النضال الديمقراطي بالمغرب ومطلب تفعيل الحكامة الجيدة في السياسات العمومية ما بعد دستور 2011

الحسين بوخرطة

أود أن أشير في البداية إلى أن التفكير في كتابة هذا الموضوع جاء نتيجة مشاركتي في ندوة نظمتها جمعية «بيت الحكمة» في المكتبة الوطنية يوم 2 نونبر 2013 تحت عنوان : «الحكامة الجيدة والسياسات العمومية» (إلى جانب الأخوين امحمد كرين وجمال الشيشاوي). ونظرا لضيق الوقت، وأمام أهمية طبيعة النقاش السياسي الذي عرفته الندوة وعلاقته بالآفاق السياسية للمشروع الديمقراطي المغربي، وجدت نفسي في وضع اضطراري لفتح النقاش من جديد في شأن الإشكاليات المرتبطة بالموضوع، لكن هذه المرة من زاوية ربطها بالسياقات التي ميزت المراحل الأساسية للتاريخ السياسي المغربي: مرحلة الصراع السياسي الصعبة بأحداثها المرتبطة باستراتيجية النضال الديمقراطي، ومرحلة 1998-2011، ومرحلة ما بعد 2011. وتفاديا للتكرار، ارتأيت التركيز أكثر على المرحلتين الأخيرتين نظرا لأهميتهما التاريخية، وارتباط أحداثهما بمفهوم «التوافق» من أجل بناء المشروع الديمقراطي الحداثي، ومستجداتهما السياسية وارتباطاتها بالتطورات الإقليمية والجهوية والدولية.
في البداية، أرى أنه من المفيد التذكير بكون ما تعرفه المنطقة العربية من تطورات سياسية جديدة ليست مجرد أحداث منفصلة عن مجريات أحداث التاريخ السياسي المعاصر بارتباطاته الوطنية والإقليمية والدولية المعقدة، بل هي تطورات مسار تطوري، بإيجابياته وسلبياته، مر بمراحل متباينة في الشكل والمضمون. وفي هذا الصدد أرى من المفيد كذلك التذكير أن المسار السياسي المغربي، خاصة مساره الإصلاحي الذي ابتدأ منذ 1998، أعطى لبلادنا هامشا واسعا للاستمرار في الإصلاح، وبالتالي التمكن من اتخاذ المبادرات اللازمة المؤثرة على مجريات الأحداث (المصادقة الشعبية على دستور 2011، تعيين حكومة على أساس نتائج صناديق الاقتراع). لكن، بقدر ما أحسسنا بنوع من التفاؤل والاطمئنان لهذه الخطوات الهامة، نحس اليوم بالحاجة إلى توسيع النقاش من جديد في مسألة الإصلاح ليشمل كل الإشكاليات والمشكلات التي تعيقه، وعلى رأسها دعم الديمقراطية من خلال تقوية الأحزاب وتقوية الالتقائية المؤسساتية والمجتمعية في مجالات التنوير الثقافي ومناهضة الاستبداد العقائدي. نقول هذا لأن ما حدث ويحدث عربيا يبين اليوم أن الوضع المغربي له خصوصيته، خصوصية أبرزت الحاجة المتجددة إلى الرفع من وثيرة التقدم في المشروع الإصلاحي. فعلى عكس تطور الأحداث في بلدان المشرق العربي، طرح مفهوم الإصلاح بالمغرب بالمسؤولية اللازمة، كمصطلح بعيد كل البعد عن كل التأويلات التراثية الجوفاء، في كل المراحل التاريخية لمساره السياسي منذ الاستقلال. لقد طرح بحدة متصاعدة في الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات، واستمر طرحه، بمنطق متجدد ومتطور، في العقد الأول وبداية العقد الثاني من الألفية الثالثة. وبذلك، لا يمكن الحديث بالمغرب عن مفهوم «الإصلاح» بدون ربطه بمفهوم «المسار»، وبالتالي بروز عبارة «المسار الإصلاحي» كمعطى تاريخي جعل التجربة السياسية المغربية ذات خصوصية مقارنة بتجارب دول المنطقة.
بالطبع، إن وصول البلاد إلى ما هي عليه اليوم لم يكن يسيرا وسهلا، بل كان صعبا للغاية بسبب تباين الغايات والإرادات إلى درجة أن ترتبت عن ذلك مآسي ومعاناة لم يتم تصفيتها حقوقيا,إلا في الوقت الذي تحول تباعد الرؤى بين القوى السياسية والدولة إلى توفير شروط التوافق بشأن البناء الديمقراطي، والعمل بالجهد المطلوب لتحقيق الإجماع الوطني حول القضية الوطنية والتنمية الترابية.
