علي هامش قضية الانتماء

الكبار يموتون والصغار ينسون‏!‏

سناء صليحة

يقال انه في القرن الخامس قبل الميلاد كان الفيلسوف الصيني كونفوشيوس‏,,‏ يردد‏:‏ تعليم غير القادر علي التعلم إضاعة وقت‏,‏ وعدم تعليم القادر علي التعلم إضاعة إنسان.

و بعد حوالي20 قرنا من الزمان عبر الكاتب الألماني جوهان جوته عن ارتباط المعرفة بالضمير الإنساني عندما تساءل إلي ماذا تصير المعرفة إن لم ترافقها الحكمة؟ إلي أي شطط يمكن أن تفضي قوة الفكر, إذا كان الإنسان عديم الشفقة؟ يقتلنا كل ما يحرر فكرنا من دون أن يزودنا بالسيطرة علي أنفسنا والتحكم بها.
وفيما بين المقولتين خرج علينا المتنبي قائلا: لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها..!!
والحقيقة أن التراث الإنساني شرقا و غربا حفل بالكثير من الرؤي و النظريات التي تعرضت للعلاقة بين المعرفة و سلوكيات البشر. فمنها ما تناول أنواع و سبل التعلم و الإبداع والابتكار و توظيف القدرات الشخصية المتفاوتة للمتلقي بما يحقق له الإشباع النفسي و المادي. و منها ما تعرض لفكرة بناء الضمير الفردي و الجمعي وعملية التنشئة الاجتماعية, وأخري لأسس تفعيل العملية التربوية والتعليمية بما يحقق امتلاك الفرد لوعي و إدراك يحقق له توظيف قدراته الخاصة أيا ما كانت والشعور بتحقيق الذات بما يؤدي بالتبعية إلي تماسك المجتمع و الحفاظ علي القيم و الثوابت والتراكمات التاريخية التي تصنع وجود الأمم وتقاوم أي سلوكيات تهدد بناء الوطن, أو بتعبير آخر تدعيم مشاعر الولاء و الانتماء.

ودون مواربة أو استخدام كلمات دبلوماسية فإن الكثير مما يدور علي الأرض حولنا يؤكد أننا نواجه أزمة انتماء ومشكلة في تحديد نسق الأولويات التي تشكل الرؤي و السلوكيات التي تحكم أداءنا في لحظة من أهم و أخطر اللحظات في عمر الوطن. من هنا فقبل أسبوعين تناولنا قضية تزييف الوعي و ما يستتبعه من صناعة انتماء زائف وتبني مواقف تتناقض مع الواقع الفعلي. كذلك عرضنا لعدد من العوامل المؤثرة في بناء الانتماء الحقيقي الذي يستشعره الفرد تجاه وطنه و الذي يتجسد في الاعتزاز بهويته وتوحده معها والانتماء للأغلبية و الانشغال بقضايا الوطن والعمل من أجل الصالح العام وسلامة المجتمع. وفي محاولة لفهم و تشخيص الأزمة و أسبابها بأمل الوصول لروشتة علاج قابلة للتنفيذ, نتوقف اليوم أمام أكثر من رؤية جديرة بالتأمل..

تقول الكاتبة و اخصائية الأمراض النفسية و العصبية د. منال القاضي أظهرت الأبحاث الحديثة أن الجينات تؤثر علي انتماءاتنا سواء كانت هذه الانتماءات محافظة او ليبرالية أو متطرفة وأن البيئة تلعب دورا في إبراز السمات الجينية أو إضعافها. من جانب آخر فإن الشعور بالانتماء مرتبط إلي حد بعيد بإشباع الاحتياجات و تحقيق الذات. فيشير عالم النفس( مسالو)maslow في ترتيبه للاحتياجات الإنسانية إلي مرورنا بخمس مراحل لتحقيق الذات وهي.

