خطبة الجمعة  :

الـــهـــجـــرة ( الدروس المستفادة من الهجرة ).

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-05-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر.
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: تتميز حياة النبي صلى الله عليه وسلم عن حياة العظماء من القادة والمصلحين بان حياته صلى الله عليه وسلم، كل ما فيها من أقوال أو أفعال أو إقرار أو مواقف تُعد قدوةً وتشريعاً، حياة العظماء شيء وحياة الأنبياء شيء آخر.. فقد عصمه الله جل جلاله عن الخطأ في أقواله وفي أفعاله وفي مواقفه فهو لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى لذلك أمرنا الله جل جلاله بالأخذ عنه، قال تعالى:

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾

[سورة الحشر]

 وجعل إتباع النبي صلى الله عيه وسلم، وتطبيق سنته دليلا عمليا على محبة الله قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾

[سورة آل عمران]

 لهذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم مهمتان كبيرتان، مهمة التبليغ والتبيين، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)﴾

[سورة المائدة]

 والمهمة الثانية أن يكون قدوة و أسوة للمسلمين من بعده، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) ﴾

[سورة الأحزاب]

 إن الظروف التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم، والأحداث التي واجهها، هي ظروفٌ وأحداثٌ، خُلقت وقُدرت بعنايةٍ تامةٍ وبحكمةٍ بالغة ؛ ليقف النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل، مشرعاً وقدوةً، لقف النبي منها، الموقف الكامل، الذي ينبغي إن يقفه الإنسان ليؤكد إنسانيته وليحقق غاية وجوده، إن هذه الظروف وتلك الأحداث من شأنها أنها تكرر، الفكرة دقيقة جداً، إن الظروف التي أحاطت بالنبي والأحداث التي واجهها، هي ظروف خُلقت وقدرت بعناية تامةٍ، ولحكمة بالغة ؛ ليقف النبي منها الموقف الكامل الذي ينبغي أن يقفه الإنسان ليؤكد إنسانيته، وليحقق غاية وجوده، إن الظروف التي أحاطت بالنبي والأحداث من شأنها أنها تتكرر، بسبب أن طبيعة النفس واحدة، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)﴾

[سورة الأعراف]

 وبسبب أن معركة الحق والباطل، والخير والشر، والإيمان والكفر معركة قديمة، ومستمرة، وأن الإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان أنه يكرر نفسه في ارتفاعه وانحطاطه، في قوته وفي ضعفه، في إيمانه وفي كفره لذلك ؛ كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الظروف التي أحاطت به ومن الأحداث التي واجهته هو الموقف الذي يريدنا الله أن نقفه إذا أحاطت بنا مثل تلك الظروف وواجهتنا مثل تلك الأحداث.
 إذاً الهجرة درس متكرر، درس ينبغي أن نستقي منه حقيقةً، تعيننا على السلوك القويم، في أي مكان وزمان.
 والإنسان فُطر على حب الأرض التي وجد فيها، والتعلق بالمعالم التي لابست نشأته، وحينما يُنتزع من بيئته التي ترعرع فيها ويخرج من أرضه التي أحبها، تتمزق نفسه ويعظم همُّه، وربما آثر الموت على هذا الخروج الذي هو اقتلاع من جذوره، قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً(66)﴾

[سورة النساء]

 والإنسان فضلاً عن أنه متعلق بأرضه مُكلفٌ أن يعبد ربه، من خلال معرفته ومعرفة منهجه، ومن خلال أدائه فروض العبودية، من صيام وصلاة وحج ومن خلال التزامه بالأمر والنهي، ومن خلال الأعمال الصالحة التي هي ثمن سعادته في الآخرة الأبدية قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

[سورة الذاريات]

 إذاً هو متعلق بالأرض، مُكلف بعبادة الله، ما الذي يحصل ؟..
 والإنسان إذا وُجد في أرض حالت قوى الشر فيها بينه وبين أن يستجيب لنداء فطرته في عبادة ربه وحالت بينه وبين أن يصغيَ لصوت العقل في تطبيق منهج خالقه، وهو من الضعف بحيث لا يستطيع أن يقنع هذه القوى بالكف عنه ولا أن يقف في وجهها فيلزمها ماذا يفعل ؟.. مفطور على حب أرضه، مُكلف بعبادة ربه.
 لو أن الظرف الذي أحاط بالنبي تكرر، وجد الإنسان بأرض حالت قوى الشر فيها بنيه وبين أن يستجيب لفطرته في عبادة ربه، وأن يصغي إلى صوت العقل في تطبيق منهج خالقه، لا يستطيع أن يقنع هذه القوى بالكف عنه ولا أن يقف في وجهها فيلزمها ماذا يفعل ؟..
 أيخسر سعادته الأبدية من أجل النوازع الأرضية ؟.. قال تعالى ودققوا في هذه الآية ؛

