مركز راشيل كوري الفلسطيني لحقوق الانسان ومتابعة العدالة الدولية » 

السياسة الاقتصادية لصندوق النقد الدولي

 

 

السياسة الاقتصادية لصندوق النقد الدولي

تاريخ النشر : الجمعة 06-09-2013

مركز راشيل كوري-

المبحث الأول

ما سيجري ادعاءه من تحويل صندوق النقد الدولي الى مؤسسة ديمقراطيةهو في الحقيقة طريقة لضمان أن تستمر غالبية فقراء العالم بلا كلمة مسموعة، فرغم أننا نلمح في أكثر ديكتاتوريات العالم قوة بادرة تغيير، وتبدو الإصلاحات، شأنها في ذلك شأن معظم تنازلات الأنظمة الدكتاتورية، مهندسة لا لإحداث المزيد من التغيير، بل لمنع حدوثه، إذ يأمل النظام عن طريق زيادة طفيفة في أسهم (ومن ثم سلطات تصويت) الصين وكوريا الجنوبية والمكسيك وتركيا، شراء واسترضاء وتمتلك بريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان 22% تتقاسمها فيما بينها، ولكل واحدة مقعد دائم في مجلس الإدارة وبترتيبات غريبة تسمح للدول الثرية بالكلام نيابة عن الدول الفقيرة، تمتلك كندا وإيطاليا سيطرة فعالة على 8% إضافية، البلدان الأوروبية الأخرى قوية بشكل ملحوظ أيضا، مثل بلجيكا على سبيل المثال، فهي مخولة بنسبة 2,1% من الأصوات وسيطرة غير مباشرة على 5,1%، أكثر بضعفين من حصة الهند أو البرازيل• وتشكل حصص أوروبا واليابان وكندا والولايات المتحدة ما مجموعه 63%، وفي مقابل هذا يتقاسم 80 بلدا هي الأفقر في العالم فيما بينها 10% فقط( ) •
هذه الحصص المخصصة (الكوتا) لم تعد تعكس حتى المساهمات المالية الحقيقية لإدارة الصندوق: إنه يحصل على الكثير من رأسماله من دفعات تسديد القروض من قبل دوله الخانعة، ولكن الدول الكبرى السبع ما زالت تتصرف كما لو أن الصندوق من مقتنياتها، فهي تقرر من يديره (مدير الإدارة أوروبي دائما ونوابه أمريكيون دائما) وكيف تصرف الأموال•

البلدان السبعة مع روسيافي صندوق النقد الدولي وعدت بحماية العالم في قمة الدول الكبرى الثماني في العام 2005، وتحتفظ عصبة السبعة بسيطرتها بالإصرار على أن كل دولار يشتري صوتا• فكلما كبرت كانت الحصة المخصصة للبلد أكبر، كلما كان لديه المزيد مما يقوله بشأن إدارة الصندوق، وهذا يعني أن الصندوق تديره البلدان الأقل تأثرا بسياساته( )
ويتطلب قرار كبير 85% من الأصوات، وهو ما يضمن للولايات المتحدة، مع نسبة %17، صوتا مهيمنا على شؤون الصندوق الجوهرية•

حيث أن هذه السلطة، من حيث المبدأ، من المفترض أن يوازنها شيء ما يدعى الصوت الأساس، وهي 250 سهما (تمنح حق تصويت بقيمة 25 مليون دولار) مخصصة لكل عضو، ولكن في الوقت الذي ارتفعت فيه قيمة حصص البلدان الثرية منذ تأسيس الصندوق في العالم 1944، فإن الأصوات الأساسية لم ترتفع، بل انحدرت من %11,3 جملة الى %2,1 • وتظهر ورقة متسربة أوصلتها الى منظمة باهرة تدعى مشروع بريتون ودوز” (كل شيء نعرفه عن صندوق النقد الدولي يجب أن يكون تسريبا) إن الصندوق ينوي أن يدمقرطنفسه على الأقل بمضاعفةالصوت الأساس، وهذا يرتب كل شيء، وعندئذ سيكون 80 بلدا من البلدان الأكثر فقرا في العالم قادرة على حيازة نسبة 0,9% مقسومة بينها، وحتى هذا التنازل المثير للشفقة لم يحدث إلا بعد أن أقدم الأعضاء الأفارقة على مخاطرة سياسية بأن عارضوا علنا عروض الصندوق• ولا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيد حاليا النظر في مكانتهم التجارية( ) •
وتحدث توليفا بين كل هذا عملية سياسية داخلية تبدو كما لو أنه تم اختراعها في كورية الشمالية وليس في واشنطن، فليس هناك تصويت رسمي ، بل مجرد عملية إجماعيسيطر عليها القادة الأعزاء لمجموعة الدول الكبرى السبع، والقرارات التي تتخذها كل دولة عضو لا يمكن أن تكشف علنا، ولا تكشف أيضا محاضر اجتماعات مجلس الإدارة وأوراق العملالتي قامت على أساس إصلاحاته الداخلية، وحتى تقارير محقق شكاوى صندوق النقد الدولي (مكتب التقييم المستقل) يخضع لرقابة الإدارة، ويتم تغيير ما يتوصل اليه لنقل اللوم عن إخفاقات الصندوق وإلقائه على زبائنه من الدول( ) ، ولا حاجة الى القول إن الصندوق يصر على أن الدول التي يقرضها يجب أن تلزم نفسها، بحكومة صالحة وشفافيةإن كانت ستتسلم نقوده•

