مأزق مجلس الأمن:
أبعاد ودلالات التوتر في العلاقات السعودية- الأمريكية

عرض: طارق راشد عليان، باحث في العلوم السياسية

عن صحيفة السياسة الدولية 

30اكتوبر 2013

أثار قرار السعودية برفض شغل مقعد مجلس الأمن الدولي جدلا حول دوافع القرار وتداعياته، لاسيما أنه عكس رسالة غير مباشرة حول توتر العلاقات بين واشنطن والرياض، على خلفية الخلافات حول ملفات رئيسية في منطقة الشرق الأوسط كمصر، وسوريا، وإيران ، وهو ما دفع المحللين والمختصين ومراكز الأبحاث إلى تسليط الضوء على بواعث القلق السعودي من الإضطرابات الإقليمية، ومدى تأثير ذلك فى علاقاتها مع الولايات المتحدة.

أسباب الخلاف السعودي- الأمريكي:

اجتهد روبرت فيسك في تفسير أسباب الخلاف بين السعودية والولايات المتحدة. وقال فيسك في تحليل بعنوان”المملكة العربية السعودية وأمريكا: حقيقة الشقاق” في صحيفة الإندبندنت: “إن رفض السعودية غير المسبوق لمقعد مجلس الأمن لا يتصل فقط بسوريا، ولكنه رد على التهديد الإيراني”. وربط روبرت فيسك بين هذا الموقف والصراع الشيعي- السني، قائلًا إن الخلاف بين السُنّة والشيعة له تداعيات عالمية، مضيفًا أن موقف السعودية، من مجلس الأمن يعبر عن الخوف من استجابة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لمبادرات إيران الرامية إلى تحسين العلاقات مع الغرب.

ويعتقد فيسك أن تغيير النظام في سوريا، وعدم تمكين إيران من امتلاك سلاح نووي سوف يعزز نفوذ السعودية. ويقول:” إصرار كيري على ضرورة تخلي الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه عن السلطة يعني أن حكومة سُنيّة سوف تنصَّب في سوريا. كما أن رغبته في نزع سلاح إيران، رغم أن تهديدها غير واضح، سوف يؤكد أن القوة العسكرية السُنيّة (السعودية) سوف تهيمن على الشرق الأوسط من الحدود الأفغانية إلى البحر المتوسط”.

من جهته، رأى ديفيد إجناشيوس، في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، أن الأمر الغريب حول تدهور العلاقات الأمريكية- السعودية هو أنها تسير نحو هذا المنحى منذ عامين، لكن لم يقم أي أحد في الرياض أو واشنطن بتحرك حاسم لتفادي ذلك. هذا الخرق في العلاقة، بحسب وصف الكاتب، أصبح أكثر دراماتيكية، عندما رفضت السعودية تسلم مقعدها في مجلس الأمن، الأمر الذي وصفه الأمير بندر بن سلطان، رئيس الاستخبارات السعودية، بأنه “رسالة للولايات المتحدة وليس للأمم المتحدة”. كما عبر الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، عن “خيبة أمل كبيرة بسبب تعامل الولايات المتحدة مع الشأن السوري، والقضية الفلسطينية”.

ويرى إجناشيوس أن ما ينبغي أن يجعل إدارة أوباما تشعر بقلق أكبر هو أن مخاوف السعودية حيال سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتشارك فيها أربعة حلفاء تقليديين للولايات المتحدة في المنطقة، وهي: مصر، والأردن، والإمارات، وإسرائيل. حيث يقول مسئولو هذه الدول إن أوباما قلص نفوذ الولايات المتحدة، من خلال تخليه عن الرئيس حسني مبارك في مصر، ودعم محمد مرسي الإخواني، ومعارضة التغيير في 30 يونيو الذي أطاح بمرسي، والتذبذب في سياسة سوريا، والآن الدخول في مفاوضات مع إيران، وكل ذلك دون استشارة الحلفاء العرب المقربين.

