أزمة الأمن المائي المصري… بداية أم نهاية…!؟

بقلم: مصطفى قطبي

الشح السياسي الذي يتسم به الأداء المصري على المستويين الداخلي والخارجي، يتلاقى على غير موعد مع شح آخر هو الشح المائي، الناتج عن الاستراتيجية الجديدة لدول منابع النيل. ففي ظل تجاهل حكومة ”حازم الببلاوي”لملف الخلاف مع دول حوض النيل، حول حصص المياه والحقوق التاريخية في مياه النهر، فأثيوبيا تعمل على قدم وساق لتحويل مجرى نهر النيل الأزرق في إطار مشروع ”سد النهضة” استكمالاً لخطة حصار مصر مائياً التي يعمل عليها الصهاينة منذ سنوات للسيطرة سياسياً على بلدان حوض النيل.
وفي تصريح لافت ومستفز، اعتبر رئيس الوزراء ”الببلاوي” في مؤتمر صحفي عقد مؤخراً، ”أن سد النهضة الإثيوبي سيكون مصدر رخاء لأثيوبيا والدول المحيطة يها، مشبراً أن ذلك سيؤدي إلي خلق علاقة وطيدة بين مصر والسودان”. وقد أثار هذا التصريح ردود غضب وموجة من السخط الشعبي في مصر… لما لهذا الإجراء الأثيوبي من انعكاسات، قد تصل حد  جفاف الأرض وتدمير الرقعة الزراعية في مصر وانخفاض كهرباء السد العالي وتوقف محطات مياه الشرب وانهيار الصناعة وهو ما يؤكد عليه الخبراء.
صحيح أن المخطط الإثيوبي لبناء السد ليس وليد اللحظة، لكن القرار الإثيوبي ليس بريئاً ومنعزلاً عن  إظهار قبول حكومة ”الببلاوي” بهذا القرار الذي يضغط على عنق المصريين المائي. و ليس صحيحاً أن كمية مياه النيل التي ستصل إلى مصر لن تتأثر سلباً، وعلى حكومة ”الببلاوي” أن تأخذ بعين الاعتبار رأي الخبراء الذين رؤوا في قرار إثيوبيا إهانة للمصريين واستغلالاً لظروف مصر، فضلاً عن التداعيات التي يمكن أن تنجم عنه، بما في ذلك تشجيع دول أخرى في حوض النيل على الاعتداء على الحقوق المائية لمصر والسودان، ولاسيما أن المخطط النهائي للسد سيرفع سعته إلى 74 مليار متر مكعب من المياه، في حين أن المخطط الأول منح السد سعة 11 مليار متر مكعب مع الأخذ بالاعتبار أن إثيوبيا تخطط لإنشاء سدود أخرى بالتعاون مع الكيان الصهيوني ستجعلها في نهاية المطاف تتحكم بشكل كامل بالنيل الأزرق والمياه الواصلة إلى مصر، حيث أن النيل الأزرق يمد مصر بنحو 60 في المائة من حصتها السنوية من مياه النيل.
إن الجغرافيا تستبد الآن بمصر، بحاضرها ومستقبلها، فالنيل (الذي مصر هِبَته) يرفده نهران هما: ”النيل الأبيض”، الذي تنبع معظم مياهه من بحيرة فيكتوريا، التي تتقاسَم حدودها أوغندا وتنزانيا وكينيا، و”النيل الأزرق”، الذي تنبع مياهه من بحيرة تانا في أثيوبيا، وهو الرافد الأهم للنيل، فإن نحو 85 في المائة من المياه المغذية للنيل يأتي من ”النيل الأزرق”. وهذان النهران، أو الرافدان، يلتقيان بالقرب من العاصمة السودانية الخرطوم، ثم يصب النيل في البحر المتوسط، فيذهب جزء كبير من مياهه هدراً، وكان هذا الجزء (المهدور) أكبر قبل بناء السد العالي.