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99)﴾

[سورة النساء]

 هذا هو الجواب، إذن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لذلك أرقى أنواع السفر، سفر طلب العلم، وسفر الفرار بالدين، وسفر كسب الرزق.
 هذا أصل الهجرة، إذا حالت قوى الشر بينك وبين أن تعبد الله، وأنت مستضعف، ينبغي أن تحقق سعادتك الأبدية في عبادة ربك، في أي مكان.
 تُعَلِمنا الهجرة أولاً: إن الإنسان إذا تنازعت فيه النوازع الأرضية والنداءات السماوية، عليه أن يُؤثِر الجانبَ الأسمى والأبقى فلا أحدٌ يستطيع أن ينجيه من عذاب الله ولا عذر له فيما يرديه.
 إن الهجرة في حقيقتها موقفٌ نفسي قبل أن تكون رحلة جسدية، إنها هجران للباطل وانتماء للحق، إنها ابتعاد عن المنكرات، وفعل للخيرات إنها ترك للمعاصي، وانهماك في الطاعات، ثم إنها فضلاً عن ذلك انتقالٌ من دار الكفر إلى دار الإسلام، قال علية السلام فيما رواه الإمام البخاري ومسلم، عن بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
 عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ “.))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وأحمد والدارمي]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ “.))

[أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد]

 يا أيها الإخوة الكرام: إذا كان باب الهجرة من مكة إلى المدينة، قد أُغلق بعد الفتح، عن عبد الله بن عباس رضي اللَّه عَنْهمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا “.))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدرامي ]

 فان باب الهجرة مفتوحٌ، بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة زمن الهجرة، بل إن أبواب الهجرة من مجتمع الكفر إلى مجتمع الإيمان مفتوحةٌ على مصاريعها إلى يوم القيامة، بل إن عبادة الله في زمن كثرت فيه الفتن، واستعرت فيه الشهوات، وعمَّ فيه الفساد، إن عبادة الله المخلصة، والصادقة في هذه الأجواء الموبوءة، تُعد هجرة خالصة إلى الله ورسوله، وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ “.))

[ رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد]

 هذا هو الدرس الأول..
 وتعلمنا الهجرة ثانياً: من خلال الخطة المحكمة التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم، أن استحقاق التأييد الإلهي، لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله، لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم خطةً محكمةً لهجرته، حيث كتم تحركه، وقصده واستأجر دليلاً ذا كفاءة عالية، واختار غار ثور، الذي يقع جنوب مكة تضليلاً للمطاردين، وحدد لكل شخص مهمةً أناطها به، فمن واحد لتقصي الأخبار، وآخر لمحو الآثار، وثالث لإيصال الزاد، ثم إنه كلف سيدنا علياً كرم الله وجهه أن يرتدي برده، وينام على سريره تمويها على المحاصرين الذين أزمعوا قتله.
 لقد أعد النبي صلى الله عليه وسلم لكل أمرٍ عدتَه ولم يدعْ مكاناً للحظوظ العمياء، لقد اتخذ الأسباب وكأنها كل شيء في النجاح، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء ؛ لأنه لا قيام لشيء إلا بالله.
 إن هذه التدابير التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم على كثرتها ودقتها ليست صادرةً عن خوف شخصي، بل طاعة لله عز وجل، عن طريق الأخذ بالقوانين التي قننها الله، والسنن التي سنها الله، وتشريعاً لأمته من بعده، ثم إنه في الوقت نفسه، لم يعتمد عليها بدليل ؛ أنه كان في غاية الطمأنينة حينما وصل المطاردون إلى الغر، لو أنه اتخذها واعتمد عليها، لشعر بالإحباط الشديد.
 الحقيقة التي ينبغي أن تكون مع كل مؤمن، يجب أن تأخذ بالأسباب دون أن تعتمد عليها، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تعتمد على الله وكأنها ليست بشيء.
 أنت في طريق على يمينه وادٍ، وادي الشرك، وعن يساره وادي المعصية، فإن أخذت بالأسباب واعتمدت عيها، نزلت في وادي الشرك وإن لم تأخذ بها، واعتمدت على الله جهلاً، وقعت في وادي المعصية.
 حينما فهم المسلمون الأوائل، التوكل هذا الفهم الصحيح، رفرفت راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها، واحتلوا مركزاً قيادياً بين الأمم والشعوب، واليوم إذا أراد المسلمون، أن ينتصروا على أعدائهم، وأن يستعيدوا دورهم القيادي بين الأمم ؛ لينشروا رسالة الإسلام الخالدة رسالة الحق والخير والسلام، عليهم أن يستوعبوا جيداً هذا الدرس البليغ الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خلال هجرته، وهو أن التوكل في حقيقته أخذ بالأسباب، من دون الاعتماد عليها، وافتقار إلى تأييد الله وحفظه وتوفيقه، من دون تقصير في استجماع الوسائل.
 والدرس الثالث من دروس الهجرة: أنه من خلال النتائج الباهرة التي حققها المهاجرون ؛ أنه من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسعةً.. وأنه ما ترك عبد شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، وأنه من شغلته طاعةُ الله عن تحقيق مصالحه، أعطاه الله خير الدنيا والآخرة وقد ورد في الحديث القدسي:

((” عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وان لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد “. ))

 هذا هو الدرس الثالث..
 الدرس الرابع، هناك هجرة في سبيل الرحمن، وهجرة في سبيل الشيطان، وكثيرهم الذين يهاجرون في سبيل الشيطان، فمن الهجرة في سبيل الرحمن: عقبة بن عامر الجهني، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة (هكذا يقول عتبة) وأنا في الفلوات أرعى غنيمات لي، فما إن تناهى إلي خبر قدومه، حتى تركتها ومضيت إليه لا ألوي على شيء فلما لقيته قلت له: تبايعني يا رسول الله، قال: فمن أنت ؟
 قال أنا عقبة بن عامر الجهني ؟
 قال عيه الصلاة والسلام: أيهما أحب إليك ؛ تبايعني بيعةً أعرابية أم بيعة هجرةٍ ؟
 قلت: بل بيعة هجرة.. وكنَّا اثني عشر رجلاً ممن أسلموا نقيم بعيداً عن المدينة ؛ لنرعى أغنامنا في بواديها، فقال بعضنا لبعض ـ وهذه قصة تتكرر آلاف المرات كل يوم ـ: كانت لنا أغنام نرعاها في البوادي فقال بعضنا لبعض: لا خير فينا إذا نحن لم نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يوم ليفقهنا في ديننا، ويُسمعنا مما ينزل عليه من وحي السماء، فليمض كل يوم واحد منا إلى يثرب، وليترك غنمه لنا فنرعاها له، فقلت اذهبوا أنتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً بعد آخر، وليترك لي الذاهب غنمه، قال: لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي من أن أتركها لأحد، اذهبوا أنتم جميعاً، وأنا عند الغنيمات ثم طفق أصحابي يغدو الواحد منهم بعد الآخر، على النبي صلى الله عليه وسلم، ويترك لي غنمه أرعاها له، فإذا جاء أخذت منه ما سمع وتلقيت عنه ما فقه.
 الآن.. يقول سيدنا عقبة: لكنَّني ما لبثت أن رجَعت إلى نفسي وقلت: ويحك يا عقبة.. أمن أجل غنيمات لا تُسمن ولا تغني تفوِّتي عليك صحبة رسول الله، والأخذ عنه مشافهةً من غير واسطة ؟.. ثم تخليت عن غنيماتي ومضيت لأصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 لم يكن، يخطر على بال عقبة، أنه حينما اتخذ هذا القرار الحاسم ؛ أنه سيغدو بعد عِقد من الزمان، عالماً من أكابر علماء الصحابة وقارئاً من شيوخ قرَّائها، وقائداً من قوَّاد الفتح المرموقين، ووالياً من ولاة الإسلام المعدودين، ولم يكن يخطر له على بالٍ أيضاً، وهو يتخلى عن غنيماته ويمضي إلى رسول الله، أنه سيكون طليعةَ الجيش الذي يفتح أمَّ الدنيا دمشق، ويتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة عند باب توما، ولم يكن يخطر له على بال أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون مصر، وأنه سيغدو والياً عليها، ويتخذ لنفسه فيها داراً في سفح جبلها المقطن، وبعدها اشترك في قيادة حملة بحرية لفتح جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط.
 لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما قال:

((” ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه “))

 وقد ورد في الحديث القدسي:

((” من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين “.))

