الديمقراطية والربيع العربي

مصطفى خُـلال

جرى ويجري الحديث كثيرا كثيرا في ما يسمى بلدان الجنوب، ومن ضمنها المغرب ، عن الديمقراطية كنظام سياسي واختيار اقتصادي واجتماعي. واستمر ذلك عقودا طويلة . ومع كثرة الحديث هذه ومختلف المحاولات للخروج من مختلف الأنفاق التي أدت إليها مسلكيات القوى الرافضة للديمقراطية، والمحاولات المضادة للتصدي لأعداء الاختيار الديمقراطي… بدا في لحظات عديدة أن الديمقراطية أصبحت المصير الذي لن تقدر أية قوة مهما كانت أساليبها نافذة، وأيا كانت سطوة إمكانياتها ، على إلغائه . ومع حدث الربيع العربي، تقوى الحلم أكثر وأصبح الإيمان بإمكانية تحققه متمكنا أكثر من القول والنفوس.
لكن وفي أول اختبار للقوى الجديدة – القديمة التي أوصلها الربيع العربي إلى السلطة ، تلكأت قوى الإسلام السياسي في تونس التي يحكمها «حزب النهضة» الأصولي وهي تتعامل مع من يختلفون معها في الاختيارات الايديولوجية، وفي الموقف من علاقة الدين بممارسة السلطة، تلكأت في تطبيق أبسط شروط التفاعل الديمقراطي مع المختلفين معها . وفي مصر انتهى المسار بالرئيس المنتخب ديمقراطيا، محمد مرسي، إلى الالتفاف على النهج التشاركي لوضع دستور يكون موضوع مساهمة جماعية تسهم فيه جميع الأطراف السياسية . هكذا استفرد بكل شيء بما في ذلك وضع القانون الأسمى الذي من المفروض أن يٌطبق على كل المصريين. أما في المغرب فإن كل الجديد الذي عمل ويعمل رئيس الحكومة المنتخب ديمقراطيا، فهو الاستغناء شبه الكلي عن الدستور الذي كان من النتائج المباشرة للربيع المشار إليه . كان من المفروض ديمقراطيا ألا يُلْجَأَ إلى القيام بتعديل حكومي من خارج الأغلبية التي حدثت داخلها الأزمة الحكومية . لكن الذي جرى هو العكس تماما ، أي اللجوء إلى معارضي التصريح الحكومي وبرنامج الحكومة والمصوتين ضده من أجل ترميم حكومة بما يتعارض وانسجامها الضروري. لقد حدثت خيانة الدستور الجديد، دستور فرضه الربيع العربي فجأة وعلى غفلة، من التاريخ ، منذ اللحظات الأولى لتعيين ثم لتنصيب الحكومة، ذلك أن عددا من الوزارات والوزراء غير قابلين للمحاسبة ، لأنهم لا يمثلون هيئات موضوعة أمام أعين ومحاسبة الشعب . ولأن اللاديمقراطية لا تكتفي بتنازل واحد، فإن رئيس الحكومة، ما دام لم يعر أي اهتمام للأمر في البداية ، بداية حكومته الأولى ، فقد أتبع التنازل الأول بتنازل جديد تمثل في تطعيم حكومته بمزيد من المعارضين لبرنامجه، وبمزيد من التكنوقراطيين غير الخاضعين للمحاسبة. وليس هذا سوى تجسيد بسيط للتنازل الأكبر والذي تلخصه عملية التخلي المدروسة عن كل الصلاحيات التي حددها الدستور الجديد . وعلى هذا النحو وجد المغاربة أنفسهم أمام ممارسات لا دستورية عديدة لا يتسع المجال لتعدادها . وهو ما يمثل رفضا حقيقيا للتجديد الذي جاءت به حركة الربيع العربي . هكذا، وعوض الاحتفاء بهذه الحركة ، يتم الانتقام منها شكلا ومضمونا . والحق أنه استخفاف بحركة التاريخ، وانتقام من كل ما يرمز إليه تاريخها . والنتيجة أن النهج اللا- ديمقراطي لرئيس الحكومة قاده إلى قبول ما هو أقسى وأثمن وأغلى في ما يرجع لمجمل المطالب التي تقدمت بها هيأة سياسية كانت حليفته في الأغلبية الأولى .
نتعرف في التاريخ الكوني للبشرية على نتائج لهذه المسلكيات تكتسي خطورة سلبية بالغة تلحق شديد الأذى بمصالح الشعوب، ذلك أن الثمن الذي تؤديه الشعوب من وقتها أولا ، وثراء خبراتها في مواجهة كبريات التحديات التي تعترض نموها وتقدمها ثانيا ، ومقدراتها المالية ثالثا يكون دائما، في مثل هذه الأحوال، باهظا جدا . وهي تؤدي هذا الثمن الباهظ نتيجة لتلاعب مسؤولين عنها بروح الدساتير التي تصوت عليها، وهو التلاعب الذي يعلي من النهج التسلطي المتنكر لطموحات الشعوب في أن تحيا حياة ديمقراطية، وذلك لسبب وحيد ، وَلَكَمْ هو قاصر وصغير جدا جدا ، وذلك لأنه لا يستجيب لشيء آخر غير نزعة التفرد بالقرارات . لقد أثبتت التجربة قساوة المصائر السوداء التي تكون من أقدار بعض الشعوب نتيجة الالتفاف المتأني والذي يتم تصريفه قطرة قطرة في غفلة من الشعب على الخيار الديمقراطي والاستهزاء المتخفي به . ومما يزيد الأمور استفحالا وعوض الانتصار لقيم الديمقراطية، يتم ترسيخ أفاعيل النزعة الدعوية التي ترتكز على منطق امتلاك الحق المطلق و»البركة» ، والاعتقاد في اختيار القوة الربانية للشخص الداعية الذي تصبح له فضائل مُتوًهًمَة يتم الاعتقاد فيها على نحو إيماني – ديني من قبل الأتباع . وهو ما قد يسهم في تأخر الديمقراطية ومكوثها في درجة الصفر من الحركة والوجود . هل هذا هو المآل الذي ُيرادُ لدستور 25 نونبر 2011 بالمغرب ؟. كل المؤشرات مع الطبعة الحكومية الأولى وطبعتها الثانية ،العجائبية ، تؤكد مع الأسف هذا الأمر.

10/23/2013 …عن جريدة الاتحاد الاشنراكي