البيان العام الصادر عن أشغال الدورة الرابعة للمجلس الوطني لحزب الاستقلال

 

عقد المجلس الوطني لحزب الاستقلال طيلة يوم السبت 26 أكتوبر 2013 بالدار البيضاء وتحديدا بمركب جمعية التضامن والتعاون والمساعدة الاجتماعية التابع للاتحاد العام للشغالين بالمغرب دورته العادية الرابعة، وفي ضوء العرض السياسي الهام الذي ألقاه الأمين العام للحزب الأستاذ حميد شباط، وبعد الإنصات للعروض الهامة التي تطرقت إلى الاستعدادات الجارية للاحتفاء بالذكرى الثمانين لإحداث كتلة العمل الوطني التي تعتبر النواة الأولى لميلاد حزب الاستقلال، وإلى المراحل التي وصلت إليها الدراسة الاستشرافية للعمل السياسي خلال العشرية المقبلة 2024/2014، وتبعا للمناقشة العامة التي جرت في أجواء الديموقراطية والمكاشفة والصراحة والتي تميزت بالمسؤولية وعكست نضج الاستقلاليات والاستقلاليين، فإن المجلس الوطني للحزب وبعد تثمينه لمضامين العرض السياسي الهام للأخ الأمين العام، وبعد التعبير عن الامتنان والتقدير لمسؤولي الحزب بولاية الدار البيضاء وفي مقدمتهم الأخت ياسمينة بادو منسقة الحزب بجهة الدار البيضاء، يصدر البيان العام التالي الذي قرر تسميته ببيان الحي المحمدي الذي احتضن أشغال المجلس لما لهذا الحي من رمزية خالدة في ذاكرة الشعب المغربي.
إن المجلس الوطني لحزب الاستقلال الذي انعقدت دورته الرابعة تزامنا مع أحداث وازنة وظروف دقيقة تعيشها بلادنا بسبب التطورات الإقليمية وتداعيات المستجدات في منطقة شمال إفريقيا وفي حوض البحر الأبيض المتوسط.
إن حزب الاستقلال الذي يستحضر بهذه المناسبة أهمية هذه الظروف ويستشعر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في سبيل أن تنجح بلادنا في تجاوز هذه المرحلة الدقيقة بأقل التكاليف، ويؤكد في ضوء ذلك أن نجاح الشعب المغربي بقيادة جلالة الملك محمد السادس في مواجهة المتغيرات الكبيرة والتي هزت أنظمة وأدخلت بلدانا في مصائر مفتوحة على المجهول، في إطار نموذج متفرد حقق التغيير العميق في إطار الاستقرار الثابت، إن هذا النموذج من المنطقي أن يظل محط اهتمام ومتابعة من طرف الأصدقاء والخصوم، بعضهم يدعم تسريع إنجازات المسار وبعضهم الآخر لن يدخر جهدا في التشويش والعرقلة.
إن قضية وحدتنا الترابية كانت دوما في عمق هذا الفهم، ولذلك فإن الجهود الجبارة التي بذلت والأموال الطائلة التي صرفت، لم يكن كل هذا من أجل سواد عيون من اتخذوا رهائن لتصفية حسابات سياسية ورهانات خاطئة على سيادة علاقات دولية وإقليمية معينة، بل حصل كل ذلك في محاولة يائسة وبئيسة لاستهداف المغرب في وحدته واستقراره وأمنه وآمال شعبه المشروعة في العيش الكريم.
بذلك كله وغيره كثير، فإن حزب الاستقلال يجدد بهذه المناسبة مواقفه الثابتة في هذا الصدد، مؤكدا لمن لايزال في حاجة إلى التأكيد أن ملف أقاليمنا الجنوبية أغلق بصفة نهائية بعد عودة هذه الأقاليم إلى حظيرة الوطن، وأن الرهان معقود الآن على تسريع وتيرة التنمية في هذه الأقاليم والتجاوب مع حاجيات المواطنين هناك، ويؤكد أن أية معالجة أممية تخرج عن هذا الإطار مصيرها الفشل، بل إن حزب الاستقلال يعتبر اليوم أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب يمثل صيغة مقبولة تحفظ ماء وجه من راهن على وهم الانفصال.
إن الاستقلاليين والاستقلاليات يعربون في هذا الصدد عن قلقهم الشديد والكبير إزاء التلكؤ الحاصل لحد الآن فيما يتعلق بتفعيل الجهوية الموسعة انطلاقا من هذه الأقاليم الغالية بما يمثل تمرينا ناجحا للحكم الذاتي، إن مواطنينا في هذه المنطقة ينتظرون إشراكا فعليا في تدبير الشؤون العامة. وبهذه المناسبة يوجه حزب الاستقلال تحية تقدير وإجلال لجميع أفراد قواتنا المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية على التضحيات الجسام التي يقدمونها من أجل الذود عن وحدة الوطن وأمنه واستقراره ويعبر المجلس الوطني عن اعتزاز الاستقلاليين والاستقلاليات بنضالات المنتخبين الاستقلاليين بهذه الأقاليم وبأداء جميع أعضاء الحزب بها.