 ألا يتكرر هذا الدرس، يقول أحدهم لسبب تافه جداً، شغلتنا أموالنا عن حضور مجالس العلم، لأتفه الأسباب يدع طلب العلم، ويدع صحبة الإخوة الكرام، ويدع ارتياد المساجد لأتفه سبب.. عقبة ابن عامر لو أنه بقي مع غنيماته لما كان شيئاً مذكوراً..
 هذا هجرة في سبيل الرحمن، أما الهجرة في سبيل الشيطان:حينما يرفض المرء الحق وأهله، وينضم إلى الباطل وأهله.
 حينما يؤثر المرء الدنيا الفانية، على الآخرة الباقية.
 حينما يفضل الرجل مصالحه على مبادئه، وحاجاته على قيمه.
 حينما تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها الرجل، أو ابتغاء مال وفير يحصله على حساب مصيره الأبدي.
 حينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات والطاقات، لغير بلاد المسلمين.
 وحينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين، وتقويةً لأعدائهم.
 حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية، وفراراً من البذل والتضحية.
 حينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض، واستثمار خيراتها.
 حينما تكون الهجرة من بلد تُقام فيه شعائر الدين، إلى بلد فرِّغت منه كل القيم.
 وحينما تكون الهجرة تضييعاً للعرض والدين، وكسباً للدرهم والدينار فهي هجرة في سبيل الشيطان، وما أكثرها اليوم.
يمثل هذه الهجرة ملك غساني اسمه جبلة ابن الأيهم..
 قدم على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، معلناً إسلامه، وقد رحب به عمر أشد الترحيب، وفيما هو يطوف حول الكعبة، داس بدوي من فزارة خطأً على طرف ردائه، فأزاحه عن كتفه، والتفت إليه جبلة وضربه ضربةً هشّمت أنفه، فشكاه الفزاري إلى عمر، فاستدعى عمر جبلة، فقال عمر: يا ابن أيهم، جاءني هذا الصباح مشهد يبعث في النفس المرارة بدوي من فزارة، بدماءٍ تتظلم، بجراج تتكلم، مقلةٌ غارت وأنف قد تهشَّم وسألناه، فألقى فادح والوزر عليك، بيديك، أصحيح ما قاله هذا الفزاري الجريح ؟
 قال جبلة: لست ممن ينكر أو يكتم شيئا، أنا أدَّبت الفتى أدركت حقي بيدي.
 قال عمر: أي حق يا ابن أيهم، عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم، عند غيري جبهةٌ بالإثم بالباطل تلطم، نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية، قد دفنَّاها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً.
 أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه أو يُهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك.
 قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة وأنا صاحب تاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً، كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزُّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني.
 فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 هذه القصة ذكرتها لكم كثيراً، ولها تتمة، ورأى عمر ؛ أن التضحية بفرد، أهون من التضحية بمبدأ.. ارتد جبلة، وأخذته العزة بالإثم وأبى أن يخضع لحكم الله، وتسلَّل في جنح الظلام من المدينة، مُتَّجهاً نحو الشمال، هذه هجرة في سبيل الشيطان.. وحينما دنا أجله، تقطع قلبه ندماً على ما فعل، فقد باع عينه الصحيحة بالعور، وقلت لكم قبل قليل كثيراً ما تقع هذه الهجرة، يذهب إلى بلاد الغرب، يقيم هناك، يعجبه فيها كل شيء، فإذا تقدمت به السن، رأى بناته متفلتات، يصحبن أناساً منحرفين، لا يستطيع ضبط الأمر، يصيبه من الألم ما لا يوصف حينما يضيع أولاده وأهله، حينما يرى بناته على شواطئ البحار، يسبحن كاسيات عاريات، ماذا يفعل وهو مسلم ؟..
 حينما يتزوج ابنته رجل غير مسلم، يضعها في أقذر موضع.
 قال جبلة، حينما أدركه الهرم، وندم على هجرته في سبيل الشيطان قال:

يا ليت أمي لم تلدني وليتنتــي  رجعت إلى الأمر الذي قاله عمـــر
ويا ليتني أرعى الشياه بقفــرة  و كنت أسيراً في ربيعة أو مضـــر
ويا ليت لي بالشام أدنى مـعيشة  أجالس قومي ذاهب السمع والبصــر
***