حصة مصر من مياه النيل 84 مليار متر مكعب، وعجزها المائي 22 مليار متر مكعب، أما أثيوبيا فحصتها 130 مليار متر مكعب، تضاف إليها مياه 12 حوضاً. وحصتا مصر والسودان من مياه النيل (84 مليار متر مكعب) تعدلان أقل من 5 في المائة مِما يسقط من أمطار على دول المنبع.
من بحيرة (فيكتوريا) تقع في أراضٍ غير عربية، هي أراضي أوغندا وتنزانيا وكينيا، ينبع معظم مياه النيل الأبيض الذي يرفد النيل. ومن بحيرة (تانا) تقع في أرضٍ أخرى غير عربية هي أثيوبيا، ينبع النيل الأزرق الذي منه يأتي نحو 85 في المائة من المياه المغذية للنيل.

أثيوبيا الآن، ولبناء ”سد النهضة”، المولد للكهرباء مستقبلاً، شرعت تُحول مجرى النيل الأزرق، والسعة التخزينية لهذا السد 74 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق، وهذا إنما يعني أنَّ حصة مصر (التي عجزها المائي الآن 22 مليار متر مكعب) ستتضاءل، كما سيتضاءل إنتاج السِّد العالي من الطاقة الكهربائية.
التأثيرات السلبية لهذا المشروع متعددة بين مخاطر وإضرار بحصة مصر، حيث يؤكد المتخصصون، أنه في حال السماح بامتلاء البحيرة خلال ثلاث سنوات بمعدل 25 ملياراً كل سنة، فهذا يعني حسم هذه النسبة من حصة مصر والسودان، وبالتالي بوار خمسة ملايين فدان من الأراضي الزراعية، سيكون معظمها في مصر، لأن سدود السودان الثلاثة على النيل الأزرق تحتجز حصة السودان كاملة من المياه قبل وصولها إلى مص.
ومما يدعو إلى دق ناقوس الخطر، أن سد النهضة إسمنتي بالكامل وليس سداً ركامياً مثل السد العالي، ما يجعل معامل أمانه منخفضاً واحتمالات انهياره مرتفعة، وانطلاق 74 مليار متر مكعب من المياه في توقيت واحد، تعني إبادة مدينة الخرطوم بالكامل وجميع المدن شمالها وتغطيتها بالمياه بعمق تسعة أمتار، ما يهدد السد العالي في مصر بالانهيار إذا كانت البحيرة خلف السد ممتلئة وذلك يعني اجتياح جميع المحافظات المصرية بالكامل حتى مدينة الجيزة.‏
وقد أكد أحد خبراء المياه المصريين المكلفين بدراسة آثار وتداعيات تشييد سد ”النهضة” الأثيوبي على نهر النيل، أن القطاع المائي المصري سيتضرر بشكل كبير من إقامة هذا السد، حيث سينخفض مقدار حصة مصر من مياه النيل بحوالي الثلث. وأن كمية المياه الحالية التي لا تكفي مصر وتصل إلى 55 مليار متر مكعب سوف تنخفض بعد اكتمال هذا السد إلى 63 مليار متر مكعب، ما سينتج عنه أضرار بيئية واقتصادية خطيرة.
و في نفس السياق، أكد خبراء ومسؤولون مطلعون بأن مصر ستتكلف سنوياً 50 مليار جنيه (7 مليارات دولار) لتحلية مياه البحر وتعويض النقص الذي سيسببه السد الإثيوبي في حصة مصر من مياه النيل، أي بواقع 12 في المائة من ميزانية الدولة ستخصص لتغطية الاحتياجات المائية للبلاد.
ويكشف تقرير حكومي مصري، عن سد النهضة الأثيوبي أنه في حالة ”الملء والتشغيل” للسد سيتم انخفاض توليد الكهرباء من السد العالي ليصل إلى 4500 ميغاوات، أي بنقص قدره 37 في المائة، مع حدوث عجز كلي في توليد الطاقة الكهربائية ليصل إلى 41 عاماً. وأكد التقرير الذي أعدته لجنة شكلتها الحكومة المصرية من 20 خبيراً ومسؤولاً من وزارات الري والكهرباء والبيئة وأساتذة الجامعات أن ”هناك خطورة من إنشاء سد النهضة على الأمن المائي لمصر، لأنه سيحدث عجزاً مائياً في إيرادات النهر أمام السد العالي تصل  إلى 44.7 مليار متر مكعب خلال 4 سنوات”.
