المآل الديمقراطي للأنظمة السياسية في العالم العربي والحاجة إلى توضيح منطق الإصلاح في الإستراتيجيات الغربية

الحسين بوخرطة

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الاربعاء 2 اكتوبر 2013

في بداية هذا المقال، وتناغما مع ما سبق أن نشرته في موضوع «الربيع العربي» ومآل التطورات السياسية في دول المشرق العربي ودول شمال إفريقيا، أود أن أشير إلى أن منطق وطبيعة التفاعلات السياسية في المنطقة وارتباطاتها بالتفاعلات الدولية ترجح اليوم فرضية دخول الشعوب العربية مرحلة سياسية جديدة، مرحلة يجب أن تتوج بتثبيت المرور إلى مرحلة الديمقراطية المؤسسة على الحرية بشقيها السياسي والاقتصادي والحقوقي. مبرراتنا في الدفع بهذه الفرضية كثيرة نذكر منها على الخصوص مبررين أساسيين:
المبرر الأول: بعد حل الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، لم يعد في اعتقادي هناك ما قد يثير التخوفات الإيديولوجية للولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص والغرب بشكل عام. لم يعد الصراع الإيديولوجي ما بين الشيوعية والرأسمالية يتصدر الواجهات الإعلامية كما كان في السابق. لقد وقع تحول ثقافي إيديولوجي شامل أبرز بشكل ملموس ميولات الشعوب بمختلف ثقافاتها إلى الاقتناع بالمرجعية الإيديولوجية التي ترتكز على مبدأ «الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج». وفي نفس الوقت، عاش العالم تراجعا كبيرا للتيارات التي لا زالت تؤمن بإمكانية الرجوع إلى نظام «الملكية العامة لوسائل الإنتاج». المعسكر الغربي لم يصل إلى تثبيت مرجعيته الإيديولوجية بالصدفة، بل وصل إلى ذلك عبر مسار معرفي طويل بمراحل مدروسة ودقيقة بنى من خلالها منظومته القابلة للتطور باستمرار. لقد أعاد خبراء الغرب قراءاتهم للفكر الماركسي بتمعن، خصوصا كتاب الرأسمال للمفكر معجزة القرن العشرين، وعملوا على هدم مرتكزاته في الحياة الملموسة للشعوب. لقد استثمرت الحكومات الغربية كل إمكانياتها في التكنولوجيا إلى درجة لم تعد منظومة الإنتاج تحتاج إلى الألوف من العمال، والمعامل الضخمة. لقد تم الاستغناء على قوة العمل الجسدي ليحل محلها «الروبو» أو ما قد يمكن أن نسميه «الإنسان الآلي» والطاقات العمالية المؤهلة. لقد استثمرت في البحث العلمي كذلك إلى أن أصبح أساس عدد كبير من المنتوجات الصناعية مواد أولية مصنعة، وبالتالي تبخيس القيمة التبادلية للمواد الأولية الطبيعية والمعدنية. وعلى المستوى المؤسساتي، جاء في خطابات أمريكا منذ التسعينات حرصها على بناء مجتمع دولي بثقافة الإنسان العالمي وبمؤسسات دولية حيث أخضعت تدبير الأمم المتحدة إلى منطق المنتصر. وعلى هذا الأساس أسست المنظمة العالمية للتجارة التي باشرت منذ تأسيسها سنة 1994 بمراكش مسلسل المفاوضات ودعم مطالب التأهيل من أجل تحرير القطاعات الاقتصادية والأسواق في كل دول العالم تقريبا، وأعطت عناية خاصة لصندوق النقد الدولي لمد الدول ذات العجز في الميزانية وفي ميزان الأداء بالعملة الصعبة للاستمرار في الوفاء بالتزاماتها السياسية والاقتصادية الدولية، ووجهت أنشطة البنك الدولي إلى محاربة الفقر والتهميش. كما ركزت في استراتيجياتها على تحويل اهتمام الشعوب وأنشطتها الاقتصادية من القطاعين الأول والثاني (الفلاحة والصناعة) إلى القطاع الثالث (التجارة والخدمات) إلى درجة أصبح هذا الأخير يساهم بما يقارب 70 بالمائة في الدخل العالمي الخام، وتمكنت بذلك من تقوية مكانة المادة الرمادية في مسلسل الإنتاج على حساب القوة الجسمانية، وبالتالي حرمان المنظمات النقابية من قوتها العمالية. وهناك إجراءات وترتيبات أخرى سنعود إليها في مقالات لاحقة.
