على هامش اللقاء الخاص مع رئيس الحكومة : حقا إن فاقد الشيء لا يعطيه

محمد إنفي

الانطباع الذي يتركه السيد»عبد الإله بنكيران»، عقب كل لقاء خاص يجبر عليه قناتي التلفزيون الوطنيتين، إعدادا وبثا، بدعوى توضيح وتفسير دواعي قراراته إلى المواطنين من خلال رده على أسئلة الصحافيين ، هو أن الرجل يأتي إلى البرنامج، وهدفه ليس الحوار والتفاعل مع أسئلة الصحافيين، بقدر ما هو محاولة تمرير خطاب المنولوج، ذي الحمولة الدعائية، في قالب حواري مغشوش شكلا ومضمونا. وهذا الانطباع يتركه عند الصحافيين الذين يتم اختيارهم لمحاورته وعند كثير من متتبعي البرنامج. ويكفي المرء، ليتأكد من ذلك، أن يلاحظ ردود فعله على أسئلة الصحافيين التي لا تروقه أو الملاحظات التي تريد أن تجعله يتقيد بموضوع السؤال. وهي ردود فعل غالبا ما تكون متشنجة وغاضبة واستفزازية. وبما أن الرجل هو في حملة انتخابية دائمة، فكل مناسبة هي ليست لتوضيح الرؤيا وتقديم الحلول الممكنة للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤرق مضجع المواطن، بل هي مناسبة للتبجح، افتراءا طبعا، بقبول الشعب لقراراته وسعادة هذا الشعب بتلك القرارات التي تلقى منه الدعم والمساندة، إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع (أو كما يقول إخواننا المصريون: «لا إيودي ولا إيجيج»). وبهذا، يعطي السيد رئيس الحكومة الدليل تلو الآخر بأنه ليس الشخص المطلوب في مثل هذه الظروف العصيبة التي تجتازها البلاد وليس الشخص المناسب في المكان المناسب، سواء في مثل هذه الظروف أو غيرها. لقد أثبت بالملموس بأنه ليس رجل دولة، وإنما هو رجل «المخزن»، لا أقل ولا أكثر. وشتان بين المفهومين. ويظهر ذلك سواء من خلال نظرته للأشياء وتصوره للعمل الحكومي أو من خلال تعامله مع من يفترض فيهم أنهم، دستوريا، شركاء وليسوا أعداء، وإن كانوا ينتمون للمعارضة، سواء كانت مؤسساتية أو غير مؤسساتية؛ وسواء كانوا من نساء ورجال السياسة أو من نساء ورجال الصحافة والإعلام. لقد أكد السيد «بنكيران»، من خلال النسخة الثانية لحكومته، بأن ما يهمه، بالدرجة الأولى، هو إنقاذ الحكومة وليس إنقاذ البلاد. لذلك لجأ، من جهة، إلى أسلوب الترضيات، مما جعل عدد الوزراء يقفز من 31 إلى 39 وزيرا في عز الأزمة التي تتخبط فيها البلاد؛ ومن جهة أخرى، وفي تنكر تام لمواقف الأمس، خَطَبَ وُد من كان بالأمس القريب رمزا للفساد و خطا أحمر، يحرم تجاوزه. وبما أن ردود فعل الرأي العام تجاه النسخة الجديدة لحكومته، كانت، في الغالب، سلبية، كما عكست ذلك الصحافة الصادرة في اليوم الموالي لتعيينها، فقد بادر إلى محاولة التخفيف من خيبة الأمل التي أحدثها الإعلان عن الحكومة الجديدة، وذلك بالعمل على ترويج صورة غير حقيقية عن الحكومة ومكوناتها وعن المعارضة وأنشطتها، من خلال برنامج تلفيزيوني خاص. وقد أبان، خلال البرنامج، عن محدودية صبره وضيق صدره من أي خطاب معارض، أو خطاب نقدي؛ بل حتى من الأسئلة التي تستوضحه حول بعض القضايا. وبمعنى آخر، فهو لا يطيق أن يخالفه أحد في الرأي ولا أن توضع عليه أسئلة تقتضي التوضيح. ففي «الحوار» الذي نحن بصدده، كان يثور في وجه الصحافي بمجرد ما يلمس في سؤاله ما يوحي بأنه لا يسير في الاتجاه الذي يريده، فيقاطع وبتهم ويرغي ويزبد… بطريقة، فيها كثير من أساليب الإرهاب الفكري، بالإضافة إلى كونه ينزع إلى احتكار الكلمة واحتقار الصحافيين. ومما استرعى انتباهي، في ذلك اللقاء الخاص (الأحد 13 أكتوبر 2013)، هو الحضور القوي لـ»حميد شباط» في خطاب «بنكيران»؛ فقد تردد اسمه في كثير من الفقرات، مما جعل منه إحدى «التيمات» الأساسية في ذلك البرنامج (وربما هذا ما حدا بقيادة حزب الاستقلال التقدم بطلب حق الرد إلى «الهاكا»). وقد يكون لهذا التركيز على «شباط» أهمية كبيرة عند المحللين النفسانيين لفهم شخصية «بنكيران»، خصوصا وأن الصحافة قد سبقت إلى عقد مقارنات بينهما؛ كما وضعت لهما «بورتريهات»، في الغالب ساخرة، تبز أن الرجلين هما من طينة واحدة. إننا ننتظر نتيجة التحليل النفسي، علها تسعفنا في فهم شخصية رئيس حكومتنا.