ولا شيء من هذا سيكون ذا شأن كبير لو أن الصندوق التزم بتفويضه الأصلي، أي ضمان استقرار نظام النقد الدولي، ولكن منذ انهيار اتفاقية بريتون وودزفي العام 1971، فقد الصندوق على أقل تقدير رسالته في الحفاظ على سعر الصرف، وبدأ يبحث عن دور جديد• فحين نقح مواد نظامه، كما تظهر دراسة للبروفيسور دانيال برادلو، في العام 1978 كانت عائمة وبالغة الضبابية الى درجة أنها سمحت لصندوق النقد الدولي بالتدخل تقريبا في أي جانب من جوانب الحكم في أي بلد، وفقد الصندوق تأثيره على سياسات الدول الكبرى السبع الاقتصادية، وأصبح بدلا من ذلك نائب العالم الثري، المسيطر بتوصياته وأوامره على الأمم الأفقر، وبدأ بإدارة أدق تفاصيل اقتصاداتها من دون الرجوع الى الشعب، أو حتى الى حكومات، ومنذ ذلك الوقت، لم يحتج أي بلد ثري الى خدماته، وقلة من البلدان الفقيرة استطاعت الإفلات منه ( ) •
رغم أن الصندوق قد ساعد اقتصادات شرقي وجنوبي آسيا المضطربة في العام 1997، إلا أنه قام بتخريبها نيابة عن أموال الصفقات الأمريكية وشركات الاستثمار ، لذلك قررت بعض الدول مثل الصين وكوريا الجنوبية أنها لن تطلب مرة أخرى أبدا خدمات صندوق النقد الدولي، وعلى ذلك تعتبر سياسة الصندوق غير عادلة من حيث نظمها ، ومن حيث الثغرات الملازمة لتكوين الصندوق ( ) ، فعلى سبيل المثال لم يتعامل الصندوق مع الباكستان إلا بعد أن فرض عليها شروطاً في تصحيح إقتصادها( ) .

كما إن انخفاض سرعة عملية التنمية في افريقيا فيها يعود إلى إن الدول الغريبة تتحكم في نشاطات المؤسسات المالية في العالم ومنها صندوق النقد الدولي الذي يضع قيوداً صارمة على قروضه للدول الافريقية النامية كنصائحه التي تتضمن( ):
1
ـ تخفيض العملة الوطنية.
2
ـ تحرير التعامل في الصرف الأجنبي أو العمل على الاقتراب من هذا الهدف.
3
ـ الحد من الاستيراد.
4
ـ رفع سعر الفائدة المحلي لتشجيع الادخار والحد من التضخم المالي.
5
ـ الحد من الإنفاق الحكومي عن طريق إلغاء الإعانات للمستهلكين.
6
ـ زيادة الضرائب على المداخيل والسلع.
7
ـ وفي بعض الأحيان تجميد الأجور وربما رفع الرقابة على الأسعار.

