المثقفون النزهاء

31 اتوبر 2013
عن موقع  ملتقى ابن خلدون للعلوم والفلسفة والادب

 

يعيش المشهد الثقافي العربي على وقع رجات عنيفة و غير مسبوقة، كانت كافية لكشف عورة الفاعل الثقافي، حيث استسلم الكثير من رموز الفكر و الإبداع لغرائزهم الطبيعية، مع التضحية بالقيم الإنسانية السامية التي طالما نظروا لها و دافعوا عنها. و قد كان للحدث الانقلابي، الذي تعيشه مصر، دورا حاسما في كشف المستور، حيث اندفع الكثير من رموز الثقافة نحو الاتجاه الغالب الذي يحتكر وسائل العنف المادي و الرمزي، و ضربوا الشرعية الانتخابية، في بعدها الديمقراطي، عرض الحائط. و قد كان للتزييف، الممارس ثقافيا و المروج له إعلاميا، دورا كبيرا في ترسيخ الكثير من الأوهام باعتبارها حقائق، و لذلك حضر الخطاب الثقافي باعتباره الغطاء الإيديولوجي، الذي يخفي و يحمي العنف الرمزي و المادي الممارس على أرض الواقع.
في مقال سابق، استحضرنا المفكر الفرنسي ( باسكال بونيفاس) من خلال كتابه ( مثقفو التزييف (les intellectuelles faussaires للحديث عن التزييف الثقافي الممارس في الساحة الثقافية و الإعلامية العربية، في مشهد يتجاوز، بكثير، مستوى التزييف الذي تحدث عنه (بونيفاس) في فرنسا، و ذلك ضمن ما يمكن أن نطلق عليه “عولمة التزييف الثقافي” حيث يشترك الخطاب الثقافي مع الخطاب الإعلامي في استثمار الوسائل التقنية الحديثة لنشر و ترويج الأكاذيب و الأوهام بين الأفراد و الجماعات، في تناقض تام مع منطق الواقع بله منطق الأخلاق و الفكر .
في رحلتنا الاستكشافية مع (باسكال بونيفاس) سنحاول في هذا المقال، الحديث عن صنف مغاير من المثقفين، رغم أنه في طريق الانقراض، و قد خصص بونيفاس كتابا كاملا للحديث عن هذا الصنف الثقافي، و الذي جاء تحت عنوان (المثقفون النزهاء les intellectuelles intègres (. و الكتاب، في مجمله، يعتبر بارقة أمل يقدمها ( بونيفاس ) للأجيال الصاعدة حتى لا تفقد الأمل في المثقفين الذين ظلوا، على مر العصور، حماة شرسين للقيم الإنسانية السامية، و هو يؤكد على ذلك بشكل صريح: هناك جانب سلبي في الساحة الثقافية الفرنسية، لكني أردت أن أبرز كذلك الجانب الإيجابي، أردت أن أقول للأجيال الصاعدة، ليس الجميع فاسدين، نعم هناك مثقفون مزيفون يسيئون لشرف الثقافة والفكر، ولكن بالمقابل هناك مثقفون نزهاء يمكننا أن نفخر بهم. لا ينبغي أن نضع الجميع في سلة واحدة، لا يمكن أن نضع برنار هنري ليفي من جهة، وريجيس دوبريه أو أدغار موران أو ستيفان هيسيل، من جهة أخرى، في نفس الخانة !
في محاولته الاستقرائية، خصص (باسكال بونيفاس) كتابه الجديد لتقديم صورة مغايرة عن المشهد الثقافي الفرنسي، لكنه يقول لقارئه، بصيغة أخرى، أن مثقفي النزاهة يوجدون حيثما يوجد مثقفو التزييف، و ما دام هناك تزييف فإنه سيوجد من يتصدى له و يفضحه. إن رسالة المثقف، بهذا المعنى، تتجاوز حدود الزمان و المكان، و مادام هناك فكر و أدب ينتشر بين الناس، فإن التزييف، حتما، إلى زوال.
