هل بين مثقفينا العرب من يملك شجاعة فولتير؟

 

المد الظلامي الذي يسعى إلى إغراق المجتمعات العربية في الاستبداد والفتن، يحتاج إلى ظهور فولتير جديد ليواجه المتطرفين من مختلف الأديان.

 

عن صحيفة العرب 

حسّونة المصباحي [نُشر في 28/10/2013، العدد: 9362،

 

فولتير مفكر التزم بقضة التنوير الفكري

بين وقت وآخر تخصّص كبريات المجلات الفرنسيّة ملفّا خاصّا لواحد من فلاسفة الأنوار على غرار فولتير وروسو وديدرو. وعادة ما تكون تلك الملفّات رابطة بين أفكار هؤلاء، وبين القضايا السّاخنة التي يعيشها العالم راهنا، فلسفيّة كانت أو سياسيّة أو اجتماعيّة أو غير ذلك. وفي أحد أعدادها الأخيرة احتفت الأسبوعيّة الفرنسيّة المرموقة “لونوفال أوبسارفتور” بفولتير “السّاخط”، و”الغاضب”.

ركزت “لونوفال أوبسارفتور” في احتفائها بفولتير على القضايا الأساسية التي شغلته، وبها انشغل خلال مسيرته الفكرية، والإبداعية مثل العلاقة بين الدين والدولة، والتّسامح، والعدالة، والاستبداد، وطغيان الكنيسة، وغير ذلك من القضايا التي لا تزال قائمة إلى يوم النّاس هذا. وجميع الذين شاركوا في الملف المذكور من مفكّرين، وكتّاب كانوا متّفقين على أن صاحب “الرسائل الفلسفية”، و”كانديد” هو أوّل فيلسوف، وأول مثقف يمكن وصفه بـ”الملتزم”.

الكتابة والفعل

يتجلى التزام فولتير في كونه سخّر قلمه، وأفكاره، وأدبه للدّفاع بقوّة عن المظلومين، وعن المعارضين للاستبداد، وعن المضطهدين من قبل الكنيسة، والرّافضين لهيمنتها وطغيانها، وبسبب ذلك سجن أكثر من مرّة، وأجبر على العيش في المنافي، والفرار إلى ألمانيا طلبا للحماية من فريديرك الكبير، وإلى بريطانيا ليكتب “الرسائل الفلسفيّة” التي ستدينها الكنيسة، وتمنع القرّاء من تداولها، وكان يقول “أنا أكتب لأفعل”.

وفي مقدّمة الملفّ المذكور، أشار لوران جوفرين إلى أن هناك قضايا راهنة ما كان فولتير ليصمت عنها، وعنها يصرف قلمه وفكره، ومن بينها قضيّة عائشة إبراهيم، الفتاة الصّوماليّة البالغة من العمر 13 عاما، والتي اغتصبها ثلاثة رجال، غير أنّ الإسلاميّين اتهموها بـ”الزّنا” ثمّ وضعوها في حفرة بملعب رياضي، لترجم بالحجارة حتى الموت. وما كان فولتير ليصمت عن المشروع الإسرائيلي “المناقض للعقل والمنطق” حسب تعبير لوران جوفرين، والمتمثّل في بناء معبد يهودي في ساحة المسجد الأقصى، إذ أن مشروعا كهذا سيكون بمثابة صبّ المزيد من الزيت على حرائق ملتهبة منذ عقود طويلة، مغرقا المنطقة مجدّدا في العنف، والتزمّت، والحروب الدينيّة.

ولو كان فولتير على قيد الحياة لواجه بشجاعته المعهودة المتطرفين من مختلف الأديان، ولأدان تعصّبهم، ونوازعهم الإجراميّة، ولردّ عليهم بجملته الشهيرة: “المصلحة في أن أؤمن بشيء ما ليست الحجّة في أن هذا الشيء موجود، وبإمكانكم أن تقولوا لي بأنكم على استعداد لمنحي إمبراطوريّة العالم لو أنني اعتقدت أنكم على حقّ، غير أنني لن أصدقكم ما دمتم لم تقّدموا الدليل الملموس على أنكم على حق”.

