الاتفاق الأمريكي الروسي حول سوريا

موسكو تتخلى عن حليفها الأسد بشكل يحفظ لها ماء الوجه؟

بقلم . أندرياس تسوماخ

عن موقع صحيفة قنطرة

الاثنين 23 شتنبر 2013
هل تشكل الخطة التي أعلن عنها في جنيف وزيرا الخارجية الروسي والأمريكي لإتلاف أسلحة دمشق الكيماوية مقدمة حل سياسي في سوريا أم أن هذا الاتفاق لا يعدو عن كونه مناورة تجريها قوتان عظميان لمجرد حفظ ماء الوجه؟ أندرياس تسوماخ يحاول الإجابة على هذا التساؤل لموقع قنطرة.

الحقيقة قد تكون جزءاً من هذا وذاك. فالثابت هو أن الحكومة الروسية ساعدت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على الخروج من مأزق سياسي انجرت إليه واشنطن من خلال تهديداتها المستمرة على مدى الأسابيع الماضية بضربة عسكرية. كما يواجه الرئيس الأمريكي أيضاً رفضاً كبيراً للضربات العسكرية من قبل الشعب الأمريكي، ناهيك عن خسارة شبه محتومة في التصويت على هذه الضربات داخل الكونغرس.

لكن من جهة أخرى، فإن روسيا، ولأول مرة منذ بدء الصراع السوري، التزمت بمبادرة تهدف إلى ممارسة ضغط سياسي على حكومة الأسد.

سبب نجاح هذا الاتفاق بين موسكو وواشنطن بعد أكثر من عامين على مقاومة الأولى في مجلس الأمن الدولي هو القلق المتنامي لدى الدولتين من أسوأ الاحتمالات، وهو أن تتمزق سوريا وأن تسيطر مليشيات إسلامية متطرفة مرتبطة بتنظيم القاعدة على أجزاء واسعة من البلاد وتضع أيديها، في أسوأ الاحتمالات، على أسلحة النظام الكيماوية. هذا السيناريو يهدد المصالح المباشرة وغير المباشرة لكل من الولايات المتحدة وروسيا، سواء في سوريا أو في المنطقة بأسرها.

مفتشو الأسلحة الكيماوية التابعون للأمم المتحدة بالقرب من دمشق. رويترز

وجد مفتشو الأسلحة الكيماوية التابعون للأمم المتحدة أدلة “مقنعة وواضحة” على استخدام غاز الأعصاب “سارين” في سوريا، إذ تم استخدامه في الحادي والعشرين من أغسطس قرب دمشق عبر صواريخ أرض-أرض، استهدفت “أيضاً مدنيين ومن ضمنهم الكثير من الأطفال”.

لذلك، فإن من مصلحة روسيا والولايات المتحدة، على الرغم من التناقضات الموجودة بينهما حتى الآن، العمل على منع حدوث هذا السيناريو.

الخطوة الأولى من أجل تحقيق ذلك هي وضع الأسلحة الكيماوية السورية تحت إشراف دولي تمهيداً لإتلافها. وإذا تكللت هذه الخطوة بالنجاح فإن الفرصة قد تسنح للولايات المتحدة من أجل إقناع روسيا والقوى الإقليمية الأخرى المرتبطة بالصراع السوري بشكل غير مباشر، مثل السعودية وقطر وإيران وتركيا، بالعمل سويةً على وضع حد لحمام الدم والتفاوض على حل سياسي ينتهي بانتخابات حرة وتحت رقابة الأمم المتحدة.

وقد يصبح نظام الأسد مجرد اسم في كتب التاريخ نتيجةً لهذه الانتخابات، وهذا يعني بالنسبة لروسيا طريقة مناسبة للتخلي عن حليف سابق دون أن تخسر ماء وجهها.

مخاطر سياسية وتقنية

لكن تطبيق الخطة الروسية-الأمريكية، بدءاً بكشف حكومة الأسد عن برنامج الأسلحة الكيماوية وانتهاءً بنقل أو إتلاف جميع الأسلحة ومنشآت التصنيع بحلول منتصف سنة 2014، محفوف بمخاطر سياسية وتقنية، لاسيما بالنسبة لحكومة الأسد والثوار أيضاً.

