38 سنة على انطلاق المسيرة الخضراء

عبد الرزاق السنوسي معنى

 

بعد 38 سنة، وفي مثل هذا اليوم 6 نونبر 1975 انطلقت مسيرة شعبية إلى الأقاليم الصحراوية، التي كانت مستعمرة من طرف اسبانيا. جاءت هذه المسيرة التاريخية التي سميت ب «المسيرة الخضراء» بعد إعلان الملك الراحل الحسن الثاني يوم 16 أكتوبر 1975 عن تنظيمها، من أجل استرجاع الصحراء، وتحرير الأقاليم الجنوبية للمملكة. وكان الخطاب الملكي جاء بعد أن بثت محكمة العدل الدولية بلاهاي في ملف المغرب، وجاء رأيها الاستشاري معترفا للمغرب بحقه في صحرائه.
وقبل انطلاق المسيرة وجه الحسن الثاني خطابا من قصر البلدية بمدينة أكادير بتاريخ 5 نونبر 1975، أعلن فيه انطلاق المسيرة. جاء في خطاب جلالته الموجه إلى المغاربة الذين تطوعوا للمشاركة في هذه المسيرة: «غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، غدا إن شاء الله ستطئون طرفا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون ثرى من وطنكم العزيز».
وقد انطلقت المسيرة الخضراء الشعبية يوم 6 نونبر 1975، من مدينة طرفاية، التي شارك فيها 350 ألف مغربي ومغربية، ومن مختلف أقاليم المغرب ومدنه. والتي تعتبر إحدى المسيرات الشعبية التاريخية في المغرب. وتوغلت لمسافة 15 كلمترا داخل إقليم الصحراء المغربية. واستطاعت أن تظهر للعالم شهامة المغاربة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. وتضع حدا فاصلا مع منطق الحرب وأسلوب المغامرة.
بعد أربعة أيام على انطلاق المسيرة الخضراء، بدأت اتصالات دبلوماسية مكثفة بين المغرب وإسبانيا للوصول إلى حل يضمن للمغرب حقوقه على أقاليمه الصحراوية. وتمكنه من تحرير الأقاليم الجنوبية للمملكة. وفي 9 نونبر 1975 أعلن الملك الحسن الثاني أن المسيرة الخضراء حققت المرجو منها، وطلب من المشاركين المتطوعين في المسيرة العودة والرجوع إلى نقطة الانطلاق أي مدينة طرفاية، حتى يتم التوصل إلى حل سلمي. يقول الملك الراحل الحسن الثاني في ذاكرة ملك، عن الوقت الذي قرر فيه وقف المسيرة الخضراء: «.. في الوقت الذي أدركت فيه جميع الأطراف المعنية انه يستحسن أن تحل الدبلوماسية محل الوجود بالصحراء. ولم يكن إرسال المغاربة في المسيرة الخضراء بالأمر الأكثر صعوبة، بل كان الأكثر من ذلك هو التأكيد من أنهم سيعودون بنظام وانتظام عندما يتلقون الأمر بذلك، وهم مقتنعون بأن النصر كان حليفهم، وذلك ما حصل بالفعل».
بعد الاعلان عن توقف المسيرة الخضراء، كتب الشهيد عمر بنجلون افتتاحية كلمة العدد، لجريدة «المحرر» يوم 11 نونبر 1975 تحت عنوان «مسيرة … تستلزم الاستمرار»، من بين ما جاء فيها: «… فلتتم المسيرة اذن، مع ما يمكن أن يترتب عنها من نتائج إيجابية أو سلبية ? وليساهم الوطنيون والتقدميون للتأكيد على أنها قضية شعبنا، قضية تحرير أراضينا في إطار موقف المغرب المبدئي وفي إطار رفض الاعتبارات التكتيكية الملتوية، وفي إطار العزم على مواجهة الطامعين من الآن…».
وأذكر أن هذا العدد منعته مصالح الرقابة القبلية، لضرب الحصار عن قضيتنا الوطنية، فجاء هذا الحجز رغم دفاع «المحرر» عن الصحراء المغربية.
في 14 نونبر 1975 وقع المغرب واسبانيا وموريطانيا اتفاقية لاستعادة الأقاليم الجنوبية، وهي الاتفاقية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصودق عليها بمغربية الصحراء، في اجتماع العيون يوم 26 فبراير 1976 من طرف موقف سكانها «الجماعة» أي الهيئة الصحراوية الوحيدة ذات الطابع التمثيلي الحقيقي، وتم وضع حد للوجود الاسباني بالمنطقة.