ويلح المجلس الوطني في المطالبة بإعطاء الأهمية المستحقة للعمل السياسي والحقوقي والنقابي والثقافي في هذه الربوع بما يضمن اشراكا حقيقيا لكافة شرائح الشعب المغربي هناك وبما يحقق تكاملا في الأدوار والمهام، ويطالب من جهة ثانية بتعبئة الجهود اللازمة لتفعيل الديبلوماسية الرسمية والموازية ليس فقط للتصدي لأعداء وحدتنا الترابية بل أيضا لضمان فهم طبيعي وعادل للرأي العام لحقنا المشروع في الوحدة والنمو.
إن حزب الاستقلال كان سباقا إلى طرح المقاربة الحقوقية الحديثة، وسخر جهوده للنضال من أجل فرضها وسيادتها، لذلك لاينتظر دروسا في هذا الصدد من أحد، أي كان، ولذلك فإن المجلس الوطني يؤكد اليوم أن ما تقوم به بعض المجموعات في أقاليمنا الجنوبية من تحريك لعوامل الفتنة لايمت بصلة لحقوق الإنسان، إن الأمر يتعلق بجماعات تمارس نشاطها بالمال المشبوه من أموال الشعب الجزائري المقهور بما يخدم أجندات خارجية محضة. إن الحالة لاتتعلق بممارسة الحريات كما تحاول بعض الجهات إلباس هذا العمل، بل إن حقيقة الأمور تؤكد أن نشاط هذه المجموعة مرتبط أشد الارتباط بمخطط خارجي، وحتى وإن تستر أفراد هذه الجماعات في الادعاء بأن الإقليم لايزال محط نزاع في الأمم المتحدة، فإن ذلك يعني أولا وأخيرا الكف عن القيام بأي عمل إلى أن تحسم الأمم المتحدة في هذا النزاع المفتعل.
وإننا في حزب الاستقلال نوضح اليوم أن ممارسة الحقوق في هذه الأقاليم لايجب أن تختلف في شيء عن ممارستها في باقي أرجاء الوطن، بما يعني أن الحريات الفردية والجماعية مضمونة بقوة القانون، وأن أي مساس بها يعرض صاحبها للمساءلة القانونية، لكن أي تجاوز أو توظيف مشبوه لها يجب التعامل معه بكل ما يلزم من صرامة وحزم.
وإننا في حزب الاستقلال ندعو بهذه المناسبة إلى إبداء حسن نية من طرف السلطات العمومية في محاولة لتوفير شروط جديدة، ونقترح أن يتم تجسيد ذلك بإطلاق سراح المعتقلين على خلفية أحداث معينة، وفي مقدمتهم معتقلي أحداث أكديم إزيك.
كما يطالب المجلس الوطني لحزب الاستقلال السلطات المغربية بتقديم طلب استرجاع الأقاليم الجنوبية الشرقية المغربية المغتصبة من طرف الجزائر خصوصا تندوف وكولمب بشار والقنادسة وتدكلت وأيضا أقاليمنا الشمالية من سبتة ومليلية والجزر الجعفرية إلى اللجنة الرابعة للأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار.
إن الدورة الرابعة للمجلس الوطني لحزب الاستقلال تكون الدورة الأولى بعد انسحاب الحزب من حكومة بن كيران تنفيذا للقرار التاريخي الذي اتخذه المجلس الوطني للحزب في دورته الثالثة التي انعقدت في 11 ماي 2013 بالرباط، ويسجل المجلس الوطني أن هذا القرار الهام كان له الفضل في إخراج المتن الدستوري من حالة الجمود ونقله إلى فضاءات النقاش العمومي في مختلف المواقع والمنابر السياسية والحقوقية والأكاديمية والفكرية والإعلامية. وبغض النظر عن الخلفيات والمراجع فإن هذا النقاش العمومي الهام مثل تربة صالحة يجب استثمارها لضمان تنزيل الدستور.