لقد عزا «بنكيران» أسباب انفراط عقد الأغلبية السابقة كلها إلى حليفه السابق، ولم يشر، لا من قريب ولا من بعيد، إلى أخطائه هو كرئيس للأغلبية، بينما يعرف الخاص والعام بأنه كان يتصرف ليس كرئيس أغلبية، بل كرئيس حزب أغلبي، يعطي لنفسه حق التصرف وحق اتخاذ القرارات دون الرجوع إلى حلفائه. وقد ارتكب خطأ فادحا عندما تجاهل مطالب القيادة الجديدة لحزب الاستقلال ( أقول القيادة الجديدة والتي لا تعني الأمين العام للحزب وحده)؛ تلك المطالب التي لم تكن تتجاوز تعديلا حكوميا جزئيا ومراجعة طفيفة لميثاق الأغلبية؛ وهي مطالب بسيطة جدا بالمقارنة مع التنازلات الكبيرة التي قدمها لحليفه الجديد الذي كان بالأمس القريب عدوه اللدود؛ مما يعني عدم قدرة رئيس الحكومة ويده اليمنى وعقله المدبر السيد «عبد الله باها» وكل قيادة العدالة والتنمية، على استقراء الواقع المحيط بهم وعدم القدرة على إدراك طبيعة المتغيرات من حولهم، مع العجز التام على استشراف المستقبل؛ بينما يتفننون في أسلوب التعالي والعجرفة الذي هو سلاح الضعفاء. وكم كان سخيفا ومضحكا أن يتحدث السيد «عبد الله باها» (العلبة السوداء لـ»بنكيران» وعقله الذي يفكر به وعينه التي يرى بها كل شيء)، عقب استقالة وزراء حزب الاستقلال، عن الابتلاء، وكأن حزب العدالة والتنمية مكلف برسالة ربانية، وليس بتدبير الشأن العام بناء على ما أسفرت عليه صناديق الاقتراع التي جعلها ما اصطلح على تسميته بـ»الربيع العربي»، تتعاطف مع أصحاف اللحى. ولولا خوفي من أن أبدو أقل احتراما للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي (الذي أكن له كل الاحترام والتقدير)، نظرا للفرق الشاسع بين الرجلين، لعقدت مقارنة بين ما حدث لـ»ليوسفي» وما حدث لـ»بنكيران» مع نفس الحليف الذي هو حزب الاستقلال، بعد مرور تقريبا نفس المدة من عمر الحكومة. فعبد «الرحمان اليوسفي» قام بتعديل حكومي بعد نهاية السنة الأولى من توليه قيادة الحكومة، وذلك بناء على رغبة حليفه في الكتلة الديمقراطية وفي الحكومة، آنذاك. فبمجرد ما توصل الوزير الأول بمذكرة من حزب الاستقلال تنتقد الأداء في بعض القطاعات، بادر إلى المشاورات لتعديل الحكومة (تجدر الإشارة إلى أن الأغلبية كانت مكونة آنذاك من سبعة أحزاب؛ في حين اليوم هي مكونة من أربعة أحزاب فقط). وكان التعديل، وتكلف الأمين العام لحزب الاستقلال بملف التشغيل بدل «عليوة»، نظرا لتركيز مذكرة الحزب على ذلك القطاع؛ والبقية معروفة. أما «بنكيران»، فقد تجاهل مطالب حزب الاستقلال. وقد كان لهذا التجاهل ثمن سياسي باهض، يتمثل، من جهة، في الأزمة السياسية والحكومية التي عمرت شهورا، مع ما يعنيه ذلك من تأثير على المجال الاقتصادي والاجتماعي؛ كما أن له تداعيات على الحزب الأغلبي نفسه الذي يعيش، حاليا، غليانا غير مسبوق بسبب التشكيلة الحكومية الجديدة.
حقا، إن فاقد الشيء لا يعطيه؛ ولن يفلح السيد «بنكيران» في إخفاء ضعفه البين بالاختباء وراء الملك. فحديثه، بمناسبة وبدون مناسبة، عن علاقته بالملك، دليل على عدم قدرة الرجل على التمييز بين المؤسسات واختصاصاتها، وبين المقامات وتبعاتها… ولا شك أن كل الديمقراطيين يتحسرون، الآن، على الدستور الجديد الذي يحتاج، في تفعيله، إلى رجل ديمقراطي، فكرا وممارسة، وليس إلى رئيس حكومة يريد أن يلغي دور الصحافة في المراقبة والمساءلة.

…عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 10/22/2013