هذه السياسات الكلاسيــكية أصبحت عنواناً تضعه المؤسسة الدولية على كل طلب يقدم من أي دولة نامية أيا كانت أوضاعها الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية ويعتقد خبراء الصندوق أن اتباع الدول لنصائحهم السابقة سوف يحقق زيادة في الصادرات وبالتالي زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، كذلك خفضاً في الواردات، وبالتالي مدفوعات الدولة من هذا النقد والنتيجة أن ما سبق سيحقق نقصاً في عجز ميزان المدفوعات و تعادلاً في هذا الميزان، ، فالنسبة لميزان المدفوعات فأن الهدف من تخفيض العملة لزيادة الصادرات، وخفض الواردات الضرورية للحياة كلاهما غير مرن ولن يستجيب على الإطلاق، فالإنتاج الزراعي بطبيعته إنتاج غير مرن على الأجل القصير، وفي معظم الدول الافريقية الناميةوهو إنتاج غير كاف، لمواجهة الاستهلاك المحلي، وبالتالي لن يلعب دوراً كبيراً أو صغيراً في زيادة الصادرات، واعادة التوازن لميزان المدفوعات( ).
والإنتاج الصناعي ـ أن وجد ـ في الدول الافريقية فانه رغم ضآلته نسبة إلى الإنتاج القومي، فهو من حيث النوعية والتكلفة لا يستطيع المنافسة الدولية والنزول للسوق العالمي بل أنه ما كان ينمو في كثير من الحالات دون حماية جمركية عالية.. كذلك فان زيادة الصادرات منه.. لو أمكن معالجة ما سبق تحتاج في كثير من الأحيان إلى واردات من المواد الخام، والمعدات، وقطع الغيار والمعرفة التكنولوجية، وكلها أصبحت بعد خفض العملة الوطنية اكثر تكلفة بل واكثر ندرة في الحصول على موارد النقد الأجنبي.

وإذا انتقلنا إلى قطاع التصدير التقليدي للبلاد، الذي يتمثل غالباً في منتج زراعي، أو منتج حيواني، أو منتج تحديثي وحيد، فان تخفيض العملة الوطنية إزاء العملات الأجنبية لا يشجع على زيادة الصادرات فبجانب أن العرض غير مرن كما ذكرنا فان الزيادة في حجم الصادرات ـ إن حدثتلن تؤدي إلى زيادة موارد النقد الأجنبي للبلاد كما كانت عليه قبل التخفيض ،فمثلاً عندما اضطرت الصومال إلى خفض عملتها من 25/6 شلن للدولار من اللحوم لم تتضاعف مرتين ونصف لتحافظ على مواردها السابقة من العملة الأجنبية. بل أن هذه الموارد نقصت عما قبل واضطرت البلاد إلى قبول تخفيضات أخرى بلغت ثلاث مرات في خلال سنتين فقط وبالطبع أدى التخفيض كما هو متوقع في الصومال ـ وغيرها ـ إلى تزايد الأسعار ومضاعفتها اكثر من تخفيض العملة (وبين ليلة وضحاها ارتفعت أسعار تذاكر الطيران والإقامة بالفنادق إلى نحو 3 أمثال …) فتخفيض العملة الوطنية عموماً لا يؤدي إلى زيادة تكلفة استيراد الضروريات، كما أن تجميد الأجور وخفض الإعانات للمستهلكين مما أضاف أعباء إضــافية على أصحاب الدخل المحدود لنقص دخولهم الحقيقية ولا يخفى ما لذلك من مساوئ اقتصادية تعيق من رفاهيتهم الاجتماعية وتؤثر على وضعهم بالنسبة للطبقات الأخرى، ومساوئ سياسية نتيجة للاضطرابات والإضرابات والقلاقل التي يمكن تتعرض لها بل وتعرضت لها دول كثيرة أخذت باقتراحات صندوق النقد الدولي ( )،