وبناء ”سد النهضة”، الذي لا ريب في إضراره بالأمن المائي لمصر، وبأمنها القومي والاستراتيجي، لا يمكن إدراجه إلاَّ في سياق سعي استراتيجي لإضعاف مصر، ولإعلاء بنيان ”إسرائيل العظمى”، فيد إسرائيل، التي ستحْكِم قبضتها على كهرباء السَّد، إنتاجاً وتوزيعاً، في بناء هذا السَّد مرئية لكل من له عينان تُبصران.

هذا السَّد، وبما يتمتع به من أهمية كهربائية وزراعية ومائية، وبما يتسبب به من إضعاف لمكانة مصر الاستراتيجية، سيكون نقطة انطلاق لمزيدٍ من النفوذ الإسرائيلي في القارة الإفريقية التي أهملها العرب بما جعلها تطلب مزيداً من هذا النفوذ. وإنه لَمِنَ الوهم القاتل للحكومة المصرية، أنْ ينظر إلى الصلة الاستراتيجية المتنامية بين إسرائيل وأثيوبيا على أنها أمر عابر مؤقت، فأثيوبيا لديها من المصالح والأهداف الإقليمية ما يشدد لديها الميل إلى تحالف استراتيجي دائم مع إسرائيل، التي لن أتفاجأ بتأسيسها لوجود عسكري في أثيوبيا، وحَول ”سدِّ النهضة” على وجه الخصوص، يدرأ عن أثيوبيا وسدها هذا مخاطر عسكرية خارجية، مَصدرها المتضرر الأكبر من بناء هذا السد، وهو مصر.
واليوم تأتي الخطوة الأخيرة في مضمار التآمر الإسرائيلي على مياه نهر النيل بإقامة (سد النهضة) في أثيوبيا ويرجع اقتراح بناء هذا السد إلى 1964 عندما طلبت إسرائيل من أثيوبيا بناء على نهر النيل وعندها كان الاعتراض المصري في عهد الرئيس الراحل ”جمال عبد الناصر” على إقامة مثل هذا السد الذي سوف يجعل أرض مصر جرداء ويتسبب في هلاك الزرع والضرع، وفي خطابه الذي ألقاه يوم 6/6/1964 في القاهرة (أن مصر لم ولن تسمح ببناء سدود تحجب مياه النيل عن مصر) لكن الفرصة أصبحت مناسبة لإسرائيل لتمويل بناء هذا السد.
أولاً: للضغط على مصر بإضعافها اقتصادياً نتيجة حجب المياه عن أراضيها وبذلك يمكن لها أن تنحني لأوامر إسرائيل وسيطرتها على المنطقة العربية.
ثانياً: لاستغناء عن تصفية مياه البحر الذي يكلفها أسعاراً باهظة، فقد قدم رئيس جامعة حيفا بن ”جوريون بارتمان”، و”نحميا حسين” آنذاك دراسة سابقة عن وضع المياه في إسرائيل عرضت على البنك الدولي أكدا فيها، أن الزيادة الديموغرافية في منطقة الشرق الأوسط هي المسؤولة عن نقص المياه بواسطة التحلية سيتكلف 75 سنتاً في حين أن الحصول عليه من مياه النيل لن يزيد على 45 إلى 50 سنتاً، ما يكشف عن جذر المسألة الحقيقي بأن إسرائيل طامعة في بناء هذا السد الأثيوبي الذي سوف يدمر حياة 35 مليون فلاح يمارسون الزراعة ويسبب عطشاً لشعب مصر المتنامي ويخلق أوضاعاً سلبية في السياحة النهرية في حوض النيل ويوقف الطاقة الكهربائية التي تعمل بواسطة( توربينات) في السد العالي، مع موت وهلاك الثروة السمكية وكل ما هو حي في هذا النهر.
وهذا ما يذكرنا باقتراح رئيس جامعة تل أبيب الأسبق ”حاييم بن شاهار”، في ندوة التعامل الاقتصادي لدول الشرق الأوسط التي عقد في لوزان عام 1989، (أن تقوم مصر بمنح إسرائيل حصة من مياه النيل مع فتح ترعة سيناء)، ويتزامن بناء (سد النهضة) الأثيوبي مع تزايد طموحات (تركيا) العدوانية على العرب ومشاركتها مع إسرائيل في المؤامرة الكبرى على سورية العربية وقتل شعبها وحرق أرضها، ومنع مياه الفرات من الوصول إلى المساحات الواسعة فيها وأرض العراق.
وبذلك استطاع العدو الصهيوني من الاستفادة من سدين الأول هو سد أتاتورك على نهر الفرات في تركيا والثاني هو (سد النهضة) الذي يجري العمل به في أثيوبيا حالياً على نهر النيل لإبادة الشعب العربي المصري عطشاً.
فتركيا العثمانية بعد إقامتها لسد أتاتورك منعت المياه عن (سورية والعراق)، وذلك لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية.
أولهما: مشاركة إسرائيل وتركيا في صنع قرار توزيع المياه، في المنطقة العربية لوضع استراتيجية السيطرة على منابع المياه كما حصل لمصر
وثانياً: التأثير على مياه دجلة والفرات نتيجة النقص الحاصل في جريان هذين النهرين العملاقين ما يؤثر على جفاف الأراضي المحيطة بهما في سورية والعراق.
وثالثاً: وهو العامل الخطير الذي يكمن في هجرة الفلاحين المزارعين القاطنين على حوض الفرات ودجلة في سورية والعراق، مما يخلق تضخماً في سكان المدن، وهذا سوف يحدث أيضاً في مصر نتيجة بناء سد( النهضة الأثيوبي)، وبذلك تأتي هذه المؤامرة الخطيرة التي تقوم تركيا وإسرائيل وأميركا وعرب الجنسية لمنع العرب من شرب مياه مصادرهم المائية.
إلى جانب ذلك نشرت صحيفة هآرتس في عددها يوم 6/3/2012، (أن الحكومة التركية ساهمت بنسبة 30 في المائة من تكلفة نقل مياه الفرات إلى إسرائيل بواسطة أنابيب عبر البحر) لذا نجد أن بناء سد النهضة جاء متزامناً مع مؤامرة الربيع العربي لدق إسفين الدمار في الوطن العربي وتجييش المرتزقة والإرهاب وتجارة الحروب ضد أكثر من قطر عربي.
ورغم نفي الإسرائيليين قيامهم بتأجيج الحرب المائية ضد مصر والسودان، إلا أن المراقبين يرون أن إسرائيل تعمل بقوة على استخدام أثيوبيا كورقة ضغط على مصر، غير مخفية أطماعها في مياه النيل المصرية، حيث وضعت إسرائيل استراتيجية محددة من أجل الوصول لمنابع النيل كورقة ضغط على السودان ومصر، ما ينعكس سلباً على التنمية في السودان ومصر، ويشكل تهديداً للأمن السوداني والمصري، والملاحظ أن الاستراتيجية الإسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي تحظى بدعم الولايات المتحدة بخاصة، والدول الغربية بعامة.
وتكمن الرؤية الإسرائيلية في النظر إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومنطقة البحيرات كامتداد للمنطقة العربية، وكمنطقة يمكن استخدامها لمحاصرة الأمن القومي العربي، ولاسيما في امتداده السوداني والمصري وفق استراتيجية (حلف المحيط)، بإقامة تحالفات مع الحدود والجماعات الإثنية المعادية للعنصر العربي الإسلامي من ناحية، ومن ناحية أخرى الاستفادة من وجودها في المنطقة للتلويح بورقة المياه، مستندة إلى الدور الأمريكي، خاصة وأن هناك سعياً أمريكياً حثيثاً لتأسيس مناطق نفوذ من دول منابع النيل ووسط أفريقيا، سواء في إطار السيطرة على وسط القارة أو الإمساك بأوراق رئيسية فيها، ونلاحظ أن مجموعة القادة الجدد الذين يحظون بدعم أمريكا وإسرائيل معظمهم يتركز في حوض النيل، ونلاحظ أيضاً أن إسرائيل قامت بدور رئيسي في التنافس الأمريكي الفرنسي في وسط القارة الأفريقية.
صحيح أن القيادة المصرية الحالية لا تتحمل وحدها كامل المسؤولية عن هذه الأزمة، بحكم أن للقضية جذوراً قديمة، ولها أبعاداً سياسية وإستراتيجية وحسابات خاطئة ودوائر أولويات للحركة الدبلوماسية غير منتجة، تبدأ منذ حقبة السادات واستفحلت في عهد مبارك، من إهدار للاستثمار السياسي والثقافي والاقتصادي المصري في عهد الزعيم ”عبد الناصر” في إفريقيا، وترك الفناء الخلفي لمصر وأمنها الوطني يعبث فيه الكيان الصهيوني، والتوجه نحو أمريكا والاتحاد الأوروبي، والاستعلاء على الأفارقة، فضلاً عن تقزيم دور مصر، إلا أن أن حكومة ”حازم الببلاوي” كان بمقدورها استخدام كل أوراق الضغط، وإبداء قدر أكبر من المرونة مع الحسم، في مواجهة إثيوبيا وباقي دول حوض النيل، على النحو الذي يحقق المصالح المصرية ويوفر ضمانات حقيقية لصيانة أمنها المائي حالياً ومستقبلاً.
وعلى هذا فإن هذه القضية تمس مستقبل مصر وأمنها وتشكل اختباراً حقيقياً لحكومة ”الببلاوي”، من المشكوك أن تنجح في تجاوزه، بعد الفشل في ملفات عديدة داخلية وخارجية والانشغال بمصالح خاصة ضيقة، فالنيل، شريان الحياة لأرض مصر وأهلها، ولا يحتمل أن يكون ورقة  يتقاذفها السياسيون في محاولة كل طرف تسجيل النقاط لمصلحته، ولا يجوز لمسألة أمن قومي بهذا الحجم أن تؤخذ من زاوية المصالح الضيقة، الحزبية منها والشخصية، كما أنها لا تعالج بالغموض والتعتيم الذي تعالج به حالياً، فهي مسألة تخص المصريين كافة، الذين لهم الحق في الدفاع عما يروي ظمأ أبنائهم، ويعمر أرضهم.
وتتقاطع الآراء حول آفاق الحل بالنسبة للأزمة بين دول حوض النيل، بضرورة استعادة مصر لدورها الإقليمي والدولي، وضرورة لجوئها للتحكيم الدولي لضمان حقها التاريخي في حصة المياه. كما يرى المحللون والخبراء المصريون ضرورة تكوين مفوضية لدول حوض النيل على غرار ما أطلق عليها في الاتفاقية الأخيرة بـ”عنتيبي” تضم مصر والسودان وتعمل على لم الشمل الأفريقي.‏
من خلال تعاون دول حوض النيل العشر على تأسيس منظومة شاملة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بين الدول، وكذلك المحافظة على مياه النيل من الأطماع الخارجية وعدم السماح بأن تخترق وحدة حوض النيل بفصل القوى الخارجية المستهدفة التأثير في دول المنبع للحصول على نصيب لها من مياه النيل.