ضد التزمت

في هذه المرحلة التي نعيش فيها نحن العرب مخاضا عسيرا من أجل الحريّة، والكرامة، ومن أجل مستقبل أفضل لشعوبنا، وفيها نواجه مخاطر جسيمة ناجمة عن التعصّب، والتطرف الأعمى، والتزمتّ القاتل، يحقّ لنا أن نسأل: “هل عندنا، راهنا، مفكرون ومثقفون يشبهون قولا وفعلا فولتير؟”، وقبل الإجابة عن السؤال المذكور علينا أن نشير إلى أن حركة النهضة العربيّة عرفت مثقفين، ومفكرين أفذاذا لعبوا أدوارا مهمّة للغاية في يقظة الشعوب العربيّة، وفي المعارك التي خاضتها ضدّ الاستبداد، والجهل، والتخلّف، والتزمّت الديني بمختلف أشكاله، وأنواعه، وكان المفكر السّوري المرموق عبد الرحمن الكواكبي من أبرز هؤلاء، ومن أكثرهم فهما للتاريخ العربي، وللواقع في تضاريسه الأشدّ تعقيدا في المجال السياسي بالخصوص، وكان كتابه “طبائع الاستبداد” أثرا رائعا في رصد أسباب الاستبداد في البلاد العربيّة، مبرزا بالخصوص أنه، أي الاستبداد، سبب انحطاط أمّة العرب، وسبب كلّ المحن، وكلّ الكوارث التي حلّت بها في الماضي، وفي الحاضر، وجميع طبائع الاستبداد التي أشار إليها الكواكبي في كتابه المذكور تنطبق على الأنظمة التي عصفت بها الانتفاضات التي شهدتها العديد من البلدان العربيّة خلال العامين الأخيرين.

وفي مصر، خاض كتّاب، ومفكّرون بارزون من أمثال رفاعة الطهطاوي، وعبدالله النديم، ومحمد عبده، وطه حسين، وقاسم أمين، وسلامة موسى، ولطفي السيّد، وغيرهم معارك ضارية من أجل تنوير العقول، وفتح بصائر الأفراد والجماعات على مظاهر التمدّن، والحضارة في الغرب، كما أنهم انتقدوا التّعصّب الديني والعقائدي، ودافعوا عن قيم التسامح، والانفتاح، وغير ذلك من القيم الإنسانيّة النبيلة، وكذا كان الحال في جلّ البلدان العربيّة الأخرى حيث لعب كتاب، ومفكرون، وشعراء من أمثال الشابي والطاهر الحداد في تونس، والرصافي والزهاوي في العراق، وشبلي شميل في بلاد الشام، وغيرهم أدورا لا تختلف عن الدور الذي لعبه زملاؤهم في مصر.

الزحف الأصفر

وخلال الخمسين سنة الماضية، وبسبب حملات القمع، والترهيب التي شنتها ضدّهم الأنظمة “الوطنيّة “، فقد المثقفون والمفكرون العرب المكانة والوجاهة اللّتين كانوا يتمتّعون بهما في زمن النضالات الوطنيّة من أجل التحررّ والاستقلال ليجدوا أنفسهم في النهاية مجبرين على العيش في المنافي، مقطوعين عن واقعهم، أو مكبّلين بالسلاسل في السجون، أو مهمّشين، أو خدما طيّعين للأنظمة القائمة.

وهذا ما يفسّر غيابهم عند اندلاع الانتفاضات الشعبيّة في تونس، ومصر، واليمن، وليبيا، وقد استغلّ الأصوليّون، والمتطرفون، والمتشدّدون دينيّا هذا الفراغ الهائل ليفرضوا وجودهم في الفضاءات الاجتماعيّة، وفي المساجد، وفي المدارس، والجامعات لنشر أفكارهم الظلاميّة المتخلّفة بدعوى “نصرة الإسلام والمسلمين”.

وقد يؤدّي هذا “الزّحف الأصفر” إلى إغراق المجتمعات العربيّة في أشكال جديدة من الاستبداد، والطغيان، وفي المزيد من الفتن، والنّزاعات الطائفيّة، والقبلية، وبذلك ينطفئ النّور الذي جاءت به انتفاضات “الحرية والكرامة ” ليسود الظلام من جديد. ولن يعطّل هذا المشروع المرعب غير استفاقة جديدة للمثقّفين، والمفكرين تمكّنهم من استعادة دورهم في التنوير، وفي مساعدة شعوبهم على محاربة كلّ أشكال الطغيان، والظّلم، والتخلّف، والتزمت، والجهل.. فهل يتحقّق الأمل، ويظهر من جديد في عالمنا العربي من تكون لهم شجاعة فولتير، وفكره النيّر، والتزامه بالدفاع المستميت عن قضايا الحرية، والعدالة؟