هذا بالنسبة للمغرب، أما ما عرفته وتعرفه دول المشرق العربي فهو جد مختلف. قضية الإصلاح السياسي كفكرة لم تصبح أكثر راهنية في خطابات القادة العرب إلا بعدما تم طرحها من طرف الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن وإدارته. كما أن طرحها من طرف الولايات المتحدة الأمريكية في ذاك الوقت لم تملها اعتبارات مرتبطة بالمستقبل الديمقراطي لهذه البلدان، بل كان هذا الطرح محورا أساسيا في إستراتيجيتها الجديدة بعد سقوط حائط برلين. فبعد حل المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، صرحت أمريكا أن المهدد الجديد لمصالحها هو تيارات الإسلام الحركي، ودعت كل الدول إلى الدخول في النظام العالمي الجديد بشعاراته البارزة: الليبرالية الاقتصادية والسياسية، الديمقراطية وحقوق الإنسان الكونية، مناهضة الاستبداد بكل أشكاله، التنمية المستدامة، ومحاربة الإرهاب. ومباشرة بعد حدوث تفجيرات 11 شتنبر 2001، ازداد حرصها وضغطها على تطبيق هذه الشعارات وباستعجال. إنها إستراتيجية تحويل الحرب على الإرهاب من حرب أمريكية بامتياز إلى حرب شاملة بأبعاد دولية ووطنية، حيث أصبحت «مواجهة الإرهاب» على صعيد كل الدول من الواجبات الدولية. موازاة مع الحرص الأمريكي على فرض منظوره الإصلاحي الخاص، بقيت فكرة الإصلاح السياسي في المشرق العربي مجرد شعار لم تتمخض عنه أية تطورات إيجابية.
أما بالنسبة للمغرب، فعندما أعلن بوش الابن إستراتيجيته الإصلاحية في العالم العربي، كان المغرب قد تخطى مرحلة الصراع السياسي، وقطع أشواطا هامة في مسار الانتقال الديمقراطي التوافقي، مسار ثبتت أسسه حكومة عبد الرحمان اليوسفي. إنها مراحل جعلت المغرب بكل مكوناته يشعر اليوم بالحاجة المستعجلة إلى المرور إلى مرحلة النضال من أجل التنوير الثقافي كأساس لعقلنة الفعل الديمقراطي، أي عقلنة الاختيار السياسي على أساس القناعات الفكرية والإيديولوجية. إنها الحاجة إلى ترسيخ الخصوصية المغربيةّ، ترسيخ لا يترك مجالا لإثارة أو حدوث أي تهديدات فئوية أو أطماع للأقليات السياسية أو بوادر ما يسمى بالدولة العميقة. في اعتقادي، المغاربة يحتاجون اليوم إلى النجاعة في الفعل الحكومي لتحقيق مقومات مفهوم الحكامة الجيدة في كل المجالات، وبالتالي تحقيق الهدف المادي في البرامج السياسية والرفع مستوى عيش المغاربة.
وعليه، أرى أن المطلوب اليوم من الحكومة، المنبثقة عن صناديق الاقتراع بعد المصادقة الشعبية على الدستور الجديد، استعمال كل سلطها الدستورية من أجل تفعيل الحكامة الجيدة في كل المجالات (المنصوص عليها دستوريا). إن ابتعادها عن هذا الهدف ما بين تعيينها الأول والثاني وتعبيرها، خطابا وممارسة طوال هذه المدة، على نوع من التعالي والتشبث بالرأي الواحد وإقصاء الفاعلين من المشاركة في تدبير الشأن العام (وعلى رأسهم النقابات والمعارضة)، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تبخيس العمل السياسي وإضعاف الثقة في السياسة. إن عدم التزامها الواضح ببنود الدستور الجديد وتنزيل قوانينه التنظيمية في الآجال المعقولة هو تعبير صريح عن عدم التزامها بضمان الاستمرارية في المسار الإصلاحي. وهنا أرى من المفيد، وعلى سبيل الاستئناس، أن أذكر أن مقومات الحكامة الجيدة، التي يتكرر ذكرها بكثرة في الخطابات الحكومية، لن تستوي بدون بذل أقصى الجهود من أجل:
* تجميع القوى المؤسساتية والمجتمعية للاستجابة للمتطلبات الجديدة المنبثقة عن تعقيد الترابطات بين الأشخاص والمجتمع والمحيط البيئي، وبين الدولة والمجتمع،
* تحقيق الكفاءة المجتمعية بمقومات جديدة تربط طموح تقوية الفعل السياسي والاقتصادي بالتمثيلية الديمقراطية،
* الاعتراف بالخصوصيات الترابية والمصالح المشروعة للفاعلين، وضرورة تسيير وتدبير الترابطات والروابط بطريقة تفاوضية سلمية.
* تنظيم التعاون والتعاضد بين الفاعلين العموميين والخواص والمجتمع المدني (تقوية التقنيات التعاضدية)، وتطبيق الشرعية والمشروعية كمبدأ عام وشامل للمسؤولية،
* تحقيق الرضا المجتمعي على منطق التدبير وأشكال ممارسة السلطة (الموافقة الشعبية) وضمان الانخراط العميق للساكنة في مختلف الأوراش التنموية (انخراط بقدرات ومؤهلات)
* تحويل المنطق الديمقراطي إلى آلية ناجعة للحد من استبداد الأغلبية وهيمنة مصالحها وإقصاء الأقليات،
* تحويل الدولة الوطنية إلى محرك محوري لسياسة التنمية، ومحفز لكل الفاعلين على التعبئة واحترام القواعد المتوافق بشأنها، والعمل على تحويل الحكومة إلى مجرد فاعل في صنع القرار عوض احتكاره، فاعل له مسؤولية محورية في خلق الالتقائية وإنضاج التوافقات الإيجابية وتقوية فعل كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين ومكونات المجتمع المدني.