للتذكير, بدأ الصراع على الصحراء المغربية بعد تصريح فرانكو بنية منح الاستقلال للصحراء، حيث مافتئ المغرب يطالب باسترجاع صحرائه المغتصبة منه منذ سنين طويلة، منذ سنة 1830عندمااحتلت القوات الفرنسيةالجزائر، وللتذكير فقد تم الإعتراف بمغربية الصحراء بتاريخ 5 غشت 1890، بموجب اتفاقية سرية بين فرنسا وبريطانيا. كما أن الحكومة الجزائرية المؤقتة كانت قد اعترفت بالحدود المغربية المتفق عليها بالرسوم والخرائط،وأعطت هذه الحكومة وعدا للمغاربة أنه بعد استقلال الجزائر ستسلم هذه الأراضي إلى المغرب، كما أن الشريف بلقاسم أحد المسؤولين الجزائريين قال في إحدى اللقاءات بأنهم لازالوا على وعدهم بتسليم هذه الأراضي, لكن تسليمها لن يكون لهذا النظام الحاكم ويقصد النظام الملكي.
للتذكير أيضا أن الصحراء المغربية، كان قد حررها «جيش التحرير المغربي في الجنوب،» سنتي 1957 و1958، هذا الجيش الذي كان يضم مناضلين من جميع أنحاء المغرب، من الريف والأطلس وتافيلالت وأيت بعمران وسوس وفكيك والساقية الحمراء ووادي الذهب وطرفاية والشاوية وورزازات.. إلا أن تحالف الاستعمار الاسباني مع الاستعمار الفرنسي، استطاع أن يتحدا ويغزوا الصحراء من جديد وضد جيش التحرير المغربي عن الصحراء المغربية المحررة. وقد أطلق على هذا المخطط الاستعماري السري لقب «إيكوفيون». كما أن معركة «إيكوفيون» التي وقعت بالجنوب ضد جيش التحرير، وجهت أصابع الاتهام فيها إلى عناصر متنفذة في الجيش المغربي آنذاك، حيث ساهمت في تقديم الدعم «اللوجيستيكي» لضرب جيش التحرير، من خلال مطار «بنسركاو» بأكادير وعرقلة خطوط النجدة والإمداد.
وللتذكير أيضا أن لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مواقف شجاعة في قضية الصحراء المغربية من بينها :
1 – نذكر المسيرة التاريخية التي انطلقت في شوارع مدينة أكادير من أجل تحرير الصحراء المغربية، والتي تحركت من المؤتمر الإقليمي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمدينة، والتي كان يترأسها الفقيد عبد الرحيم بوعبيد، وذلك بعد النداء الملكي، وتلتها مسيرات شعبية واحتجاجات جماهيرية في جل المدن المغربية، تنادي بتحرير أقاليمنا الصحراوية، وكل الأراضي المستعمرة. وذلك بعد النداء الملكي.
2 – موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من قضية الصحراء المغربية، الذي أدى عليه الثمن سنة 1981، حين تم اعتقال عبد الرحيم بوعبيد من طرف الشرطة والتحق به الإخوة أعضاء المكتب السياسي محمد اليازغي، محمد الحبابي، محمد منصور، محمد الحبيب الفرقاني، وذلك على إثر بلاغ أصدره الحزب بتاريخ 5 شتنبر الذي يحدد فيه موقف الحزب من قضية الصحراء المغربية، إثر القرار الذي اتخذه مؤتمر نيروبي، والمتعلق بإجراء استفتاء في الصحراء، والذي قبله الراحل الحسن الثاني.
3 – كان من بين المشاركين في المسيرة الخضراء، عدد كبير من المناضلين الاتحاديين، وكان من بين الإخوة عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي أنذاك، الأخ محمد منصور، الذي صرح بعد عودته بتصريح جاء فيه: «مشاركتنا أكدت اعتزازنا بالانتساب لشعبنا العظيم.. « وأضاف «.. تأثير المسيرة الشعبية كعنصر حي وديناميكي في القضية المصيرية..».
وفي الأخير أختم هذه المادة بمواقف الشعب المغربي اتجاه قضيته الوطنية، بعد المسيرة الخضراء، حيث صعد شخصان حاملان علمين مغربيين على إحدى القبب وهي مبنى المراقبة الإسباني، الذي غادرته الادارة الإسبانية قبل ذلك بحوالي عشرة أيام، وكان ضمن الصاعدين أحد سائقي إحدى الحافلات يسمى بوشعيب، وهو من مدينة طنجة، فاستولى على أحد العلمين وصعد بدوره على إحدى القبب ملوحا بحماس ومناديا بشعارات النصر…

…عن جريدة الاتحاغد الاشتراكي ..6/11/2013