ويقول إجناشيوس: “من الواضح أن السعودية تريد لفت الانتباه، لكن المفاجئ هو عدم قدرة البيت الأبيض على تقديم التطمينات المناسبة خلال العامين الماضيين”. وأضاف: “المشاعر السيئة التي سادت بعد سقوط مبارك تتعمق شهرًا بعد شهر بسبب دعم الولايات المتحدة لانتخاب مرسي كرئيس للبلاد، وتجميد جزء من المساعدات للجيش المصري، بعد سقوط لمرسي، والوعود السرية بتقديم المساعدات للمتمردين السوريين التي لم تقدم أبدا، والتهديد بضرب سوريا، ومن ثم التحالف مع روسيا بدلا من ذلك، وأخيرا الانفتاح الدبلوماسي تجاه إيران، الخصم اللدود للسعودية في الخليج”.

وأوضح: “السياسات مزعجة، لكن الضرر الأكبر نتج عن شعور السعوديين  بأنهم تعرضوا للتجاهل، وحتى في أذهانهم أنه تم تجاوزهم. ففي المجتمعات الخليجية التقليدية، أي شعور بالخيانة يمكن أن يؤدي إلى ضرر دائم. ومع ذلك، فإن الإدارة تسمح للمشاكل بالاستمرار”.  ورأى إجناشيوس أن افتقار الإدارة الأمريكية إلى الاتصال مع السعوديين والحلفاء العرب الآخرين أمر محير في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى استكشاف سياسة جديدة مثل العمل مع الروس على نزع السلاح الكيميائي في سوريا، والتفاوض للوصول إلى اتفاق مع إيران. تلك المبادرات الأمريكية تبدو، في نظر الكثير من المحللين، ومن ضمنهم ديفيد إجناشيوس، مجرد كلام، لكنها تقلق السعوديين وآخرين أيضا، مما يجعل التشاور الوثيق أمرا أكثر أهمية.

رد الفعل السعودي تجاه سياسة واشنطن

من جهته، قال فريديريك ويري، باحث أول في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيجى للسلام الدولي، في تحليل له نشره الموقع الإلكترونى للمؤسسة، أن الدبلوماسية السعودية تمر بأوقات صعبة، فقد قذفت سلسلة من الاضطرابات الإقليمية والاحتكاك مع الولايات المتحدة سفينة المملكة إلى مياه مضطربة ومجهولة.

وأضاف فريديريك ويري: “أثار دعم واشنطن للحكومة الإسلامية فى مصر، وردّها على استخدام الأسلحة الكيميائية فى سوريا غضبا واتهامات للولايات المتحدة بانعدام الثقة من جانب الرياض. ومن ثم، جاء الدفء الطفيف فى العلاقات الأمريكية ــ الإيرانية، إذ أعاد ذلك التقارب المعتدل إلى الواجهة الشبح القديم المتمثّل فى أن حصول تقدُّم مفاجئ فى العلاقات الأمريكية ــ الإيرانية قد يعمل على تهميش دول الخليج، ويضعف موقفها الثابت كطرف مستفيد من العداء الأمريكى ــ الإيرانى”.

وأضاف الكاتب أن أى حلّ وسط بشأن الملف النووى الإيرانى سيكون على حساب دول الخليج العربى والدول العربية بشكل عام. وقد أثار هؤلاء المعلّقون المخاوف من اضطلاع إيران مجدَّدا بدور شرطى الخليج، ويتيح للحرس الثورى الإسلامي القوى التدخّل فى الدول المجاورة للمملكة العربية السعودية من دون رادع. في حين يرى آخرون أن المصالحة بين الولايات المتحدة وإيران ستكون أمرًا جيدًا بالنسبة للسلام الإقليمي.

الهواجس السعودية من الاضطرابات الإقليمية

من جهة أخرى، تناول الكاتب والقس الكاثوليكي الأب ريمون جاي. دي. سوزا، في تحليل نشرته صحيفة “ناشيونال بوست” الكندية، أسباب رفض السعودية لمقعد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو الموقف الذي لم يحدث أبدًا من قبل.ولفت الكاتب إلى أن السعوديين ساقوا لنا سببين لرفضهم المقعد، الأول: هو تخلي الأمم المتحدة عن حل قضية فلسطين، والآخر هو احتجاجها ضد دور مجلس الأمن في سوريا. ويرى الكاتب أن السبب الأول عبارة عن شجب طقسي متكرر، بينما الآخر يشكّل سببًا موضوعيًا.

ويقول ريمون جاي. دي. سوزا إن روسيا حليفة لنظام الأسد في سوريا. وترى روسيا محور سوريا-حزب الله-إيران بمثابة فرصة لاستعادة النفوذ الروسي في المنطقة. أما السعوديون، من ناحية أخرى، فيسعون للحد من النفوذ الإيراني في العالم العربي. ومهما بلغت درجة التأثير الذي يمارسه السعوديون في العالم كراعين للمذهب  الإسلامي السني، فإنهم يرون أنفسهم معتدلين مقارنةً بمنافسيهم الإيرانيين الشيعة في الخليج العربي.

يدعم السعوديون المعارضة السورية ، وقد انتابهم إحباط شديد عندما لم يفعل المجتمع الدولي شيئا لإضعاف نظام الأسد. وعندما تحرك مجلس الأمن أخيرا في الشهر الماضي، كانت خطواته تعمل على تأمين شرعية الأسد، والقضاء على أي تهديد بعمل عسكري دولي ضده، مع زيادة هيبة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وتدهور شعبية الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

لذا، خلصت المملكة العربية السعودية – كما يؤكد الكاتب – إلى أنه كان من الأفضل لو لم يتحرك مجلس الأمن، وأصبحوا على بعد خطوة من التفكير في مدى جدوى الانضمام إلى هذا الكيان. في الواقع، تتوقع السعودية أن يدفع الروس والأمريكان في مجلس الأمن نحو سياسة تصالحية تجاه إيران، بينما لا ترغب هي في حدوث ذلك على الإطلاق، بحسب ما أفاد الكاتب.

تداعيات الموقف السعودي:

من جهته، أبدى المحلل السياسي الأمريكي بول بيلار،  في مقال تحليلي نشرته مجلة “ذا ناشيونال إنترست” في موقعها على الإنترنت، انزعاجه من  رفض السعودية شغل مقعد في مجلس الأمن، بعد إعلان فوزها بيوم واحد.وقال بول بيلار إن تلك الخطوة أغضبت العديد من الدول الأعضاء بمجلس الأمن وغيرها في الأمم المتحدة، وليس أقلها تلك الدول التي ناضلت دون جدوى للحصول على أحد المقاعد غير الدائمة في مجلس الأمن. وقال إن الممثلين الدبلوماسيين يعربون عن غضبهم من هذا الوضع الذي لم يسبق له مثيل.

وأشار بول بيلار إلى أن أقرب سابقة لهذا الموقف تتمثل في قيام الاتحاد السوفيتي بمقاطعة إجراءات المجلس في عام 1950، وبعدها أبدى السوفيت أسفهم لإقدامهم على هذا التكتيك، عندما أذن مجلس الأمن، في غياب السوفيت، بالتدخل الدولي في كوريا تحت قيادة الولايات المتحدة. لكن السوفيت كانوا يشغلون مقعدًا دائمًا لم يكن لتملأه دولة أخرى. ومن غير الواضح بعد إعلان السعودية ما إذا كانت الجمعية العامة ستختار عضوًا بديلًا لمجلس الأمن، أو سيكون هناك مقعد فارغ.

يقول الكاتب إن البعض يتوقع ندم السعوديين على موقفهم، كما ندم السوفيت، مشيرًا إلى أن هذا التوقع ربما يكون صحيحًا. ورغم أن بعض السعوديين يعتقدون أن خطوة غير مألوفة كهذه قد تساعد في توجيه الاهتمام نحو قضاياهم المفضلة، فسيدرك الكثير من المسئولين السعوديين وجود ثغرات وعيوب عديدة في هذا التكتيك. فردود الفعل الدولية الغاضبة من السعودية قد تفوق الحاجة إلى جذب الاهتمام للقضايا المفضلة للسعوديين، حيث سيأتي اتخاذ إجراءات في القضايا ذات الاهتمام الكبير للرياض في المرتبة الثانية بسبب عوامل غير الاهتمام المحدود بتلك القضايا.

ويذكر بيلار أنه ليس من الواضح تمامًا ما هو الهدف من الرفض السعودي. السبب الظاهري هو مجلس الأمن، ولكن، وفقا لبعض التفسيرات السعودية، فإن المسئولين السعوديين يحاولون التعبير عن رفضهم لسياسات الولايات المتحدة.وطرح بيلار  تفسيرًا آخر للرفض السعودي، ينطوي على حسابات أعمق بقوله: إن السعوديين يمتلكون أفكارا ثانوية حول كيف سيجبرهم التصويت في مجلس الأمن على أن يكونوا أكثر تحديدًا وانفتاحا في تفضيلاتهم. وهذا يختلف كثيرًا عن نوعية التأثير الذي يمارسونه من وراء الكواليس، والذي يجدون فيه راحة كبرى بالنسبة لهم، واتساقًا كبيرا مع نوع السلطة التي يمارسونها. وهذا لا يفسر، أو يبرر، برأي الكاتب، قرارًا اتخذوه في وقت سابق بالسعي وراء الحصول على مقعد في مجلس الأمن.