ففي الوقت الراهن، تبدو الأمور وكأن الخطة ستواجه الفشل في مجلس الأمن الدولي، إذ طبقاً للاتفاق بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف، على مجلس الأمن تحويل هذا الاتفاق إلى قرار ملزم بحسب القانون الدولي وتكليف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية (OPCW)، التي تتخذ من لاهاي في هولاندا مقراً لها، بتطبيق القرار.

وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله. dpa

اتهم وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد باستخدام الأسلحة الكيماوية. وأضاف فيسترفيله أن “المؤشرات تدل على أن نظام الأسد يقف وراء اقتراف هذا المحظور”.

إلا أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تنوي تضمين القرار تهديداً بضربات عسكرية ضد سوريا، وهو ما يتعارض مع الاتفاق بين كيري ولافروف، الذي ينص على أنه “إذا خالف النظام السوري” قرار مراقبة الأسلحة الكيماوية وتدميرها، فإن مجلس الأمن سيتخذ “إجراءات بموجب البند السابع لميثاق الأمم المتحدة”.

هذه “المخالفة” لم تحصل حتى الآن من قبل حكومة الأسد، إلا أنها قد تقع في حال عدم تسليم كافة المعلومات المتعلقة ببرنامج الأسلحة الكيماوية لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، أو عندما تحِيد تلك المعلومات بشكل كبير عما تمتلكه أجهزة المخابرات الأمريكية والروسية من معلومات عن ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية.

أندرياس تسوماخ. DW

يعمل أندرياس تسوماخ، المولود سنة 1954، مراسلاً للأمم المتحدة في جنيف. درس تسوماخ علوم الاقتصاد والصحافة والعلوم الاجتماعية وآخر مؤلفاته هو كتاب “الحروب القادمة”، الذي صدر عن دار كيبنهاور وفيتش للنشر.

فشل مجلس الأمن في استصدار القرار المبني على الخطة الأمريكية-الروسية لنزع الأسلحة الكيماوية السورية، بسبب مطالبة ثلاث من الدول الدائمة العضوية في المجلس بإضافة الفقرة الداعية إلى التهديد بضربات عسكرية، قد يجعل الأسد يستخدم ذلك عذراً لعدم كشف كافة المعلومات المتعلقة بترسانة الأسلحة الكيماوية السورية، مما يعني “مخالفة” في التطبيق من قبل الحكومة السورية.

اللجوء إلى محكمة العدل الدولية

هل هذا السيناريو متعمد؟ تصريحات الساسة الفرنسيين الأخيرة السريعة لتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا تؤكد هذا الشك. كما أن الموقف الذي اتخذه وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله، والمتمثل في الدعوة إلى ملاحقة بشار الأسد في محكمة العدل الدولية، لا يساعد أحداً.

هذا المطلب في أساسه صحيح تماماً، إلا أن الأسد وأعضاءً آخرين في نظامه لا يجب أن يكونوا الوحيدين الذين يتوجب تقديمهم أمام محكمة العدل الدولية لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل عناصر في مجموعات الثوار أيضاً ممن اتهمهم تقرير لجنة التحقيق التابعة لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بارتكاب نفس الجرائم، وإن كان ذلك بشكل أقل مما يرتكبه جنود النظام.

ويمكن التوقع بأن يمنح مجلس الأمن الدولي خلال سنتين أو ثلاث سنوات، بموافقة روسيا أو امتناعها عن التصويت على الأقل، تفويضاً لمحكمة العدل الدولية بملاحقة سوريين (هذا التفويض مهم، لأن سوريا ليست عضواً في محكمة العدل الدولية حتى الآن).

لكن حتى الآن، يبدو وكأنه لا يمكن التخلي عن الأسد، وذلك بسبب تنفيذ الخطة المتعلقة بإتلاف الأسلحة الكيماوية في سوريا وربما للتفاوض معه ضمن مؤتمر جنيف 2، وأخيراً ربما كطرف محتمل في حكومة انتقالية لحين إجراء الانتخابات التي ستخضع لمراقبة الأمم المتحدة.

ضحايا نظام الأسد لا يطيقون هذا السيناريو، وهو أمر يمكن تفهمه. لكن من يسعَ إلى وقف الحرب الدموية في سوريا وإيجاد حل سياسي للصراع يتوجب عليه تجرّع هذا الكأس المرّ.

أندرياس تسوماخ

ترجمة: ياسر أبو معيلق

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2013