وبالنسبة إلى رفع سعر الفائدة على المدخرات المحلية بهدف زيادتها والحد من التضخم النقدي، فأن المدخرات الشخصية (أي الفردية) بسيطة في الدول الافريقية النامية فضلاً عن أن الانكماش يقع عبئه على المشروعات الوطنية التي لن تواجه فقط بارتفاع تكلفة التمويل لندرته، بل وأيضاً بارتفاع في تكلفة المستورد من راس المال (تمويل) ومعدات ومواد خام، مما قد يؤدي إلى الحد من نشاطها وإلغاء أي خطط للتوسع في إنتاجها مؤدي ذلك أن الادخار الفردي وادخار قطاع الأعمال كلاهما يتأثر سلبياً وليس بالزيادة كما يعتقد خبراء الصندوق.
إن من ينتهز هذه الفرصة هو رأس المال الأجنبي للشركات المتعددة الجنسيات، لو كانت البلاد لديها قطاع تعدين للتصدير ـ حيث يصبح مشروع استغلال الموارد التعدينية اكثر ربحا لانخفاض العملة الوطنية وبالتالي التكلفة المحلية للمشروع، بما ذلك الاداوات الحكومية، كما تنتهز هذه الشركات وغيرها الفرصة للتوسع من صادراتها لداخل البلاد حيث أن ما تدفعه البلاد نقداً أو عيناً لوارداتها اصبح اكثر من ذي قبل..
كما أن المشكلة تزداد بالقول بأن احتمال دخول رأس المال الأجنبي مستمر في البلاد إذا توافرت الشروط التي يتطلبها وهيالاستقرار السياسي وتحويل الأرباح للخارج، وتزايد الأرباح يكون لصالح المستثمر الأجنبي حيث يأخذ هو بالعملة الصعبة أما أبناء البلد فيحصلون بالعملة الوطنية0

وتجدر الإشارة هنا أن زيادة الإنتاج المحلي بسبب هذا الاستثمار لن يكون بديلاً للواردات، إذا كان قطاع التعدين هو القالب كما انه لن يكون بديلاً للواردات بنسبة 100% ولو حدث انه تم في نشاطات أخرى، والخلاصة انه من الأجل المتوسط و الطويل أن لم يحدث تحويل لرأس المال الأجنبي إلى ملكية وطنية فان مشكلة ميزان المدفوعات تتفاقم اكثر من أن تحل وهناك ما أشرنا إليه المديونية للدول الغنية للدول الافريقية طريق وعر محفوف بالمشاكل الاقتصادية الضائعة دائماً( ) .

كما أن هناك علاقة بين صندوق النقد الدولي، ومسألة الديون وإعادة هيكلتها أو إلغائها، والنسبة المئوية من المساعدات التي قررتها الدول الصناعية الثمان لدعم الدول الافريقية الناميةبالنهوض باقتصادياتها والقضاء علىالفقر، لكن أي مشروع جدي لمواجهة ظاهرة الفقر لن يكتب له النجاح ما لم يدرس حالة كل دولة على حدة، ومن ثم يتصدى ضمن مشروع إقليمي جماعي لمواجهة هده الظاهر ة. فأسباب الفقرفي الدول الافريقية النامية ليست متماثلة في كل الدول ، وقد تسببت هذه مشاكل في زعزعة الاستقرار في بعض تلك البلدان . وارتبطت كثيرمن تلك المشاكل بمشاريع التقشف التي فرضها البنك الدولي على الحكومات المعنية بالمديونية، والتي شملت رفع الدعم الحكومي علىالسلع الغذائية والإستراتيجية والوقود للتصدي لظاهرة الفقر، ومن ثم تسوية مشكلة الديون، وعدم تدويرها، بما يضاعفها ويصل بها إلى أرقام فلكية بسبب تضخم المبالغ وتضاعف نسبة الأرباح عليها.
وفي موضوع الآليات أيضا، فإن المطالبة بإعادة هيكلة الديون، هي مطلب البنك الدولي للتنمية، وينبغي أن لا يكون مطلبا للشعوب، لأن هذه الهيكلة سوف تؤدي إلى استمرار هيمنة المؤسسات المالية الدولية على الاقتصاديات المحلية، وسترهن الاستقلال والتنمية، في البلدان الافريقية النامية، وتضخ إلى خزينة الدول الغربية مبالغ طائلة من الممكن استثمارها في قضايا التنمية المحلية ، ومن جهة أخرى،فإن المطالبة بإلغاء الديون، دون تصور للمهام التنموية المرتبطة بالمرحلة التي تلي عملية الإلغاء، لن تؤدي إلى تغيير حقيقيفي المستوى المعيشي، بل ستكون أشبه بمعالجة موسمية سرعان ما يتلاشى أثرها لتعود من جديد الحاجة إلىالمديونية في دورات متعاقبة تتجه أن صعودا إلى الأعلى فرغم مصر تمكنت من الحصول على إعفاء من المديونية بلغ ما يقارب الخمسة مليارات دولار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عام 1990 ،كمكافأة لها على مشاركتها في حرب الخليج الثانية، ولكن ذلك لم يحل المشكلة بشكل نهائي، واضطرت مصر إلى العودة من جديد لصنادق التسليف الدولية لتعالج مشكلاتها المحلية ، ومن هنا فإن المطالبة بالإلغاء يجب أن يترافق مع بروز متصور عملي للخروج نهائيا من محاجر المديونية إلى عالم تنمية حقيقية وفاعلة.
النقطة الثانية، هي الموقف من المساعدات الدولية، فهذه المساعدات في الغالب ليست نزيهة، ولا ترتبط بعمليات تنموية حقيقية، وإنما هي تعبير عن الرضا على هذا النظام ا لسياسي أو ذاك ، ولذلك فهي ليست موجهة أصلا للمساعدة في بناء القدرة الذاتية، وهي في النهاية وجه آخر لتبعيةالبلدان الافريقية الناميةلاقتصاديات الدول الرأسمالية، وخضوعها لسياساتها واستراتيجياتها ، ومن هنا فإننا نلحظ تسارعا في تقديم المساعدة المالية للأنظمة الصديقة، ونأيا عن تقديم ما قررته الدول الصناعية الثمان حين لا يكون النظام السياسي القائم مواليا للدول المانحة ،

لقد فشلت جميع النماذج الاقتصادية التي تم تطبيقها في إفريقيا في تحقيق أهدافها، فالسياسات التنموية التي انتهجتها النظم السياسية الإفريقية على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية أفسحت المجال بشكل تدريجي أمام سياسات التكيف الهيكلي. ومع ذلك فإن برامج التكيف ليست دواءً سحريًا؛ حيث إن كثيراً من الدول التي طبقت تلك البرامج عانت من الكساد الاقتصادي، وتكريس وضعية التخلف وعدم الاستقرار السياسي والصراع الاجتماعي. ومع اشتداد حدة الفقر انتشرت عمليات تعاطي المخدرات والدعارة في كثير من أنحاء القارة وارتفعت معدلات الجريمة وانتشار مرض الإيدز.
لقد انتُقدت سياسات التكيف بشكل حاد في الدول الإفريقية وذلك من عدة نواحٍ:
أولها: أنه إذا كانت هذه السياسات تهدف إلى إقامة نظام اقتصادي يعتمد على السوق الحر وهو ما يتضمن تقليص دور الدولةفإن ذلك لا يتلاءم مع الواقع الإفريقي، فعملية الانتقال نحو الحرية الاقتصادية بمفهومها الرأسمالي تتطلب وجود دولة قوية وجهاز بيروقراطي كفء ونظام مصرفي فعال، وهذا ما لا يتوافر في إفريقيا.
ثانيا: فإنه على الرغم من إضفاء الطابع الفني والتقني على سياسات التكيف الهيكلي وتصويرها على أنها تخلو من أية مصالح وأهداف أيديولوجية معينة فإنه لا يخفى على أحد أن المؤسسات المالية الدولية تسعى بجهد دءوب نحو تدعيم وتعزيز نظام رأسمالي عالمي، حتى ولو كان بغير مضمون حقيقي.
وثالثًا: من الواضح أن سياسات التكيف قد أضرت إضرارًا بالغاً بالتنمية البشرية في إفريقيا، ولم تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للتكيف.
_________________________________________

 

المبحث الثاني
علاقة الصندوق بمنظمة التجارة العالمية (الجات)

وإذا أردنا أن نوازن بين بمنظمتي بريتون وودز هما : صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتعمير والتنمية ، نسبة إلى المدينة الأمريكية التي اتفق فيها على إنشاء المنظمتين المذكورتين وبين منظمة التجارة العالمية، فإننا نجد أن هاتين المنظمتين توافقان منظمة التجارة العالمية في أمور منها :
1
ـ الأهداف وبخاصة : رفع مستوى الدخل الفردي والوطني ، والعمل على زيادة التجارة العالمية وتحريرها ، وأهمية التشاور في الأمور المشتركة .
2
ـ تضع منظمة التجارة العالمية سياسات ومبادئ تطالب الدول الأعضاء بالالتزام بها تتفق في الاتجاه العام والسياسات الاقتصادية التي ينفذها الصندوق والبنك في الدول الافريقية ، وهو اتجاه الإصلاح وتحرير السياسات، وفقا لضوابط اقتصاد السوق ، وحرية التجارة ، وإعطاء الاهتمام اللازم للتصدير ، وإلغاء الدعم .

