الخلاف بين الرياض وواشنطن.. هل يهدم تحالفهما الاستراتيجي…

تركي الفيصل: إدارة أوباما تساعد بشار على ذبح شعبه. والأميركيون رفضوا تزويد الرياض بمواقع الضربة المحتملة ضد الأسد.

 

عن صحيفة العرب 

[نُشر في 24/10/2013، العدد: 9358

لندن – لم تفض محاولات الإدارة الأميركية لامتصاص غضب السعودية إلى أي نتيجة، كما أن جهود كيري وتصريحاته لم تقنع السعوديين بإعادة الحرارة إلى العلاقات الثنائية التي قد يمتد التوتر فيها ليمس أهم مجالين؛ أي التعاون العسكري وملف النفط.

يأتي هذا فيما تواصل شخصيات سعودية بارزة توجيه نقد لاذع لإدارة أوباما بخصوص سياساتها الشرق أوسطية ومحاولتها بناء تحالفات جديدة دون مراعاة مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

وسيطرت حالة من التوتر غير مسبوقة على العلاقات بين البلدين، التي شكلت حجر الزاوية في الارتباط الوثيق بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية، مرتكزة على الاحتياطات النفطية العملاقة لدى السعودية، والتعاون العسكري الوثيق بين الطرفين.

وفي الوقت الذي علقت فيه واشنطن جزءا من المساعدات العسكرية للقاهرة اعتبره مراقبون انحيازا أميركيا للإخوان الذين أطاحت بهم ثورة الثلاثين من يونيو، أصدرت السعودية وعودا بتقديم منح مالية للسلطات المصرية الجديدة، تفوق بكثير حجم المساعدات الأميركية لها.

وهي رسالة اعتبرها مراقبون “تحديا سعوديا” لمنطق الاستفراد الأميركي بمصير المنطقة.

بالتوازي، تحاول الولايات المتحدة مد خطوط الاتصال مع طهران في خطوة مثيرة للاستغراب حتى في الداخل الأميركي، لأنها تضع مصالح واشنطن بالمنطقة على كف عفريت، وتهدد بخسارة حلفائها التقليديين، خاصة بعد أن تراجع أوباما عن توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري.

وسخر الأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات العامة السعودية السابق في واشنطن من سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ووصفها “بتحركات يرثى لها” في الوقت الذي تهكم فيه على الاتفاق الأميركي- الروسي حول نزع أسلحة النظام السوري الكيميائية.

وأضاف الفيصل: “مسرحية وضع ترسانة السلاح الكيميائي السوري تحت الإشراف الدولي كانت مضحكة للغاية إن لم تكن مثيرة للسخرية بشكل واضح ومصنوعة بطريقة لا تمنح السيد أوباما فرص التراجع (عن العمل العسكري) فحسب بل تساعد الأسد على ذبح شعبه، إذا ظننتم أن كلمات (وزير الخارجية) جون كيري، التي سمحت لروسيا بالتحرك كانت زلة لسان، فأنتم لا تعرفون شيئا.”

ورأى الفيصل أن منع الأسد من استخدام آلة القتل بما في ذلك ضرب سلاحه الجوي ومراكز السيطرة العسكرية، “هي الطريقة الوحيدة التي تسمح بالتوصل إلى اتفاق سلمي عبر التفاوض”. وتوجه إلى القيادة الأميركية بالقول: “لماذا تراجعتم عن وعدكم بدعم المعارضة السورية بالسلاح بعد الوعود التي قطعها علنا كيري وأوباما؟ لماذا تدلون بهذه التصريحات التي لا تجلب إلا السرور للمجرمين؟”

ولعقود اعتمدت العلاقات بين الطرفين على معادلة بسيطة ترتكز على أن: توفر الولايات المتحدة الحماية للسعودية من تقلبات المنطقة الشرسة، في مقابل أن تستمر الرياض في لعب دور شريان الحياة للاقتصاد العالمي من خلال ضخ النفط، ومليارات الدولارات في خزينة واشنطن مقابل السلاح الأميركي.

لكن فشل الولايات المتحدة في لعب دور مؤثر في قضايا، تمثل تهديدا مباشرا لأمن المملكة بالنسبة للسعوديين، أثار تساؤلات عدة في الرياض حول أهمية الحفاظ على هذه المعادلة المتحكمة في العلاقات بين البلدين، وبدا السعوديون يفكرون في إعادة ترتيب علاقاتهم وفق مصالحهم الاستراتيجية.

غير أن الانتقادات السعودية للسياسات الأميركية في سوريا ما لبثت أن أتت بثمارها في مؤتمر لندن الأخير، الذي جمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ونظراءه من الدول الداعمة للمعارضة السورية، وخرج في الأخير بقرار هذه الدول “تقديم الدعم المباشر لفصائل المعارضة الأكثر اعتدالا، وتحييد الراديكاليين عن المشهد”.

لكن يبدو أن الأمر أعمق من الملفات الظاهرة على السطح، ففي تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، بدا أن الولايات المتحدة تعمدت أن تبقي على السعوديين بعيدا عن القضايا التي طالما شهدت تعاونا وثيقا بين الجانبين.

وكشف مصدر سعودي مسؤول عن أن السعوديين طلبوا من الجانب الأميركي إمدادهم بالخطط العسكرية الأميركية فيما يتعلق بتأمين منابع النفط في الإقليم الشرقي للسعودية، تحسبا لأي رد فعل قد يصدر عن الأسد.

لكن المسؤولين في الرياض فوجئوا برد الأميركيين على طلبهم بأن “السفن الأميركية لن يكون بمقدورها تأمين أية أبار للنفط في المملكة”. فيما جاء الرد السعودي بأن الرياض كانت منفتحة على الشراكة الدفاعية الطويلة بين البلدين، لكنها ترى الآن أن من حقها “البحث عن صفــقات جــديدة للأسلحة، وبأسعار مناســبة، أيا كان المصــدر”.

وفي تصريح صادر عن دبلوماسي غربي قال فيه إن السعوديين كانوا يطمحون في المشاركة بالضربة العسكرية الأميركية التي كانت الولايات المتحدة تخطط لتوجيهها إلى نظام الأسد، وطلب مسؤولون عسكريون سعوديون قائمة بالمواقع التي تخطط واشنطن لاستهدافها داخل سوريا، ورغم انتظارهم لتلك القائمة لفترة طويلة، لكن لم يصلهم أي رد من قبل الأميركيين.

لكن مسؤولا سعوديا رفيع المستوى صرح في الوقت نفسه بأن التوقعات بحدوث شرخ عميق في العلاقات الأميركية- السعودية مبالغ فيها “لأن ذلك من شأنه أن يحدث اهتزازا عنيفا للاستقرار في أسعار النفط العالمية، وفيما يتعلق بقضايا مكافحة الإرهاب”، وهو ما ترجم في إعلان وزارة الدفاع الأميركيــة الأسبوع الماضي عــن صفقـــة جديدة للأسلحــة بلغت 10.8 مليار دولار للسعودية والإمارات.