 نعوذ بالله أن نهاجر في سبيل الشيطان، نعوذ بالله أن نترك بلداً طيبا تُقام فيه شعائر الله، مساجده غاصة في طلاب العلم، تعيش بين أهلك المؤمنين، تعيش مع أناس يفهمون عليك، وتفهم عليهم، تعيش مع أناس قيمهم من قيمك، مبادئهم من مبادئك، نعوذ بالله أن تكون هجرتنا في سبيل الشيطان، أو أن نعين في هجرتنا أعداء الإسلام..
 أيها الإخوة الأكارم: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وازنو أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
 الخطبة الثانية:
 أيها الإخوة المؤمنون: قصة قصيرة، جرت مع سيدنا الصديق، لكن علاقتها بالمسلمين الذين يعدون مليار ومائتي مليون..
 سيدنا خالد ابن الوليد عملاق الإسلام وسيف الله المسلول، لما ذهب إلى بلاد فارس ؛ ليفتحها أيام خلافة الصديق، نظر إلى جيشه وجيش العدو، فوجد ميزان القوى مختلاً، غير متكافئ، العدو على رأس مائة وعشرين ألفاً.. وجيشه ثلاثون ألف..
أرسل هذا القائد العظيم، إلى سيدنا الصديق كتاباً يطلب فيه النجدة..
 سيدنا الصديق بكم أمده ؟ بكم ألف أمده، بكم جيش أمده، بكم فرقة أمده ؟..
 أرسل له المدد رجلاً واحداً، يُسمى القعقاع بن عمرو، ومع الرجل رسالة يحملها إلى خالد، ونظر خالد على مرمى البصر ينتظر الآلاف المؤلفة، المدد.. تتحرج لنجدته، فلم يجد أمامه إلا رجلاً واحداً، يهز يديه ويأتي فرداً، ولم التقى بخالد عجب خالد !..
 قال: ألم يرسل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواك ؟..
 قال: بل أرسل معي رسالةً إليك يا خالد..
 ولما فض الرسالة وقرأها فإذا فيها النص التالي:
 بسم الله الرحمن الرحيم
 من عبد الله أبي بكر الصديق، إلى خالد بن الوليد، أما بعد، فإذا وصلتك رسالتي هذه، فلعلك تعجب لأني أرسلت إليك رجلاً واحداً هو القعقاع بن عمرو، ولكنِّي أقسم بالله لك، أن جيشاً في القعقاع بن عمرو لا يهزمه أحد.. واحد، أمده برجل واحد..
 ودارت المعركة، وكانت من عادة الجيش في الإسلام، ان القائد يكون أول من ينزل في الميدان، ليبارز قائد الأعداء، وقال قائد الفرس لجنوده سأبارز خالد ابن الوليد، وعندما أشغله بالمبارزة، يلتفت أحدكم من خلفه ويطعنه، فإذا قتلنا خالداً انتهت المعركة..
 ونزل خالد أرض المعركة، ونزل قائد العدو ليبارزه، وإذا بأحد رجال الفرس يريد أن يأتي خلف خالد ليطعنه، فإذا بالقعقاع بن عمرو يضرب عنق هذا الخائن، فينجو خالد من القتل، وتنتهي المعركة بالنصر..
 إن جيشاً فيه القعقاع بن عمرو لا يمكن أن يهزمه أحد..
 واحد.. هل تُقبل هذه القصة ؟ ! هل تُقبل في ميزان المنطق ؛ أن قائداً على رأس ثلاثين ألفاً، أمام عدو متقدم عليه عدةً وعتاداً على رأس مائة وعشرين ألفاً، يطلب المدد من خليفة المسلمين، فإذا هو أمام رجل واحد معه كتاب يقول: لا تعجب يا خالد، إن جيشاً فيه القعقاع ابن عمرو لا يهزمه أحد.
 أيها الإخوة الكرام: نحتاج إلى قوة إيمان، نحتاج إلى إيمان ؛ لأن الله سبحانه وتعالى مع المؤمنين، وذكرت كثيراً أن المعركة بين الحقين لا تكون ؛ لأن الحق لا يتعدد، وبين حق وباطل لا تدوم ؛ لأن الله مع الحق، أما إذا كانت بين باطلين فلا تنتهي.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين.
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.
 اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين