محددات في تدبير المرحلة بالصحراء المغربية

ايعيش محمود *

أضحى الاهتمام  بخاصية الدولة المدنية في عالمنا اليوم من أهم الانشغالات التي تحظى باهتمام المجتمعات البشرية التي تسعى إلى دمقرطة  الدولة ونظمها لخدمة الفرد والمجتمع بغض النظر عن الانتماء العقائدي والإثني واللغوي والعرقي بهدف إشباع رغباته وملامسة قضاياه العامة والخاصة وإشاعة مساحات واسعة من الحرية والديمقراطية، و كذا استئصال العوامل التي تعوق وتكبل تطلعاته الآنية والمستقبلية المحققة للحرية والإبداع وتخليق الحياة العامة والدفع بها إلى رحاب المعرفة والتنمية والتحرر من براثن التخلف والرجعية والانغلاقية, فالتطورات التي طالت مجال الحياة السياسية بالمغرب مكنت الدولة من شق طريقها في مجال تصفية العديد من القضايا الحقوقية التي أثمرت سنة 1991 التنصيص  على تمكين اللهجة الأمازيغية من لعب دورها الأساسي في بلورة حقيقية لأسس الثقافة المغربية على أرضية المساواة والديمقراطية, بالإضافة إلى أن الدستور الحالي أعطى للمغرب دفعا قويا على المستوى الحقوقي من خلال دعم المجالات الحقوقية. ويأتي إحداث ديوان المظالم الذي أصبح حاليا مؤسسة الوسيط ليتمم هذا المسار,كما أن أهمية القرارات التي صاحبت التطور الديمقراطي في المغرب, خصوصا في المجالات المرتبطة بالقضايا الحقوقية والمطلبية والمطالبة بالمناصفة أهلت المغرب لاحتلال مواقع متقدمة في المنظومة الدولية على المستوى الحقوقي. فالآليات الدستورية التي يتضمنها دستور يوليوز 2011 مكن المغرب من تجاوز العديد من المشاكل و القضايا المرتبطة بالمجال الحقوقي, خصوصا على مستوى إشراك المرأة في القرار السياسي من خلال تحمل المسؤولية في مختلف مراقي الإدارة المغربية, ويأتي القرار المتخذ في مجال دسترة اللغة الأمازيغية وإعطاء الثقافة الحسانية مكانتها الاجتماعية والمجالية اللائقة بها مما يعد عاملا أساسيا في الدفع بدمقرطة المناخ السياسي بالمغرب, وترسيخ آليات التنمية  و إرساء دعائم المؤسسات الدستورية بما يخدم التوجه الحالي للمغرب الحديث.
إلا أنه برغم ما تحقق, فهناك مجموعة من الملاحظات و التساؤلات تطرح نفسها طرحا كلما تعلق الأمر بالمطالب الآنية و الملحة على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي لساكنة الجنوب, خصوصا و أن التعاطي المنتهج لا يحقق النتائج و الأهداف المرجوة بحكم العديد من الممارسات المخلة بمبادئ الحكامة و التدبير الإداري المحقق للعدالة الاجتماعية,خصوصا مع انعدام حس المسؤولية لدى بعض المسؤولين في الإدارة الترابية بالمنطقة بفعل التهافت اللامقبول على المصالح العينية والمادية, كما أن ثلة من أعيان و نخب المنطقة الذين استفادوا من الظروف السياسية التي أحاطت بملف الوحدة الترابية,خصوصا على مستوى توارث الامتيازات التي طالت كل المناحي الحياتية و بالأخص ما يتعلق منها بمجال تدبير الشأن العام المحلي, مما أدى إلى تنامي مستوى الاختلالات التي انعكست سلبا على الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية بسبب أحادية النظرة المغيبة لخصوصة المنطقة وتقاليدها وعاداتها ومجمل الروابط المتجذرة بين مختلف القبائل الصحراوية المقدسة للبنى الاجتماعية التقليدية التي تعتبر محورا وأرضية لكل المواقف والتوجهات المتحكمة في بناء أرضيات القرارات المتخذة جهويا مما يحتم استدراك واستقراء كل الأبعاد والتطورات المرتبطة بجدلية الحقوق والواجبات في كل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية وكذا الفردية والجماعية, مع ملامسة كل الانتظارات واعتماد ثقافة المحاسبة و المعارضة البناءة التي تجعل من المواطن شريكا في كل المجالات في إطار سيادة القانون و أحقية المواطنة للجميع. بالإضافة إلى أن الحد من ثقافة الامتياز والاغتناء عن طريق استغلال المال العام و النفوذ السياسي.
فضرورة إعادة النظر في بنية المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (كوركاس) يعتبر حتمية لا محيد عنها و ذلك باعتماد مقاربة ديمقراطية بدل التعيين المباشر,  فإشراك الفعاليات المجتمعية و الأطر الصحراوية يعتبر المدخل الأسلم لتدبير الشأن العام المحلي و الجهوي في إطار الجهوية الموسعة. كما أن إحداث فضاء للنخبة المثقفة الصحراوية يوازي في توجهاته المعهد الملكي للأمازيغية بسبب الخصوصية الثقافية و الإثنية للمنطقة, كما أن اعتماد استراتيجيه  واقعية ترتكز على الشفافية والتمثيلية لكل الفعاليات الصحراوية في أفق إحداث التغييرات الملبية لتطلعات  ابناء الصحراء في غد أفضل, مكسر للهوة النمطية السائدة حاليا على أكثر من مستوى وعلاقة  من خلال عقد سياسي جديد يتجاوز كل الاحباطات والممارسات التي لا تصب في بناء مستقبل ديمقراطي مكرس للعدالة الاجتماعية ورافض لكل أساليب  الوصولية والانتهازية والزبونية والمصلحية الضيقة  المفرغة للفعل  والعمل السياسي الجاد.
فإنجاح كل المبادرات المحققة لتطلعات المواطنين والمواطنات الصحراويين تعتبر مدخلا حقيقيا  لتجاوز الاحتقان الحاصل الذي لايتماشى مع المستجدات الداخلية والخارجية ومع المحيط الجيوسياسي المخيم على المنطقة المغاربية ككل .مما يحتم تقوية الجبهة الداخلية عن  طريق تسوية الملفات  الحقوقية لبناء مصالحة وطنية موطدة للوحدة الوطنية والترابية .وكذا من خلال تجاوز كل الترضيات والارضاءات المعمقة للتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بالصحراء.

* مركز الصحراء للدراسات والأبحاث السوسيوثقافية

..عن جريدة اتلاتحاد الاشتراكي..11/7/2013