خصص بونيفاس كتابه لنقل صورة عن الفعل الثقافي النزيه مجسدا في أسماء ثقافية كبيرة و رائدة، و لذلك نجد معلومات غزيرة مدعومة بحوارات و نقاشات عميقة مع خمسة عشر اسما ثقافيا، من أبرزهم نجد: ريجيس دوبريه، جان بوبيرو، أدغار موران، تزفتان تودوروف، وستيفان هيسيل، جان زيغلير، أوليفييه مونجان و آخرون. و كل اسم من هؤلاء يمثل قارة معرفية بمفرده، كما يمثل، في نفس الآن، ضميرا يقظا و حيا لا يقبل المساومة.
في حديثه إلى المؤلف يقول (جان بوبيرو) المتخصص في الدراسات العلمانية : لو حصل و استخدمت أفكارا كاذبة أو محاجات خادعة في محاضراتي العامة لإقناع الجمهور بأي شكل فلن أستطيع النظر إلى وجهي في المرآة بعدئذ، سوف أخجل من حالي إلى الأبد ولن أعود أظهر بين الناس. و هذا الاعتراف يمكن تعميمه على جميع المثقفين النزهاء، الذين ينتصرون للقيم الإنسانية المشتركة، و لا يقيمون وزنا للمهرجانات الإيديولوجية المزورة للحقائق . إن القاسم المشترك بين جميع المثقفين النزهاء، على اختلاف توجهاتهم الفكرية، هو رفضهم لمقولة ” الغاية تبرر الوسيلة” .
المشهد الثقافي العربي و سؤال النزاهة
السؤال المحير الذي يفرض نفسه على قارئ كتاب (بونيفاس) هو: ما موقع النزاهة الفكرية في واقع ثقافي عربي مشوه، تحول فيه المثقف إلى حصان طروادة لتحقيق أهداف سياسية و عسكرية بخسة ؟ لكن، من زاوية أخرى، ألا ينسجم موقع المثقف العربي مع هذه الوظيفة التي يقوم بها ما دام أغلب مثقفي العالم العربي هم، في الأخير، موظفون مأجورون لدى الدولة، فحسب الباحث الأمريكي (جون واتر بيري)، جل مثقفي الشرق الأوسط، هم من نواح متعددة، مثقفو الدولة. و لذلك، يستخلص الباحث أن اتفاق مصالح الأنتلجنسيا و الدولة يتجاوز موضوع المكافآت و الاستخدام و الإجازات المهنية؛ فتشمل شعورا قويا بالهوية و الأهداف المشتركة.
أنظر: سعيد بنسعيد العلوي – الإسلام و الديمقراطية – سلسلة المعرفة للجميع ع: 26 – أكتوبر – نونبر 2002 – منشورات رمسيس – ص: 71
إن دور المثقف العربي، من هذا المنظور، لا يتجاوز إعادة إنتاج إيديولوجية الدولة Reproductionبتعبير بيير بورديو، هذه الدولة التي يحتكرها النظام الحاكم، في ظل وضع سياسي استبدادي يوجهه الحزب الوحيد و الزعيم الأوحد. و لذلك، فإن فعالية المثقف في العالم العربي لا تتجاوز، في الأغلب، القيام بدورين محورين، و هما معا دوران إيديولوجيان:
• الدور الأول، مساند للنظام و مدافع عن إيديولوجيته، نظرا لتبادل المصالح بين الطرفين، و عادة ما يكون هذا الاتفاق المصلحي على حساب مصالح الشعب، حيث تقتصر وظيفة المثقف، في هاته الحالة، على توظيف رأسماله الرمزي لدعم و شرعنة الرأسمال المادي للنظام.
• الدور الثاني، معارض للنظام و مدافع عن بديل إيديولوجي مغاير، و في هاته الحالة يتحول المثقف إلى فاعل حزبي يوظف معرفته و آلياته المعرفية للوصول إلى السلطة، و حينئذ تتوقف فعاليته الثقافية و معها تتوقف آلته النقدية، بل قد يتحول إلى خصم عنيد لكل ما يرتبط بالفعالية الثقافية، ينظر إليها بعين الريبة لأنه يدرك، من موقع التجربة، دورها الخطير و الحاسم في قلب الموازين و تغيير الاتجاهات.