* الاعتراف بحق الفاعلين في الدفاع والتفاوض والترافع على مصالحهم المشروعة وحقهم في المشاركة في تدبير الشأن العام ،
* إنضاج الشروط الموضوعية للرفع من مستوى القدرة على التحكيم بين المصالح المتضاربة لمختلف الفاعلين وتوجيهها لتحقيق الإجماع بشأن المصالح العامة والعمل على تحقيقها بفعالية ورؤية إستراتيجية،
* الرفع من قدرة الوحدات الترابية على تدبير شؤونها بنجاعة ومسؤولية أمام المستويات الأخرى،
* تحقيق الترابط القوي بين الأنشطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية.
* ضمان التكامل بين الأبعاد السياسية (شرعية التمثيل والمشاركة والمساءلة والشفافية وحكم القانون)، والاقتصادية الاجتماعية (نجاعة السياسات العامة والتأثير على حياة السكان وتحسين نوعية الحياة والوفرة المادية)، التقنية والإدارية (كفاءة الجهاز وفاعليته وضمان استقلاليته عن النفوذ السياسي، ضمان استقلالية المجتمع المدني عن الدولة، وإخضاع السياسات الاقتصادية والاجتماعية للمشاركة والمحاسبة والشفافية).
…إلخ.
> خاتمة
استحضارا لما قلناه أعلاه، أود أن أختم مقالي هذا بثلاث خلاصات، أعتقد أنها مرتبطة فيما بينها:
الخلاصة الأولى: أعتقد ما حققه المغاربة منذ الاستقلال قد مر من عدة مراحل أساسية وساهم في تحقيق التراكمات بشكل مستمر إلى درجة تحقيق الإجماع الوطني بشأن الثوابت الوطنية (الملكية، الديمقراطية، الوحدة الوطنية،…)، الشيء الذي ساهم في بروز الخصوصية المغربية في زمن ما يسمى ب»الربيع العربي». موازاة مع هذا المعطى السياسي، برزت حاجة المغاربة إلى الدخول في أشواط إصلاحية جديدة تساهم في تقوية الرؤية الإصلاحية بشكل لا يترك أي هامش فعل بالنسبة لمن يسعى إلى إفساد ما صلح في بلادنا, سواء كانت قوى خارجية أو داخلية. إنها الحاجة إلى التقدم السريع في ترسيخ مفهوم الإصلاح سياسيا كمرادف لتقوية الواقع السياسي والثقافي وإعطائه صورة مغايرة ومتغيرة ومتجددة باستمرار تضمن التداول على السلطة بين اليمين واليسار.
الخلاصة الثانية: إن الرؤية الإصلاحية التي بناها المغاربة بسواعدهم، وقدموا من أجلها التضحيات الجسام، جعلت البلاد تعيش اليوم صراعا سياسيا أفقيا جد إيجابي، صراع يجب أن لا يترك أي هامش لبروز الصراعات الطائفية والمذهبية الضيقة، ويجب أن يتحول إلى سد منيع أمام النزعات الانتهازية التي تحرص بكل ما لديها من جهد على «الركوب» على ما أسماه المرحوم أركون ب»الجهل المقدس» لفرملة مسار التنوير الثقافي في المجتمع، وفي نفس الوقت يساهم في تقوية الثقة في السياسة وفي الأحزاب السياسية (في مرجعيتها الإيديولوجية وفي استقلاليتها التنظيمية).
الخلاصة الثالثة: موازاة مع مجهودات التنوير الثقافي المطلوبة، تحتاج البلاد إلى التطبيق الفعلي لأهداف ومقومات الحكامة الجيدة، وبالتالي الرفع من مستوى الموضوعية والنجاعة في الفعل في مختلف التنظيمات الإدارية والسياسية من خلال التعامل مع الفاعلين كطاقات تحتاج إلى التفجير في سياق تفاعلي يجب أن يضمن فعالية تنشيط الحياة الإدارية والسياسية في مختلف المستويات الترابية (إنتاج الرواد عوض الاعتماد على البيروقراط). فإضافة إلى إعلان «رفع يد» الدولة على الأعيان التقليدية والتصريح بإخضاعهم لامتحان الحكامة الجيدة والتكيف مع التراكمات الديمقراطية، تخليق الحياة السياسية يتطلب كذلك الحزم في محاربة المحاولات المتكررة لإفساد مختلف الاستحقاقات الانتخابية بالمال الحرام.

..عن جريدة الاتحاتد الاشتراكي..6/11/2013