ويرى بول بيلار أن الموقف السليم الذي ينبغي على الولايات المتحدة وغيرها اتخاذه هو الاستنكار المغلف بالحزن، وليس الغضب من الموقف السعودي، على ألا يكون مجرد استنكار عفوي، وإنما يرتكز على إجراءات.

تهدئة المخاوف السعودية:

حاولت الكاتبة الأمريكية كوري شيك، زميلة الباحثين بمعهد هوفر، والأستاذ المساعد بالأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت، في مقال لها على موقع مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، سبر أغوار الغضب السعودي من الولايات المتحدة بسبب تقاعسها عن حل الأزمة السورية. وخلصت إلى أن أي إجراءات قد تتخذها السعودية لمضايقة أمريكا سترتد عليها في الداخل بخسارة كبرى. ومع ذلك، تنصح الكاتبة الولايات المتحدة بتهدئة المخاوف السعودية، ووضع رأيها بخصوص إيران فى الحسبان.

وتقول كوري شيك إن عدم سعادة تصريحات الأمير بندر بن سلطان، رئيس المخابرات السعودية، والأمير تركي الفيصل، المدير السابق للمخابرات السعودية، بموقف الولايات المتحدة من الأزمة السورية ليس بدليل على خطأ السياسات الأمريكية. وترى أن سياسات إدارة أوباما تتسم بالخطأ، ولكن ليس على طريقة النقد السعودية.

وتعليقًا على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الأخيرة بأن البلدين سيواصلان العمل معا، بسطت كوري الخيط لأبعد طرف، وتساءلت عن ماهية أكبر أشكال المعارضة السعودية للسياسات الأمريكية. وقالت كوري شيك إن بعض الدبلوماسيين العرب أكدوا أن السعودية ستزيد من مساعداتها للمعارضة في سوريا لمعاقبة الولايات المتحدة، ولهزيمة الإيرانيين على حد سواء.

وأضافت كوري شيك: قد يوقف السعوديون تعاونهم في مجال مكافحة الإرهاب أو يقلصونه، وهذا يشكل تهديدًا خطيرًا للأمن الأمريكي. ولكن مرة أخرى، سيقع السعوديون في خطر، وهم بحاجة للمخابرات الأمريكية بقدر ما تحتاج الولايات المتحدة لهم. وبالنسبة لفلسطين، تعلم السعودية –والكلام لـ كوري شيك-  أن الخطط السعودية المرتبطة بفلسطين قد فشلت بسبب الخيارات الفلسطينية، وليس لافتقار الدعم الأمريكي.  ويريد السعوديون شرق أوسط بدون أسلحة نووية للتخلص من أسلحة إسرائيل، والبرنامج الإيراني. ويعد سعر النفط هو المكافئ السعودي للخيار النووي، ولكن باتت قدرتهم على التحكم فيه أقل، وأي خطوات مفاجئة لفرض أي تكاليف سيستفيد منها الإيرانيون، وتعمل على تحفيز المنتجين من خارج الأوبك، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.

وتشير كوري إلى أن السعوديين ودول الخليج منحوا مصر مساعدات تفوق اثنتي عشرة مرة المعونة الأمريكية. وتؤكد أن هذا من شأنه أن يؤثر تأثيرًا كبيرًا وضارًا فى المصالح الأمريكية في حال، مثلًا، منع السعوديون والمصريون عبور السفن الحربية الأمريكية من القناة. وبالتالي، ستتقلص فرص الولايات المتحدة في إبراز قوتها العسكرية بشكل كبير.

وتنصح كوري بضرورة إقدام الولايات المتحدة على تقليل المتاعب التي يمكن أن تسببها بعض البلدان لها بسبب فض أواصر التعاون. ومن هنا، يجب على الولايات المتحدة أن تحاول تهدئة المخاوف السعودية قدر الإمكان، مع أخذ رأيها في الحسبان بشأن إيران، على وجه الخصوص.