المبرر الثاني: القطب المنافس للغرب، والذي تمثله الصين وروسيا والهند، عاد إلى ساحة المنافسة بمرجعية جديدة أساسها في العمق يتجه نحو الحرية السياسية والاقتصادية (تجديد تفاعلي للفكر الاشتراكي). فهذه الدول المنافسة أصبحت اليوم «لاعبا» ممتازا يؤثر على موازين القوى الاقتصادية في الأسواق العالمية. إنه وضع جديد جعل أوباما، كرئيس منتخب للمرة الثانية في أمريكا، لا يلجأ إلى المغامرة في العلاقات والملفات والأزمات الدولية لأنه يعلم أن أمريكا لم تعد القوة السياسية والاقتصادية الوحيدة في العالم. لقد أبان هذا الرئيس عن حذر شديد في تدبيره للملف السوري كنموذج واضعا في الحسبان مصداقية أمريكا الدولية. لقد جمع بين الدبلوماسية والتهديد باستخدام القوة، ووفر الظروف لدفع روسيا إلى إعلان اقتراحها الأخير في إطار صفقة روسية أمريكية سيكون لها لا محالة تداعيات على المنطقة على المستوى القريب والمتوسط والبعيد. لقد اعتبر المتتبعون هذه الصفقة بمثابة مخرج عجائزي سيمكن المنتظم الدولي من تحقيق التقدم في حل الملف السوري والمرور إلى مرحلة بناء الدولة الديمقراطية المدنية بدون الأسد طبعا (الأهم عند روسيا هو استمرار النظام السوري كطرف في الحكم ولو بدون بشار)، ومكن أوباما من التخلص من إمكانية حدوث هزيمة محتملة في الكونغرس، وفتح له الباب لإمكانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران حول برنامجها النووي. كما أحدثت هذه الصفقة تفاعلات جديدة غير اعتيادية وطرحت أسئلة جديدة حول مآل التطورات السياسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لقد تمكن أوباما من خلال هذه الصفقة من الاستجابة للغالبية العظمى من الشعب الأمريكي التي عبرت عن رفضها للضربة العسكرية لسوريا. الأكيد في هذه النقطة أن البيت الأبيض قرر السير في هذا المسلك بإستراتيجية محكمة مستحضرا التداعيات المحتملة لمواقف كل من اللوبي الصهيوني في الكونغرس، ومواقف الأنظمة السنية وعلى رأسها السعودية وقطر، وغصب إسرائيل من النجاح الدبلوماسي الإيراني. لقد دخلت إيران إلى ساحة المفاوضات بقوة حيث جاء في خطابات روحاني عبارات ساحرة وذكية استطاع من خلاله كسب نوع من الثقة على المستوى الدولي. لقد قال أن أي جريمة ضد الإنسانية، ومن بينها المحرقة، تستحق الاستنكار والتنديد…وأن اتخاذ جرائم النازية ضد اليهود كذريعة لا يمكن أن تكون مبررا للاستيطان وسلب التراب من أصحابه… كما اعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية «ابارتهايد» أو تمييز عنصري وانتهاك لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية معتنقا بذلك مواقف منظمة التحرير الفلسطينية.
في نفس السياق، جاء خطاب الرئيس الروسي مطابقا لكلام روحاني حينما وقف في خطابه الأخير عند امتلاك الكيان الصهيوني لترسانة نووية كبيرة تهدد أمن المنطقة.