والمجلس الوطني للحزب يؤكد اليوم أن قيادة الحزب أجادت في تدبير تنفيذ هذا القرار بداية من إعمال الفصل 42 من الدستور وصولا إلى تقديم المذكرة التاريخية لجلالة الملك وانتهاء بإعمال الفصل 47، الذي أخرس الألسنة الملتوية، وينتظر المجلس الوطني للحزب اليوم من الذين شككوا في مصداقية القرار وأطلقوا العنان للمغالطة أن يتقدموا باعتذار علني ليس لحزب الاستقلال الذي اعتقدوا أنهم أساؤوا إليه ولكن إلى الشعب المغربي الذي احتقروا ذكاءه، ومن حيث الموضوع، فإن المجلس الوطني يؤكد بهذه المناسبة أن قرار الانسحاب كان ضروريا ويجد مبرراته فيما راكمته التجربة السابقة من أخطاء كبيرة بسبب التدبير السيء والمسيء لرئيس الحكومة والذي كان الانفراد بالقرارات والتسلط في التسيير والتعتيم على الحقائق أبرز عناوينه. وإن قرار الانسحاب كان إعلانا عن الانسحاب من رؤية ضيقة، انتهازية، ومن خطاب غارق في الشعبوية.
واليوم يؤكد المجلس الوطني أن الحزب لن يدخر جهدا في القيام بمعارضة وطنية، بناءة ، صادقة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار وتتغيا السمو بالممارسة السياسية في بلادنا، كما يؤكد أنه سيتصدى بما يجب ويلزم لكل ما من شأنه الدفع بالتجربة نحو الانفلات والتوظيف المشبوه.
إن الحكومة في طبعتها الثانية أفرغت الخطاب الأخلاقي المفترى عليه من محتواه وجعلت رئيس الحكومة وأتباعه في الحزب الحاكم في مواجهة ما أشهروه من منـظومة طويلة من الشعارات الرنانة، إنهم اليوم في حالة خصام وعداوة مع أنفسهم، وبذلك أتيحت للرأي العام فرصة تاريخية مثلت قياسا لصدق النوايا المعلنة في الأمس.
وأكدت الحقيقة الثابتة، الكرسي ثم الكرسي وبعدي الطوفان.
وليس غريبا أن تصر الحكومة على استهداف القدرة الشرائية للمواطنين، فرئيس الحكومة طبع مع من كان يعتبره بالأمس القريب فسادا، لكنه اليوم قد يكون يمثل له صمام أمان للمضي بسرعة نحو اتخاذ قرارات لا شعبية، وإن مجمل هذه القرارات تفضح عجز الحكومة عن إبداع الحلول للإشكاليات الموجودة، والفرق بين رجل السياسة المحنك والمتطفل على الممارسة السياسية هو قياس درجة ومستوى وطبيعة هذا الإبداع.
إن مشروع القانون المالي لسنة 2014 الذي أعدته الحكومة ، ولا ندري أية حكومة وقد تكون حكومة الوقت الميت أثناء الولادة القيصرية ، العويصة لحكومة التسعة وثلاثين وزيرا احتمى في الرؤية التقنوقراطية الضيقة، التي تضع المؤشرات الاجتماعية في خدمة المؤشرات الاقتصادية والمالية، بحيث يصبح فرض الضرائب وتجميد الأجور وتغييب الحوار الاجتماعي وتعطيل الترقية وسائل مشروعة لتحسين مداخيل الخزينة العمومية. قانون مالي ينكص الوعود ويكشف أن ما رفع من شعارات خلال الحملة الانتخابية لم يكن غير وسيلة لاستمالة الناخبين من خلال الكذب والتضليل، ويفضح من جديد إخلال الحكومة بالتزاماتها المتضمنة في برامجها الانتخابية التي تمثل دفتر تحملات وتعاقدات ملزمة للحكومة، وأن أي إخلال بها يعني استقالة علنية عما خوله الناخبون لمن تولى تدبير الشؤون العامة.
وإن المجلس الوطني لحزب الاستقلال ينتهز هذه الفرصة ليعبر عن تضامنه المطلق مع جميع الاحتجاجات الاجتماعية والفئوية المشروعة، فهو مساند لغضب المحامين ومتفهم لقلق الموثقين والعدول، ويدعم لنضالات تنسيقيات المعطلين من حملة الشهادات العليا وغيرهم، ومساند لتذمر ذوي الاحتياجات الخاصة، ومتبني لجميع الأشكال الاحتجاجية المعبر عنها في العديد من المناطق خصوصا في تارجيست. ويعلن الحزب دعمه اللامشروط لنضالات ساكنة هذه المدينة التي تعاني أبشع أنواع الظلم والتهميش، كما أن المجلس يعبر باسم جميع الاستقلاليين عن مساندة نضالات الطبقة الشغيلة المشروعة، ويلح في المطالب في التجاوب مع هذه النضالات.
إن حزب الاستقلال الذي اختار الاصطفاف مع الأغلبية الشعبية مصر اليوم على مواجهة جميع محاولات الانحراف والانزلاق التي تتخذ من الخطاب الديني الشعبوي مطية ومن التسلط منهاجا للتدبير، ويعلن الحزب أنه وباصطفاف إلى جانب القوى الديمقراطية خصوصا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سيكون حاجزا منيعا لصيانة المكاسب وتعزيزها وسيكون وسيلة تمكن الجسد المغربي من أن ينفث بعض السموم بداخله.