المشكلة في تندوف.. وليس في الصحراء

 

من هو حريص بالفعل على حقوق الإنسان يهتمّ أوّل ما يهتم بالصحراويين المقيمين في تندوف الجزائرية داخل معسكرات اعتقال تشرف عليها «بوليساريو».

 

 عن صحيفة العرب 

خيرالله خيرالله [نُشر في 25/10/2013، العدد: 9359،

 

أعطت زيارة المبعوث الدولي كريس روس للصحراء المغربية فكرة عن التحديات التي تواجه المغرب في هذه المرحلة. فالموضوع لا يتعلّق بالصحراء نفسها التي كانت في الماضي مستعمرة أسبانية واستعادها المغرب خريف عام 1975 عن طريق «المسيرة الخضراء». شارك في المسيرة مئات آلاف المغاربة تكبّدوا الكثير من أجل المحافظة على وحدة أراضي المملكة وعدم تعريضها مرّة أخرى لأطماع قوى خارجية لا همّ لها سوى تأمين مصالحها على حساب المغرب.

كانت زيارة روس مناسبة كي يتبيّن بوضوح أنّ موضوع الصحراء بات ذا شقّين. الأول مرتبط بالحملة التي تشنّها الجزائر من أجل إثارة المشاكل والاضطرابات في المحافظات الصحراوية في المغرب، والآخر بالحرب على الإرهاب في الساحل الإفريقي، وهي حرب تعتقد الجزائر أن في استطاعتها توظيفها لمصالح خاصة. تعتمد الجزائر في حملتها على جارها على شبكات مرتبطة ببعضها البعض تعتبر جبهة «بوليساريو» إحدى حلقاتها. لا وجود لشيء اسمه «بوليساريو» إلا من منطلق أن تلك الجبهة أداة لا أكثر، في حرب استنزاف يتعرّض لها المغرب.

حصلت بعض الاضطرابات أثناء زيارة المبعوث الدولي للعيون التي هي عاصمة الصحراء. استطاعت قوّات الأمن المغربية السيطرة على الوضع دون اللجوء إلى العنف، خصوصا أن المتظاهرين، وهم قلّة، كانوا يؤدون دورا مفتعلا مطلوبا منهم مدفوعين من جهات خارجية. ترافقت الاضطرابات مع ظهور أفلام عرضتها بعض المحطات التلفزيونية تشير إلى حصول عنف في العيون. تبيّن أن هذه الأفلام غير صحيحة وأنّ كلّ ما عرض كان مشاهد من مكان آخر أو من فترة ماضية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالوضع السائد فعلا في المحافظات الصحراوية. هذا لا يعني أن زيارة المبعوث الدولي مرّت بسلام، بمقدار ما يعني أن السلطات المغربية سمحت لمن يريد التعبير عن رأيه بأن يفعل ذلك، حتى بالنسبة إلى الذين تعرف جيّدا من يقف وراءهم ومن يدفعهم إلى خلق أجواء من البلبة.

في النهاية، بقيت الأمور محصورة في نطاق ضيّق، خصوصا أن الحياة عادت إلى طبيعتها في العيون وغير العيون، بمجرّد مغادرة كريس روس المدينة وانتقاله إلى مكان آخر.

إذا أخذنا في الاعتبار ما حصل خلال وجود المبعوث الدولي في العيون، يتبيّن كم أن الملك محمّد السادس كان على حق عندما دعا، قبل أيّام، في خطاب افتتاح دورة مجلس النوّاب المغربي الجميع «إلى اليقظة والتعبئة». قال صراحة «انّ الوضع صعب والأمور لم تحسم بعد ومناورات خصوم وحدتنا الترابية لن تتوقف، مما يضعنا أمام تطورّات حاسمة».

لم تتوقف المناورات، كانت التحركات المفتعلة في العيون جزءا منها. هناك إدراك في المغرب لما يخبّئ الغد. هناك بكلّ بساطة، من لا يرتاح إلى أن المغرب استطاع ترتيب أوضاعه الداخلية وتكريس نهج الإصلاحات السياسية والاقتصادية، والسعي إلى تنظيم الحياة السياسية على أساس التعددية الحزبية. هناك من يعتقد أنّ في استطاعته الهرب من مشاكله الداخلية عن طريق افتعال مشاكل للمغرب.

أكثر من ذلك، هناك من يظنّ أن دوره الإقليمي مرتبط بإضعاف المغرب وأنّ رفض الحل الواقعي الوحيد المطروح بالنسبة إلى الصحراء المغربية، وهو الحكم الذاتي الموسّع، سيقطع الطريق على المتاجرين بالشعارات. من أهمّ هذه الشعارات «حق تقرير المصير للشعوب». لو كانت الجزائر حريصة بالفعل على حق تقرير المصير للصحراويين، لماذا لا تقيم لهم كيانا داخل أراضيها، خصوصا أن كلّ الشريط الممتد من موريتانيا وصولا إلى البحر الأحمر، مرورا بالجزائر نفسها، مليء بالصحراويين؟

لعلّ أخطر ما في الأمر أن الجزائر تسعى إلى الهرب من أزمتها الداخلية، التي يعبّر عنها أفضل تعبير، مرض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وهو شبه مقعد لا يستطيع الكلام إلا بصعوبة.

يترافق ذلك مع وجود أوساط أميركية تتوهّم أن هناك قضية صحراوية. هذه الأوساط التي لا ترى ما هو أبعد من أنفها، لا تأبه بالمشاكل الحقيقية التي تعاني منها المنطقة. في مقدّم هذه المشاكل الإرهاب والتهريب بكلّ أشكالهما. هناك مثل لا يزال عالقا في الأذهان هو المثل المالي. فقد اضطرت فرنسا إلى التدخل عسكريا في ذلك البلد لمنع قيام قاعدة لـ»القاعدة» في منطقة الساحل. لعب المغرب دورا مهمّا في دعم كلّ الجهود الهادفة إلى وضع حدّ للإرهاب. شمل ذلك زيارة قام بها محمّد السادس لباماكو بمناسبة تنصيب الرئيس الجديد المنتخب. قدّم المغرب مساعدات كبيرة لمالي شملت إقامة مستشفى وتأهيل أئمة مساجد (نحو خمسمئة من هؤلاء) في المغرب وذلك اعتمادا على المذهب المالكي المنادي بالوسطية والاعتدال والتسامح والاعتراف بالآخر، أي بكل ما يرفضه المتطرفون من جماعة «القاعدة» وما شابهها.

لم يعد سرّا أن الحملة على المغرب، انطلاقا من الصحراء، تستهدف أوّل ما تستهدف زعزعة الاستقرار في المنطقة والاستعاضة عن الحرب على الإرهاب بالمتاجرة به وتوظيفه في خدمة سياسيات مرتبطة بالأوهام الجزائرية. على رأس هذه الأوهام الدور الإقليمي المهيمن لبلد لا وجود له إلا بفضل الثروة النفطية وآبار الغاز التي تستفيد منها الشركات الأميركية إلى أبعد حدود.

لاشكّ أن هناك من يحرّك مجددا قضية، يفترض أن تكون منتهية. آخر هموم من يفعل ذلك هو حقوق الإنسان. فمن هو حريص بالفعل على حقوق الإنسان يهتمّ أوّل ما يهتم بالصحراويين المقيمين في تندوف الجزائرية داخل معسكرات اعتقال تشرف عليها «بوليساريو». من هذه المعسكرات وليس من الصحراء المغربية يمكن أن تبدأ المعالجة الإنسانية لأوضاع الصحراويين.. في حال كان هناك من يمتلك ذرة من الإنسانية.

إعلامي لبناني