في الحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ الحركة الاتحادية

بقلم *كمال الهشومي

الرباط . اكتوبر 2013

منذ مدة ووفق محطات عديدة ومناسبات مختلفة، بين فترة وأخرى، حين تطفو بعض الخلافات السياسية أو الأيديولوجية سواء بين معسكرين مختلفين فكريا ومرجعيا أو حتى فيما بين نفس الاتجاهات الإيديولوجية أو فيما بين نفس المكونات الحزبية وحتى وسط نفس الحزب، إلا ويطل علينا أحدهم الذي منح وسام الأقدمية أو النضالية وإن لم تكن له  أي صفة، اللهم صفة الزمن الغير الثابت بطبيعته الذي جعل منه بحكم قانون الطبيعة طاعنا في السن يحكي مذكراته للأجيال الصاعدة اليوم، إذ يصور نفسه المناضل الشجاع والبطل، المحب والوفي لبلده، لوطنه ولملكه، رغم أن كل الأحداث والواقع التي وقعت إلى وقت قريب تتبث انتمائه إلى معسكر الانقلابيين ومنتهكي الحريات وإبادة المناضلين أو مجرمي الحق العام أو حتى خائنا. يأتي اليوم بعدما عمر طويلا في هذا الزمن الخبيث بسلبياته وقذارته ليملأ صفحات من صفحات الجرائد التي لا هم لها إلا عدد المبيعات وقيمة الاشهارات التي ترتفع من مداخل هذا الكائن الإعلامي دون الانتباه إلى حمولة الكلام المنشور على صفحاتها والذي يؤطر جيل بكامله اليوم في مسيرة بناء المغرب الديمقراطي، فبعد تراهات الحكومة الجديدة التي تنكرت لكل التضحيات الجسام الصادقة لرجال الحركة الوطنية ولأحزاب هذه الحركة، باعتبار أن مغرب الأحلام مغرب الديمقراطية ومحاربة الفساد والمعقولية ابتدأ معهم، والانتقال الديمقراطي هم من ضحى من أجله وخبرائهم من هندسوه، حتى نصادف بدورنا بعض السخافات البشرية التي تطعن في مصداقية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه بحسن السلوك والانضباط لحمل قضية شعب بأكمله، وضبط المسيرة النضالية خدمة للمواطن المغربي ولرفاهيته ولجعله ككائن بشري كامل الكرامة وبالحقوق، والأقبح من ذلك أن يتم وصف هؤلاء المجاهدين المناضلين أيام العز النضالي وأيام عز الاستبداد والقمع والحكرة، بكونهم من أعوان المخزن وأذنابه، متوهمين أن ذاكرة المغاربة قصيرة وأنه يسهل صياغة سخافات ليتم تصديقها من طرف الأجيال اللاحقة، غريب وأن من يجرح في مصداقية ونزاهة هؤلاء المناضلين الشرفاء من مصدر من اكتوو بسوطه وظلمه وجبروته بكل أنواع التعذيب والذل، من جنرالات وكومندارات وكابتانات وغيرهم ممن ترقى وكوفئ لحسن إبداعه في قمع مسيرة عمالية أو اعتقاله وتعذيبه لمناضل، أو اغتصابه لمناضلة وتشريده لعائلة أو لدسه قنبلة لتقدمي أو تشويه صمعة يساري …. إلى غير ذلك من الجرائم البشرية التي ارتكبت في حق المناضلين التقدميين أيام سنوات الجمر والظلام، ذنبهم أنهم أرادوا أن يكون بناء المغرب الحديث بعد الاستقلال بناءا ديمقراطيا يقوم على أساس قدسية حق المواطن المغربي في الاختيار وتوزيع الثروات وفي الحرية وفي الكرامة والعدالة الاجتماعية.

لكن اللوم اليوم ليس لهؤلاء المتبجحين الذي لا قيمة إنسانية لهم لأن إنسانيتهم انتفت وقت قبولهم بمهنة التصفية والقتل والتشويه والاعتقال والاغتصاب والربح الغير المشروع والفساد بكل أنواعه منذ زمن، بل اللوم كل اللوم يتوجه إلى هؤلاء القيادات السياسية الحقيقية المناضلة التاريخية التي يتكلم تاريخها الحقيقي على نزاهة مسيرتها وصدقية نضالها وعفة ذمتها وبراءتها، فالأجيال المتلاحقة في حاجة إلى معرفة تاريخ الأجيال السابقة لها وهو نوع من النضال الراهن، فلا يوجد أي مرجع تاريخي عليه إجماع يحكي تاريخ الحركة الاتحادية كجزء من امتداد تاريخ الحركة الوطنية، وهو التاريخ الذي شكل موضوع اهتمام وطني خصوصا لإرتباطه بأحداث و تساؤلات الحاضر، و نظرا لطبيعة المرحلة الإنتقالية التي عاشها المغرب ولازال، فلا بد من فتح الصدور والتكلم على المكنون بعيدا عن التحفظات والاحراجات التي يمكن أن تسببها الحقيقة التاريخية، وهي خدمة جوهرية إذ لا يمكن أن نصور أنفسنا فقط بأننا أصحاب حق وأصحاب قضية، لا بد من الانفتاح على المجتمع المغربي عبر مختلف فئاته والبوح بماذا وقع في تاريخ بلادنا، بايجابياته بل وبسلبياته، بنجاحاته وبإخفاقاته، سواء على المستوى السياسي أو التنظيمي، سواء أثناء حصول التوافقات والاتفاقات أو أثناء الصراعات والاختلافات،وتسمية الأمور بمسمياتها حتى يتعض شباب اليوم من أخطاء الماضي ويعتزوا بصمود ومقاومة المناضلين رغم المغريات واشبع أساليب التعذيب والتهديد، وذلك برؤية حديثة ومن زوايا عدة، من أجل سبر أغوار وخبايا الحقائق، رؤية تأريخية تقرأ ما بين السطور، تبسط تفاصيل الأحداث قراءة وتحليلا لمحاولة كتابة تاريخ أقرب إلى الحقيقة وأبعد عن دوائر المصالح الضيقة ولغة الانتهازية والولاءات والحسابات الضيقة ، وأكثر دقة وموضوعية، مع ما يتطلب من حياد واعتماد المناهج والتقنيات العلمية، حتى يتم المساهمة في صنع تاريخ شعب المغرب وحركته الديمقراطية كما هو، لا كما يصاغ في المخابر والغرف الخلفية، تاريخ يقرأ اليوم ويستشهد به غدا، ولصنع مرآة الحقيقة لمن يكتب ومن يقرأ ومن ينشر، فالأمة لا تعرف ماضيها لا تستطيع صناعة مستقبلها.

إن التاريخ كما يقال ليس أعمى فهو يعرف من يكتب فلا يكتب إلا العظماء الذين كانت لهم بصمة في هذه الحياة،هؤلاء العظماء هم الذين يخلد التاريخ ذكره، ولذلك فان الهدف الأساسي من إعادة كتابة ودراسة تاريخ الحركة الاتحادية من طرف من أسسوها وناضلو على استمراريتها ومن خلالها، بغية تتبع و رصد المراحل التاريخية التأسيسية خاصة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كأحد الأحزاب الوطنية التي لعبت دورا أساسيا و فعالا في الحياة السياسية المغربية خلال فترة ما بعد الاستقلال، والتي أكيد ما زالت تحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة لاستيعاب وفهم التحولات البنيوية العميقة التي عاشها الحقل السياسي الحزبي في المغرب، كتجربة حزبية غنية بصمت بشكل جلي التاريخ السياسي المغربي الراهن 

*باحث في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية