في لقاء مفتوح معه بالمكتبة الوطنية بالرباط :

عبد الله حمودي يقرأ مساره الفكري وينتقد الجابري والعروي في مفهومهما للثقافة

مكتب الرباط: م.ع


استضافت المكتبة الوطنية بالرباط، مساء الجمعة الماضية، وبتنظيم من “منظمة حريات الإعلام و التعبير” (حاتم)، لقاء مفتوحا مع المفكر عبد الله حمودي. و قد كان اللقاء من تقديم و تسيير الإعلامي محمد العوني، الذي افتتح اللقاء بجرد أهم المحطات الفكرية والأكاديمية و النضالية في مسار ضيف المنظمة. فرسم أهم غايات هذا اللقاء الذي يتوخى مساءلة المعرفة التي أنتجها حمودي، خصوصا وأن صاحب “الشيخ والمريد” من أكبر المتابعين بالدراسة والتحليل للتحولات المجتمعية المغربية.
انتقلت الكلمة لعبد الله حمود، وتحدث طيلة نصف ساعة عن تجربته الفكرية والمهنية والظروف التي أنتجتها، مع تقديم ملاحظات خاطفة حول أهم القضايا و المواضيع التي درسها و اهتم بها، و أهم المفاهيم التي توسل بها في مساره العلمي، وهي مفاهيم ذات مرجعية متعددة: عربية إسلامية، فرنسية و أمريكية. وقد شكلت في مجملها المحور الآخر الهام في اللقاء فكان حول الآفاق النظرية التي وجهت أعماله التي اقترنت بالمجتمع المغربي و المجتمعات المرافقة، وهي في مجملها لا تتعدى المنطقة المغاربية و شمال إفريقيا.
قام حمودي، إذن، و أمام جمهور واسع و متنوع، بقراءة لمساره الفكري بالوضوح المنهجي والنظري الذي تتطلبه تجربة فكرية و أكاديمية غنية كهذه. فقد راكم كتبا ومقالات منذ بداياته الأولى التي اختار فيها الأنتروبولوجيا والفلسفة، بغرض إغناء المنهج، مع استعمال للتاريخ و الوثائق في التنظير. فكانت أنتروبولوجيا منقحة بالتاريخ وبالثقافة المغربية والمغاربية كما هي معاشة.
ومن جانب آخر أطلق حمودي على نفسه صفة “المناضل”، لكنه، كما قال عن نفسه، مناضل من شكل خاص. مناضل مختلف عن صورة المناضل المعهودة. فالأنتربولوجيا دفعته إلى أخذ مسافة مع الموضوع. و خصوصا في مجال النقد الثقافي الذي عمل ضمنه لإعادة إنتاج فكر متحرر، لا يعادي السياسة و لا السياسيين، و لا الدين ولا الدينيين. إنه فكر يبني صرح الفكر والرأي الحر على صرح المعرفة التجريبية.
ولهذه الأفق ذاكرة جامعية في حقول معرفية عدة. فقد أكمل حمودي الإجازة في الفلسفة و علم الاجتماع سنة 1967. إضافة إلى أنه درّس الفكر الإسلامي. ثم انتقل إلى مهد السوسيولوجيا ليدرّس فيه الأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع مع إعطاء الأهمية والكلمة الأولى للميدان. فاغتنت التجربة بالقرب من عالم الاجتماع الفرنسي الذائع الصيت “بول باسكون”. إلا انح مودي سرعان ما ضجر من تلك المسالك التي تطغى عليها النصوص الفرنسية والفلاسفة الفرنسيون. مما عنى بالنسبة إليه غياب التجاوب بين تلك المناهج و النصوص مع المجتمع المغربي. فغادر المعهد. مقتنعا أن البحث في صميم المجتمع هو الطريق الأنسب. لقد ولّى عهد الدوغمائية التي سكنت الفكر التعادلي الاستقلالي والاشتراكي والماركسي. كان في تلك الفترة يقرأ كارل ماركس وإنجلز و لينين قصد تعلم نظرياتهم و مناهجهم ويفكر معهم و خارجهم، هذا إضافة إلى استعانته بالمفكرين والأدباء العرب المسلمين و غير المسلمين. وفي كل ذلك كانت، ولا زالت، العدالة والحرية هي الهم الجوهري. لكن الأساس، بالنسبة إليه، هو تعلم التفكير واستعمال العقل بلا قيد ولا شرط. هذا هو الدرس الذي استفاده من : ابن خلدون، ابن المقفع، ابن رشد، طه حسين، أرسطو، أفلاطون، ديكارت، هيوم، سارتر، سلامة موسى، صادق جلال العظم،…إلخ. إنها أسفار قام بها بين المفكرين.
بعد ذلك جاءت التجربة الميدانية في الواحات الجنوبية. ففيها لقي ضالته. اشتغل بالميدان الزراعي ضمن مهمة إدارية. كما شارك الناس حياتهم و نمط عيشهم في زاكورة. وتعرف على أعراقهم ولغاتهم ورموزهم. وهو ما أقنعه بمساحات القصور عنده في النظرية والمنهج. فولدت لديه قناعة مفادها أن إنتاج المعرفة حول المجتمع، هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به كأنتروبولوجي. فالوقوف عند المعيش الحي والملموس هو الدواء الوحيد للدوغمائية. لأن الأنتروبولوجيا مجال عميق يساعد على دراسة المجتمع المغربي، و المغاربي.
ولعل تكملة النظرية والمنهج اكتملت خلال سنتين قضاهما حمودي في باريس، ثم ليعود بعدها إلى المغرب للاضطلاع بمهمة التدريس والبحث في المعهد الزراعي الذي وقع اختياره عليه لأنه يدعم البحث الميداني بقوة. وهي تجربة كانت لها إنجازات عدّة. فالتجربة أقنعته بأهمية العامل الثقافي المرتبط بكيفية التفكير في المجتمع وفي الرموز التي يستعملها الناس في نظرتهم للبيئة و المجتمع. لقد ظهر له، حينذاك، أن العامل الثقافي، بالمعنى الواسع للمفهوم، هو العامل الأساس، مادامت الأنتروبولوجيا هي علم الثقافة بامتياز. من هنا كانت كتاباته الأولى حول التحول الثقافي و الديموغرافي و المعيشي في الواحات الجنوبية. فسعى إلى بناء تصور خاص للحياة كما هي عند الجماعات والأفراد. بعد ذلك درس الولايا كظاهرة دينية/ثقافية وعلاقتها بالمناطق البدوية. بعدها جاءت مرحلة دراسته للمهدوية ثم القبلية. ثم دراسة نظم الري القديم في علاقتها بالمعارف المحلية، و كيف يحاول الناس حساب الموارد المائية وتقسيمها وتوجيهها. قبل أن تأتي مرحلة الاهتمام بالتقنيات المحلية و ما يرافقها من مفاهيم سواء كانت عربية أو أمازيغية.
لم يتوقف حمودي، طيلة محاضرته العلمية السيرذاتية، عن التأكيد على ربطه بين ما هو نظري و طقوسي وبين ماهو ميداني اخترعه الناس للتعامل بينهم وبين بيئتهم. وأغلبها يتلاشى اليوم بسبب الثقافة العالمة التي تجهل قيمة ذلك الإرث. وسنده في ذلك كتابين ” الضحية و أقنعتها” و “الشيخ والمريد”، حيث حاول فيهما الربط بين المحلي وبين المغاربي والشمال إفريقي.
توقف المحاضر عند ما سمّاه ” ظاهرة السلطوية” بين 1965 و1980، وهي السلطوية “التي خرّ بت حياتنا”، سلطوية الحزب الواحد والرجل القائم صاحب الساعة مثل بومدين وعبد الناصر، وذلك لا يقلل من منجزاتهما، يضيف قائلا. لكنه كان يتعامل مع مظهر السلطوية الذي هيمن على حياتنا وكانت له نتائج سياسية وثقافية و نفسية. وبذلك فقد قام بالتأريخ للسلطوية باعتبارها ظاهرة اخترقت حياتنا, والشباب اليوم لم يعد يتحمل تلك الظاهرة القاتلة. ومن خلال نقد تلك النزعة، قام بتقديم المنظومة الرمزية. وهي ليست منظومة مثالية أفلاطونية.
وقد اعتبر حمودي كتابه “موسم الحج إلى مكة” (الصادرة ترجمته العربية عن دار الساقي) بمثابة مرحلة ثالثة في حياته العلمية. ففي هذا الكتاب قام بتوسيع النظرة للمزيات وللدين والنظرة الرمزية. مادامت مكة هي الفضاء الديني الكوني الذي يجتمع في المسلمون ويمارسون طقوسهم الدينية. وهو الكتاب الموجود اليوم في 14 لغة. وهذا الكتاب هو أكبر دليل على أن حمودي يكتب في مسائل هي في صميم تطلعاته واحتداماته الداخلية و المجتمعية.
ومرة أخرى عاد إلى التأكيد على ضرورة بناء معرفة على أساس العلم و الملاحظة و المناقشة و التشخيص، وأيضا على أساس المناقشة مع المختصين في الأنتروبولوجيا الاجتماعية.فالباحث عندما يناقش الإسلام مثلا، لا يمكنه أن يتجنّس فرنسيا أو أمريكيا. فلابد من أن يترك للناس فرصة ليواجهونه و يجابهونه علميا. فهو لا يفهم اليوم أن هناك عملية معرفية تتخلى عن التشبث بما هو محلي.
وعن انشغالاته الحالية قال إنه مهتم بالتفكر في الرهان الثقافي. وأبدى أسفه عن أن الفكر النهضوي العربي ركّز على جانب الثقافة العالمة مع تهميش تام وكامل للعامية والشفهية في مختلف الهويات. فهذا “سطو غير مقصود، وتعال غير مبرر”. وأضاف قائلا:” أقترح أن تُلقّح قناعاتنا بالثقافات العامية والشعبية واليومية”. كما أن من اهتماماته اليوم ما سمّاه “أساليب الخطاب الدعوي” (و ليس الإسلامي، لأن الإسلام هو ملك لجميع المسلمين). و كذا مصير المجتمع العربي في ظل “الربع العربي”. الهوية و الهويات ومصير مجتمعاتنا هو ما يشغله. و أضاف أن الهويات ستتنامى، وليس هناك أفق غير دراسة الهويات ومساءلتها و الاعتراف بها، “بهدف تقويم كياناتنا”.
ثم ذك ببعض المفاهيم التي وجهت تنظيره وأبحاثه. فالتنظير لا يكون شخصيا تماما. فالباحث دائما مدين لمفكرين و مفكرات كانوا قبله أو من جيله، سواء كان هذا التلاقح شعوريا أو لا شعوريا. فتنظيره يغرف من روافد عديدة، ويبقى البناء المنهجي هو الذي يقوم بدور ترجيح نظريات على أخرى.
بعد ذلك، وفي ملاحظة خاطفة، انتقد مفهوم الثقافة عند محمد عابد الجابري و عبد الله العروي، واعتبره مفهوما محدودا لا يساعد على البحث في الرموز في علاقتها مع الميداني. فالرموز تترقب المستقبل. فهي مسكونة بنوع من الحرية رغم أننا نقول إنها تقليدية. لابد من رصد ذلك الترقب. “وذلك يختلف عن كل تاريخانية متحجرة” حسب قوله في إشارة واضحة إلى عبد الله العروي.
بعد ذلك عاد إلى التأكيد على أهمية التنظير وأسسه وأسئلته المرتبطة بالشعوب و بتطلعاتها. فالمسافة الأنتروبولوجية هي شيء منهجي، لأن الإنسان من طبيعته الاندماج. لكن المنهج يقتضي إقامة مسافة بين الباحث و بين موضوع بحثه أو دراسته. غير أنه لابد من الانفتاح على التنظيرات والنظريات، لكن أيضا لابد من وضع الثقة في عقولنا حتى نفكّر مع منظرين آخرين و خارجهم أيضا. كما أن مفهومه لسياسة الخطاب هو قريب منن مفهوم ميشيل فوكو.
وفي نهاية محاضرته توجه حمودي إلى الكتاب باللغة العربية، موجها إليهم الدعوة بالرفع من مستوى لغتهم و عقلنتها، وهو لايجد ان ذلك متوفر اليوم. فلابد من تعليم العربية بعقلانية. فالأفق هو لغة عربية، أو أمازيغية، تضاهي اللغات الأخرى في البحث و العقلنة. و لاضير من استعمال الدارجة، لكن بحذر شديد.
وقد تلت محاضرة حمودي سلسلة من الأسئلة تعلقت بالهوية والتعصب الهوياتي وباللغة وعلاقتها بالعلم والتعليم، وأيضا بالتيارات الدعوية. فكانت أجوبته امتدادا لمحاضرته. فالهوية، كما طرحت أستاذة القانون العام عائشة أبوناي، هي غير متوازنة. وتساءلت عن لماذا يطغى المكون الديني على المكون الوطني و القومي و الثقافي. وقد اعتبر حمودي أن سؤال الهوية هو وجيه وصعب في الآن نفسه. فالعلاقة بين تنامي الهويات و تنامي العولمة شيء طبيعي وسيتنامى في المستقبل. فلابد من التفكير في الثنائية وفي ما يجمع بين طرفي الثنائية. فتنامي الهوية يساوي تنامي العولمة، رغم تفكيكات الهوية ورغم الاصطدامات ورغم التلاقح. مع ذلك هناك ديناميتان: الأولى هي دينامية محاولة التلاقح وتبادل التجارب. و الثانية هي الانكماش الهوياتي عن هويات أخرى. و انكماشها و صراعها ليس من فعل المسلمين أو الهنود ولكنه من فعل المجتمعات التي أتوا إليها الأوروبيون كمستعمرين. فما معنى الهوية الفرنسية؟ الفرنسيون يكتبون وكأنهم خائفون من قدوم المسلمين لاحتلالهم، في حين أنهم هم المستعمرون. العولمة لا تنفع معها الهويات. فالعولمة ترافقها الهجرات والتساكن. لابد من دراسة الهويات الموجودة وكيف يمكن أن تتوافق. الهوية شيء مفارق. هي حيوية وفي نفس الآن هشة. ما يقع هو تنامي الهويات في ظل العولمة. هذه هي المفارقة. لكن لابد من نقد الهويات المتحجرة.
وعن تنامي الهوية الإسلامية، حذر حمودي الباحثين من استعمال واعتماد المسلمين والكتابات الإسلامية كوثائق لدراساتهم وأبحاثهم. ففي نمو هذه الظاهرة أشياء كثيرة. فلماذا الحداثيون يكتبون و يمارسون أشياء وكأن الدين متجاوز؟ فما كنا نظن أن متجاوز وماضي نجده على الطريق ينتظرنا و يترقبنا. التهميش هو ما ساهم في تنامي هذه الظاهرة الدعوية. و هو تيار سياسي يوصل إلى الحكم. ونحن اليوم في المغرب محكومون من طرف حزب دعوي. وهو حزب يحكم بين قوسين. نحن دائما بين القوسين و نقضي حياتنا بين الأقواس. وهذا التيار الدعوي (الإسلامي) له علاقات مع تيارات سياسية حاكمة في أميركا.
كما أننا لايمكن أن نحكم الناس باسم الحداثة ونحن لا نهتم بشؤونهم. كتب كال ماركس: “في كل دين هناك عطر و رائحة الآلام”.
وعن القضايا اللغوية، وهو سؤال طرحه محمد حافظ، قال حمودي لابد من وجود منافسة إيجابية بين اللغات و اللهجات. فالعربي يساعد الأمازيغي على تطوير لغته، لكن على الأمازيغي أن يساعد العربي على تكريس و تطوير لغته حتى نخلق كيانات متماسكة. وعن حركة 20 فبراير قال حمودي إنها حركة مهمة. فهي حركة شبابية قام بها ما سماه “الشعب الشاب”. وهو شعب له تطلعات و ممارسات جديدة. وقد توقع منهم حمودي أشياء كثيرة. ففي نهاية كتابه “الشيخ و المريد” كتب بأن الشباب لن يتحملوا السلطوية. و الإيجاب أيضا في هذه الحركة هو سعىة صدر بعض الأحزاب السياسية المغربية التي فتحت للحركة أبواباها وسمحت لها بالحضور إلى اجتماعاتها. وهذا فيه وعد بالمستقبل. إن انخراط الحركة في الأحزاب أمر في غاية الأهمية. إنه توجه إيجابي، فيه تغيير للنظرة و الحس. و الشيء الآخر المهم هو ما سماه “ذاكرة 20 فبراير” مثل ذاكرة انتفاضات أخرى تغذي العقول. للنظر إلى ممارسة التنسيقيات السياسية، إنها ممارسات مختلفة: التعبير بالجسد، الغناء، السينما، التصوير، هذا رصيد جديدغير مألوف.
نحن نموت وتستمر الأشياء في الأحياء الجدد.

..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..11/11/2013