و في كلا الحالتين، فإن غلبة السياسي على الثقافي تهدد دور المثقف، و تختزل سلطته الثقافية في ادوار إيديولوجية متحركة، لا تخدم، بالـتأكيد، دوره النقدي و الرقابي الذي ميزه في التجارب الديمقراطية الحديثة. و لعل هذا هو ما يحول المثقف العربي إلى وقود في المعارك الإيديولوجية المشتعلة، حيث يفرض عليه دوره السياسي انتقاء المواقف بدقة فائقة خوفا من تعارضها مع موقعه الإيديولوجي؛ حتى و لو تناقض كليا مع قناعاته الفكرية، التي يدبجها في كتاباته .
إن المشهد السياسي العربي، اليوم، يؤكد هذا الاتجاه في التحليل، فنحن لا نقرأ سوى مواقف سياسية طافحة بالإيديولوجيا (إما مع النظام و إما ضد النظام) لكن مع شبه غياب للتحليل الفكري الرصين، الذي يغلب كفة المعرفي على كفة الإيديولوجي. و هذه آفة ابتليت بها الثقافة العربية، مع استثناءات قليلة جدا، و في كل مجالات الثقافة، حيث يرمي الشاعر المبدع بقناعاته الفكرية و التزاماته الأخلاقية و ينخرط في جوقة التطبيل للنظام الحاكم، رغم استبداديته و دمويته، سوى لأنه يرضي نزوعه الطائفي الضيق، و هكذا تضيع حكمة الإبداع، حيث تتسع العبارة كلما ضاق المعنى ! و حتى في ارتباط بالفعاليات الثقافية الأكثر عقلانية و تاريخانية، فإن المثقف العربي يفشل في امتحان السلطة، و يعبر عن موقف فج لا يفسره إلا موقعه الطبقي الذي ينسجم مع نزوعاته الميكيافيلية. و إذا كان الأمر كذلك مع قمم الإبداع و الفكر، في الثقافة العربية، فعن أي مثقفين نزهاء يمكن أن نتحدث ؟
إن النزاهة الفكرية عادة ما تقترن بالوضوح المنهجي و التكوين الفكري و الالتزام الأخلاقي، و جميع الرموز الثقافية التي تناولها (بونيفاس) في كتابه تمثل في مجتمعاتها ضمائر حية يقظة، لا تساير المسلمات التي يتم الترويج لها إعلاميا، باعتبارها حقائق سياسية أو اجتماعية … بل تحضر الذائقة النقدية باعتبارها مصفاة للتمييز و الفرز، كما يحضر الالتزام الأخلاقي لتحصين الذات الثقافية من الانجراف الأعمى نحو تحقيق المصالح الفئوية الضيقة على حساب المصالح العامة.
لكن، ما يجب أن ندركه، و نحن نقارب وضعية المثقف العربي، هو أن النزاهة الفكرية تتجاوز حدود الذات المثقفة، حيث يلعب الواقع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي، المتردي في العالم العربي، دورا في غاية السلبية، و يؤثر، بالتالي، على المردودية الثقافية و نوعيتها. و لذلك، لا يجب أن ننسى أن المثقف النزيه، الذي يتحدث عنه بونيفاس في كتابه، يظل ثمرة النموذج الحداثي الغربي، في أبعاده السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية. فلا نزاهة ممكنة خارج التصور الديمقراطي الحديث للدولة، و لا نزاهة ممكنة خارج مجتمع منفتح و قارئ، و لا نزاهة ممكنة خارج نظام اقتصادي قائم على التوزيع العادل للثورة خارج نظام الريع. و هذه الشروط، شبه منعدمة في العالم العربي مما يجعل مهمة المثقف أكثر تعقيدا.