ويفترقان عنها في أمور منها ما يلي ( ) :
1
ـ نظام التصويت المعمول به في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مبني على نظام التصويت المرجح ـ كما تقدم ـ بحيث يكون لبعض البلدان أصوات أكثر من غيرها ، أما منظمة التجارة العالمية فتنص اتفاقيتها على أن اتخاذ القرارات في المنظمة يكون بتوافق الآراء ، أو أغلبية الأصوات إذا لزم الأمر ، ويكون لكل بلد صوت واحد ، ولا شك أن جعل نظام التصويت في منظمة التجارة العالمية بهذا الشكل في مصلحة البلدان الافريقية ؛ لأنه أكثر عدالة من نظام التصويت المرجح .
2
ـ في حين أن منظمتي بريتون وودز تعامل الدول المتقدمة والدول الافريقية معاملة واحدة ، فإن اتفاقية منظمة التجارة العالمية قد أعطت الدول الافريقية الأعضاء فيها ، بعض الاستثناءات التي تخفف من الآثار السيئة لفتح الأسواق وتحرير الاستيراد، تشتمل على بعض المزايا كتصدير منتجاتها إلى الدول الصناعية دون حواجز جمركية أو على الأقل جمارك منخفضة ، كما أنها تمكن الدول الأعضاء من اللجوء إلى جهاز فض المنازعات التجارية، في حالة تضررها من إحدى الدول بما فيها الدول الكبرى ، للحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها ، ويبقى الأمر المهم هو مسألة تنفيذ تلك الاستثناءات .
إلا أن الغالب أن مبادئ منظمة التجارة العالمية بشأن فتح الأسواق ، تصب في مصلحة الدول المتقدمة لا مصلحة الدول الافريقية ؛ وذلك أن منتجات الدول المتقدمة منتجات متطورة ، وذات مواصفات عالية ، ولديها قدرة تسويقية عالية ، وهو ما لا يتوافر لمنتجات الدول الافريقية.
3
ـ سياسات ومبادئ منظمة التجارة العالمية شاملة لجميع الدول الأعضاء، بخلاف سياسات منظمتي بريتون وودز وبخاصة برامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي ، فإنها لا تطبق إلا على الدول التي تحتاج إلى ذلك كالدول الافريقية .

خاتمة الدراسة
نخلص من هذا البحث إلى أن مشكلة المديونية هي المشكلة الرئيسية التي تعاني منها إفريقيا ، أن الدول الغربية عملت على السعي لزيادة تبعية هذه البلدان لها ، حيث تبين ذلك من خلال الفصل الأول بمبحثيه ، حيث تناول المبحث الأول منه مشكاة المديونية في افريقيا ، وتناول المبحث الثاني منه علاقة صندوق النقد الدولي بالدول الغربية .
كما بين هذا البحث من خلال الفصل الثاني أن هناك علاقة تربط بين نادي باريس الدي يختص بجدولة الديون المستحقة على الدول النامية ، وبين صندوق النقد الدولي الذي يعطي القروض لهذه الدول ، فبين هذا الفصل طبيعة العلاقة الرابطة بينهما ، من خلال مبحثيه ، حيث تناول المبحث الأول السياسة الإقتصادية للصندوق ، وتناول المبحث الأخر جدولة الديون الافريقية المستحقة للصندوق من خلال نادي باريس .
كما بين الفصل الثالث العلاقة التي تربط بين كل من منظمة التجارة العالمية (الجات) و البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، تجاه إفريقيا ، من خلال مبحثيه ، حيث يتناول مبحثه الأول علاقة الصندوق بالبنك الدولي تجاه افريقيا ، ويتناول مبحثه الثاني علاقة الصندوق بمنظمة التجار العالمية (الجات) .
وبناءاً على ذلك أوضحت الدراسة أن هناك توافق في سياسة صندوق النقد الدولي مع المؤسسات الاقتصادية الدولية الأخرى تجاه الدول الافريقية خلال الفترة (1989-2006) ، وعلى هذا الأساس تكون فرضية الدراسة قد أثبتت .

 

*****

 

عن مركز راشيل كوري الفلسطيني لحقوق الانسان ومتابعة العدالة الدولية »

الجمعة 20 شتنبر 2013