المغرب.. الإستراتيجية ‘الدينية’ تعزز عودته أفريقيا

مركز تكوين مرشدين تحتضنه الرباط سيشارك فيه أئمة من مالي مساهمة من المملكة في تعزيز الأمن الروحي في بلد عانى من الإرهاب.

العرب  [نُشر في 23/09/2013، 

**************

عن موقع صحيفة العرب

الاثنين 23 شتنبر 2013

 

مركز تكوين مرشدين تحتضنه الرباط سيشارك فيه أئمة من مالي مساهمة من المملكة في عزيز الأمن الروحي في بلد عانى من الإرهاب.

الرباط- تعزيز النهج الوسطي للإسلام مقابل نبذ التكفير والغلـــوّ في الدين، تلك هي أبـــعاد إستراتيجية جديدة، حرص المغرب على تبنّيها في علاقاته الأفريقية بدءا من مالي…

من المنتظر أن يستقبل مركز تكوين المرشدين المغربي بالرباط قريبا، الفوج الأول من 500 إمام مالي، وذلك من ضمن 5 أفواج سيشارك أفرادها في دورات تدريبيّة تدوم عامين لكل فوج منها.

وكان المغرب، بالنظر إلى تجربته في مجال التكوين الديني، قد وقّع اتفاقية مع دولة مالي، تهدف إلى تكوين 500 من أئمتها، للمساهمة في تعزيز الأمن الروحي في مالي لمواجهة ما يشهده من تهديدات التطرف الديني.

ويؤكّد الكاتب والباحث المغربي في الشأن الديني إدريس الكنبوري، في تصريح لموقع «هسبريس»، أنّ توقيع الاتفاق بين المغرب ومالي «يندرج ضمن السياسة الأفريقية الجديدة للمغرب، حيث انخرط المغرب بشكل قوي ومبكر في الأزمة المالية العام الماضي بين المتمردين والنظام، وهو ما شكل في وقته عملا طموحا لأجل العودة إلى الساحة الأفريقية بعد غياب طويل».

وقال الكنبوري إنّ هذا التوجّه «يؤكد رغبة المغرب في تكريس حضوره الديني بالقارة، خاصة أنّ هناك عناصر اشتراك كثيرة بين البلدين، فطوال التاريخ كانت هناك علاقات قويّة بين المغرب ومالي وتمبوكتو بوجه خاص»، مشيرا في هذا الخصوص أنّه كانت هناك منذ القرن التاسع عشر «حركة علمية بين البلدين تمثلت في الرحلات والرحلات المعاكسة التي كان يقوم بها علماء البلدين لتحصيل العلم».

كما أوضح المحلل المغربي بأنّ العلاقات بين المغرب ومالي «اتسمت أيضا بالامتداد الصوفي، من خلال انتشار الطريقة التيجانية في البلدين، والامتداد الفقهي الممثل في الفقه المالكي»، فضلا عن كون «الفقه المالكي عُرف بأنّه فقه التسامح والتعايش، ولذلك انتشر في الأندلس ولقي ترحيبا هناك لأنّ الأندلسيين وجدوا فيه الفقه الأنسب للتعايش مع مختلف الطوائف، والأكثر بعدا عن التشدد بسبب أخذه بمبدإ المصلحة».

وفي نطاق إنجاح هذه «الإستراتيجية الدينيّة» يريد المغرب، على حدّ تعبير إدريس الكنبوري، أن «ينقل هذا النموذج إلى أفريقيا عبر مالي، التي تعتبر البيئة الأنسب للأسباب سالفة الذكر، وأن يعطي رسالة إلى بلدان المنطقة والعالم بأنّه يتصدّر معركة التصدّي للتطرّف الديني والتشدّد في القارة السمراء».

ومع ذلك، فإنّ هذا التوجه يُعدّ أيضا «إستراتيجية يُراد من ورائها الردّ على الدولة الجزائرية التي لا تكفّ عن مناكفة المغرب في الشأن الديني، سواء في أوروبا وخاصة فرنسا حيث مسجد باريس، أو في أفريقيا حيث للبلدين معا مصالح متناقضة»، حسب تأكيد الكنبوري.

وفي هذا السياق بالذات، كان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد أعرب، في خطابه لدى حضوره حفل تنصيب الرئيس المالي المنتخب إبراهيم أبوبكر كيتا، عن الأسف لكون بعض الدول والأطراف لا تعمل إلّا على الهدم والتخريب في الوقت الذي تختار فيه دول أخرى نهج البناء وإعادة الإعمار.

ولا يخفى أنّ هناك خشية من استمرار ظاهرة الغلوّ الديني في مالي، وهو ما أوجب التحرّك لمحاصرتها لاسيما وأن المغرب ومالي يتقاسمان نفس الرصيد الثقافي والروحي منذ قرون، وخاصة الإسلام السنّي المالكي الذي ينبذ التكفير والغلوّ في الدين.

وفي هذا الاتّجاه أكّد الملك محمد السادس، أنّ «أيّ مبادرة دوليّة يتمّ التنسيق بشأنها، دون إيلاء البعد الثقافي والعقائدي الأهمية التي يستحقها، سيكون مصيرها الفشل. فالشراكة التي تعتزم المملكة المغربية عرضها، من أجل إعادة بناء مالي، ماديا ومعنويا، تندرج تماما ضمن هذا التوجّه، ذلك أنّ ترميم مخلفات التخريب المادي ومعالجة الجروح المعنوية يتطلب إعادة بناء الأضرحة، وإصلاح وترميم المخطوطات وحفظها، وإنعاش الحياة الاجتماعية والثقافية».

يُذكر أنّ مركز تكوين المرشدين بالرباط، الذي ستُعهد إليه مهام تكوين الأئمة الماليين، يؤمّن التكوين للمرشدين في هذا المجال ليشرفوا بعد التخرّج على مساجد المغرب وعدد من مؤسساته الاجتماعية.

وقد جاءت هذه التجربة المغربية في سياق إستراتيجية المملكة المغربية لرعاية الحقل الديني وإعادة هيكلته منذ 2004، عقب التفجيرات الإرهابية التي جدّت بالدار البيضاء في مايو 2003.