السر في تجاوز أعطاب طريقنا التاريخية، هي في إصلاح التعليم وفي إصلاح بنيته المعرفية التكوينية التي من خلالها نصنع الفرد المغربي الجديد. نصنعه رؤيويا ونصنعه معنى حياة. فكان واضحا لديه أن الحل هو في ترسيخ أسباب العقلانية المعلية من نموذج الفرد المواطن، الناقد، المسلح بالعقل النقدي العلمي الحديث. من هنا نحثه الطويل لمباحث أكاديمية رصينة في مجال فلسفة العلوم، وأيضا أطروحته حول الفكر الإسلامي بالغرب الإسلامي، أساسا في المغرب والأندلس من خلال المسار الفكري والفقهي لابن حزم. بل إن بحتثه العلمي الدقيق، ذاك، قد جعل منه واحدا من أكثر المتخصصين المدركين لقصة تشكل الوعي الديني الفقهي مغربيا. مثلما أن له مكرمة جرنا إلى الإنتباه باكرا إلى أهمية فهم وتمثل الإبيستمولوجيا، كمنهاج علمي وكآلية تحليل وكبنية لإنتاج المعاني والمعارف. وأن نحسن قراءة أطروحات باحثين مبدعين من طينة ليفي ستراوس (الأنثربولوجي) وميشيل فوكو (تاريخ الأفكار وإركيولوجيا المعرفة) وألتوسير (الرؤية النقدية المادية).
إن سالم يفوت، وقد اقتعد الغياب الآن، واندس في التراب مثلما تنزل قطرة ندى، في صمت وبلا ضجيج، يولد ولادة جديدة، من خلال ما خلفه في الوعي الفكري المغربي والعربي من أثر مكتوب مدون، يليق مادة للتحليل للوقائع، كم تحتاجه أجيال الحراك العربي اليوم. ولعل العودة إلى كتبه حول فلسفة العلوم (ذلك المشروع الضخم الذي انخرط فيه باكرا رفقة كل من عبد السلام بعبد العالي والميلودي شغموم)، يجعلنا نعيد تمثل مشروعنا الفكري الفلسفي المغربي، بشكل أكثر ألقا، لأنه يرسم أمامنا خرائط طريق معرفية، تعلي من قيمة العقل ومن الرؤية النقدية للوقائع والأحداث، وتضع السماد لمشروعنا التاريخي الهائل في التحول نحو الحداثة. ولعل في درسه ذاك، الدليل على كارثية الخيارات التي انتهجت سياسيا في مجال التعليم مغربيا وعربيا، التي أنضجت اليوم ما أنضجته من ذوات نكوصية غير عقلانية («الضبوعة»، إذا استعرنا العبارة البليغة للباحث السوسيولوجي المغربي محمد جسوس). من هنا أهمية إرث سالم يفوت. فالرجل بذكاء بهي، قد بصم فينا الأهم، رسالة مفكر، عالم، تبني الأساسي في الرؤية المعرفية وليس العرضي.
بهذا المعنى، فإن تمثل أعماله وكتبه هو مشروع مفتوح للمستقبل. وبهذا المعنى، أيضا، لن يموت قط سالم يفوت، وأمثاله، لأنهم بصموا أثرا معرفيا لا يزول في تاريخ الأفكار والمعارف ببلاد العرب. وفي مكان ما علينا الإنتباه أن الجيل الجديد الذي نزل إلى ساحات المطالب ببلاد العرب، لم ينزل فقط من أجل كسرة خبز وماء، بل أيضا من أجل معنى حياة.

9/20/2013