و يمكن، في هذا الصدد، أن نقدم نموذجا ثقافيا طافحا بالدلالة، من بين الأسماء الثقافية النزيهة التي قدمها (بونيفاس) في كتابة، و يتعلق الأمر بالناقد و المفكر الفرنسي الجنسية البلغاري الأصل (تزفتان تودروف) الذي يشي مسار حياته بالكثير من العبر، يمكن أن تنير طريق بحثنا في مفهوم النزاهة الثقافية في العالم العربي. فقد عاش حياته على مرحلتين:
• المرحلة الأولى، عاشها في بلده بلغاريا، و قد أثرت الإيديولوجية الشيوعية عليه سلبا، و منعته من تفجير قدراته الفكرية، نتيجة الرقابة التي كان يمارسها جهاز الدولة. و لذلك، فقد كان مهووسا، باستمرار، بمغادرة بلده الأصل تجاه بلد ديمقراطي يوفر له شروط التفكير و الإبداع، و ذلك لأن المنظومة الشيوعية، سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا، لا تسمح بالتفكير النقدي، و لو في حدوده الدنيا، و بالتالي فهي تعرقل أي فعل ثقافي جاد و تمسخه عبر تحويله إلى فرقعات إيديولوجية. لقد أدرك تودروف، مبكرا، أن النزاهة الثقافية عملة نادرة في مجتمع مؤدلج، و في دولة يحكمها نظام الحزب الواحد و الزعيم الأوحد. لذلك، فقد قرر البحث عن فضاء مغاير يوفر الشروط اللازمة لصناعة ثقافة متحررة تنتصر للإنسان و للقيم السامية.
• المرحلة الثانية، عاشها في فرنسا بعد رحيله للدراسة، و بعد ذلك سيقرر الانتماء لهذا البلد و حمل جنسيته، ليتحول إلى مواطن فرنسي يكتب بلغة موليير، و ينخرط في المشهد الثقافي و الأكاديمي الفرنسي كعضو فاعل . و خلال هذه المرحلة، فقد تشبع (تودروف) بقيم الفكر الأنواري، و تحول إلى صوت ثقافي رصين، مما أهله ليكون من بين المثقفين النزهاء في تصنيف ( باسكال بونيفاس). و قد استثمر، في ذلك، هامش الحرية الذي توفره الدولة الديمقراطية، بالإضافة إلى الانفتاح الاجتماعي الذي ساعده على الانخراط في المجتمع الفرنسي، و كذلك الفرص الاقتصادية المهمة التي يوفرها نظام اقتصادي أكثر عدلا.
و ما يمكن أن نستشفه من خلال هذا النموذج الثقافي، هو أن النزاهة الثقافية ليست، فقط، قرارا فرديا يتخذه المثقف، بل هي صناعة كاملة. و لذلك، يصعب أن نتحدث في العالم العربي عن نزاهة ثقافية، ما دامت الشروط السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية غير مؤهلة بعد لصناعة المثقف النزيه، الذي ينتصر للحقيقة و للقيم الإنسانية السامية. لذلك، يغلب التزييف الثقافي، عادة، على النزاهة الثقافية، و يتحول الفعل الثقافي إلى ممارسة إيديولوجية، في ظل وضع سياسي و اجتماعي و اقتصادي مأزوم.
إننا هنا لا نسوق للتزييف الثقافي، بدعوى غياب شروط النزاهة الثقافية، و لكن الأمر يتجاوز ذلك، إلى الدعوة للتفكير في الشروط السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، بدل الارتكان إلى تدبيج قصائد الهجاء في الوضع المأزوم للمثقف، و تحميله كامل المسؤولية عن التزييف الثقافي الذي يغزو العالم العربي، و الذي تساعد على انتشاره الثورة الإعلامية، غير المسبوقة، ضمن ما يسميه (بونيفاس) بنجوم الفضائيات.
إن التفكير في النزاهة الثقافية، يجب أن يمر عبر إستراتيجية سياسية، تراهن على النضال المستمر من أجل ترسيخ المنهجية الديمقراطية في الحكم، كما يجب أن تمر عبر إستراتيجية اقتصادية، تقوم على محاربة اقتصاد الريع و تشجيع روح المبادرة الحرة و التوزيع العادل للثروة. و لعل اعتماد المدخلين، السياسي و الاقتصادي، لهو، في نفس الآن، تفكير في الديمقراطية و التنمية كمدخلين أساسيين لتنمية الفعل الثقافي، و تحقيق استقلاليته عن الفعل السياسي، خاصة، و ذلك في أفق تحويله إلى ممارسة رقابية يمثلها مثقفون نزهاء قادرون على الارتقاء بالممارسة الثقافية إلى مستوى الضمير الجمعي.