ولكي لا أطيل على القارئ، وأترك له المجال للتأمل في المنطق السياسي للقوى العظمى في العالم، سأختم هذا المقال بخلاصتين أعتبرهما بمثابة فرضيات محتملة لمآل التطورات السياسية في بلداننا العربية والمغاربية من الخليج إلى المحيط:
الخلاصة الأولى: لقد أبانت التفاعلات الدولية في شأن التطورات السياسية في العالم العربي أن هناك تحولا في منطق السياسة الأمريكية. فالتطورات الأخيرة في الملف السوري جعلتني أفترض وكأن هناك التقائية أمريكية روسية حول بعض الأهداف والتي قد يكون من بيتها العمل على إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، والدفع بالدول العربية، الخليجية على الخصوص، إلى الدخول إلى مرحلة بناء دول ديمقراطية مدنية منفتحة لا اعتراض لها على مبدأ حركية السلع والخدمات ورؤوس الأموال، وتوفير الشروط الضرورية للدفع بمفاوضات التطبيع علنا إلى الأمام إلى درجة تندثر فيها النزعات العرقية والعقائدية (عرب، فرس، يهود، أقباط، أكراد، إسلام، يهودية، مسيحية، سنة، شيعة،…). إنه السبيل الوحيد بالنسبة للقوى العظمى لضمان الأمن والسلم في المنطقة والحيلولة دون وقوع الدمار الشامل التي قد يحدثه أي استهداف صاروخي محتمل للمفاعلات النووية الإسرائيلية.
الخلاصة الثانية: هناك إرهاصات تؤكد وكأن أمريكا تستعد لتغيير منطق تعاملها مع شعوب المنطقة، تغيير أساسه اقتناع مفترض ببروز وعي شعبي عربي بربط الديمقراطية بالتنوير الثقافي. وبذلك، لا استبعد اقتناع أمريكا بالابتعاد عن ربط الإصلاح الوهمي بالإفساد والاستبداد السلطوي والعقائدي والإرباك وطمس الطريق الحقيقي للإصلاح السياسي المرتبط بالتحديث الثقافي. لقد تأكد لأمريكا، من خلال تطورات الربيع العربي، أن الإصلاح لا يمكن أن يأتي من الخارج، بل الانطلاقة الحقيقية لمساره يجب أن تكون مطلبا وحاجة للقوى الداخلية. وهنا أعتقد أن تثبيت الديمقراطية، كمرادف لحكم الشعب بالشعب المرسخ للتناوب والتداول السياسي على الحكم، ودعم مسار التنوير الثقافي للشعوب، سيمكن لا محالة من ترسيخ التنافس السياسي الإيديولوجي السليم داخل البلد الواحد بين التيارات الليبرالية المدعمة للرأسمال بكل أشكاله والتيارات الاشتراكية الديمقراطية التي تربط التقدم في كل المجالات بالتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية (النضال المستمر من أجل رفع عتبة العيش إلى مستوى تحقيق الكرامة البشرية بالشكل الذي يضفي على المنافسة ما بعدها نوع من الموضوعية). إن النجاح في هذا المشروع المحتمل قد يكون الهدف من ورائه هو خلق تجمع جهوي عربي في المستقبل يكون أساسه تقوية سيادة الدول القطرية والتعاون الاقتصادي فيما بينها.
الخلية الولائية للتواصل بولاية أمن الدارالبيضاء أكدت واقعة التخدير والتشرد والتحريض على الفساد من خلال ما أسمته بـ«بيان حقيقة» تم تحريره أول أمس الاثنين 30 شتنبر، وأشارت إلى ما تطرق إليه المقال من ان « الفتاة ولدى خروجها من المؤسسة التي تتابع فيها دراستها بزنقة عمر الريفي وشارع المقاومة التابع لدائرة مرس السلطان، اقترب منها شخص متشرد في حالة تخدير وطلب من الفتاة القاصر أن تربط معه علاقة صداقة بعد تحريضها، وذلك حسب ما جاء في اقوال الضحية عند الاستماع إليها بالدائرة المعنية من طرف الموظفة المكلفة بخلية العنف، والتي حاولت التخفيف من حالة الخوف والذعر التي أصيبت بها الضحية التي فرت أثناء الحادثة هاربة، وصادف ذلك مرور سيارة النجدة التي طاردت المعني بالأمر وتمكنت من إيقافه بأحد الأزقة المجاورة وأحالته على الدائرة المعنية، والتي بعد استشارة النيابة العامة أمرت بوضعه تحت الحراسة النظرية وتقديمه إلى العدالة من اجل التخدير والتشرد والتحريض على الفساد»، حيث تحدث البيان عن كون المقال كان فيه تضخيم لوقائع النازلة من واقعة التعريف، لكنه أغفل أنه تمت الاشارة إلى الرواية الرسمية وتحديد طبيعة الاعتداء التي سجلت دون مغالاة !؟

2/10/2013