وترى دراسة أجريت حول آفاق حل مشكلة حوض النيل ضرورة تصحيح الأوضاع والعلاقات السياسية بين دول الحوض، وبناء هذه العلاقات على مجموعة من القوانين التي تحكم الالتزام بالاتفاقات ونبذ أي خلافات أو صراعات سياسية داخلية على مستوى دول الحوض، بخاصة الصراعات التي تحدث في السودان ودارفور، والتي تحدث في العلاقات المصرية الإثيوبية أو رواندا وبوروندي وإثيوبيا وإريتريا.‏
وإقامة علاقات تبادل تجاري بين دول حوض النيل التي تضم نحو 300 مليون نسمة، علاوة على ما يتاح في مجموعة الدول العشر من موارد اقتصادية طبيعية تسهم بشكل كبير في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بخاصة وأن هذه الموارد تسمح بإضافة علاقات تبادل تجاري بين الدول من خلال تبادل الاتفاقات الخاصة بالتجارة البينية فيما بينها، أو علاقات الاستثمار فيها.‏
كما يجد بعض الخبراء الحل في تكتل اقتصادي كبير على غرار التكتلات في الاتحاد الأوروبي وهذا يتوقف على مجموعة من المحددات تتمثل في تحقيق نوع من التكامل في الحقوق والواجبات والبعد عن نهج الوصاية والعلاقات شبه التدخلية أو الاستعمارية والتي لا تحقق أي فرص للتقدم ـ والتدرج في تخطيط المسار الاقتصادي التكاملي. بالإضافة لإيجاد تكامل بين الخبرات والعمالة الماهرة المدربة، بما يقلل الفجوات بين الدول التي تستهدف دعم برامج التدريب للعمالة الداخلة إلى دول أخرى.‏
وأيضاً تفعيل ودراسة جميع الاتفاقيات والمبادرات السابقة لما تتضمنه من إستراتيجية للعمل المشترك بين دول حوض النيل والتي مرت من قبل بمحاولات عدة للتنسيق والعمل المشترك لتوزيع مياه النيل، وذلك بعد استقلال العديد من الدول الأفريقية ورفضها التعامل مع اتفاقيات سنت في عهد الاحتلال، ومن هذه المحاولات التي ترصدها الدراسة (تجمع الأندوجو 1983) والذي عقد بالعاصمة السودانية، وكذلك تفعيل أهداف النيكونيل لتنتهي بمبادرة دول حوض النيل في عام 1998 كمبادرة لحل النزاع حول الموارد المائية النيلية. كما جاءت المبادرة كمحاولة لاقتسام وتبادل المنافع الناتجة عن تنمية الموارد المائية المشتركة.‏
وترصد دراسة إيجابيات المبادرة التي تحتاج لتفعيلها، والتي تتمثل في خلقها لفوائد مشتركة بين الدول تتمثل في تقليل التبخر بالتخزين في الأحراش العليا لنهر النيل سواء بالهضبة الإثيوبية أو الاستوائية حيث يقل التبخر، أي تقليل الفاقد في منطقة السدود بجنوب السودان دون التأثير على النظام الإحيائي بالمنطقة.‏
وفي ظل الإمكانيات المتاحة بحوض النيل للتوليد الكهرومائي والتي تدفعها لبناء السدود يجعل التعاون في مجال تجارة الطاقة ذا فائدة مشتركة للجميع. وفي هذه الحالة ينبغي أن يتم تحديد المواقع التي تؤدي إلى تعظيم التوليد الكهرومائي وتقليل التبخر وأن تكون ذات نفع مشترك لكل الدول، سواء في الطاقة المنتجة أو الاستخدامات الأخرى للمياه.‏
ومع الوضع في الاعتبار أن ذلك سيحتاج بالضرورة إلى وقت وجهد كبيرين، وتحركات على مستويات عدة، فإن إعادة صياغة العلاقات المصرية ـ الإفريقية تحتاج بالضرورة إلى حشد الخبرات المصرية في التعامل مع إفريقيا بعقلية جديدة، وإلى الاستفادة من خبرات ودروس سنوات ازدهار العلاقات المصرية ـ الإفريقية في ستينيات القرن الماضي وحتى سبعينياته، وكذلك وضع الشخصيات المناسبة في المواقع المناسبة.
وإذا كان من المؤكد أن ظروف مصر الآن وانشغالاتها الداخلية تحد من قدرتها على العمل على النحو المطلوب، بشكل أو بآخر، إلا أن ذلك لا يمنع من البدء في التحرك واستثمار ما هو متاح، وسد مواطن الضعف والذبول في هذه العلاقات وهو ما يتطلب بالضرورة استيعاب لتاريخ وجغرافية مصر ولطبيعة علاقاتها مع محيطها. وليرحم الله الدكتور ”جمال حمدان” حينما قال: مصالح مصر أكبر من أي هواة.