مرحلة اولي ترتبط بتحقيق الاحتياجات الفسيولوجية. من طعام و شرابوالثانية هي الشعور بالأمان سواء في السكن او الحصول علي عمل يحقق دخلا مناسبا او الأمن علي النفسوالثالثةهي الانتماء للأسرة او للجماعة او للوطن.أماالمرحلة الرابعة في الاحتياجات الإنسانية فتتمثل في الحاجة الي التقديروالمرحلة الخامسة و الآخيرة هي تحقيق الذات

فإذا لم تتوافر المرحلتان الأوليان( توافر الاحتياجات الفسيولوجية و الشعور بالأمان) فمن المستحيل تحقيق الانتماء,و في حالة توافرهماتتداخل عوامل أخري من اجل تحقيق الانتماء للوطن. هذه العوامل تتمثل في التعليم و الإعلام و القيم التي تغرسها الأسرة في أبنائها منذ مرحلة الطفولة المبكرة.فمثلا إذا كانت المدارس الدولية لا تدرس تاريخ مصر و لا يحيي تلاميذها العلم المصري في الصباح و لا تهتم بتدريس اللغة العربية إلي جانب اللغات الأخري فان هذا دون شك سيؤثر علي درجة الانتماء. و بالمثل في وسائل الإعلام و أيضا القيم الأسرية, إذا كانت تركز علي الانتماء للأسرة. أو الجماعة دون أن تربط هذه بالانتماء للوطن فالنتيجة. ستكون جيلا غير منتم. ولذلك فعدم الرقابة علي المدارس الدولية والمدارس الخاصة بصفة عامة هو تقصير نحو الوطن. وأنا إذ أضع حملا كبيرا علي القائمين علي التعليم, فذلك لان تحقيق الانتماء يتطلب عودة الوزارة إلي دورها الأساسي فتربي النشء و تعلمه كي تكون وزارة للتربية و التعليم لا للتعليم فقط.
في دراسة للباحث المغربي فؤاد بو علي عن أزمة التعليم في المغرب( بعنوان معركة التعليم في المغرب أمة في خطر) يشير إلي أهمية التعليم, ودوره المحوري في النهوض بالمجتمع وتقدمه و أهمية تشخيص الأزمة و عدم الاكتفاء بتعليق فشلنا التنموي علي فشل المنظومة التربوية( علي حد تعبيره) ومجرد البحث, عن الحلول العرضية التي تنتج دوما استنساخا لنماذج متغيرة في أصلها وتشخصن الأزمة من ضمن حسابات السياسة والمصلحة الظرفية.

ويري بو علي أن الهدف الأساسي للعملية التعليمية هو التنشئة علي قيم المجتمع دفعا للتناشز الفئوي المفضي إلي تفكيك الجماعة, وضبطا للإيقاع الفردي الضامن لتماسك مكونات المجتمع. ويضيف موضحا أن نجاح النظام التربوي في التنشئة علي القيم الاجتماعية يضعف التناشز الطائفي المرخص للاستقواء بالأجنبي علي الوطني, ويشتد التناغم المجتمعي المانع من تسلل القيم النواشز, التي تبث الوهن في جسم الأمة بغية تفكيكها. ويشير إلي أسباب الأزمة في المغرب ما نعيشه في تعليمنا من خلال مداخله المتعددة والمتصارعة ينتج قيما متناقضة, وغياب الرؤية النقدية للكفاءات المنظرة.. فما عاشه التعليم ويعيشه, بعيدا عن النقاشات الحزبية, هو تراكم أزمات هيكلية تتعلق بالمناهج الدراسية والموارد البشرية والتخطيط; لكن الأكثر من ذلك, هو غياب جرأة الحسم في القضايا المتعلقة بالمسائل الهوياتية كلها لدي سادة القرار السياسي, وأتباع منطق التوازنات الاجتماعية والقضايا الخلافية.لكن الدور الأسمي للتعليم هو الحفاظ علي الثوابت والتراكمات التاريخية التي لا وجود للأمة من دونها.

في ذات السياق تشير د. منال إلي ضرورة ربط الطفل منذ فترة مبكرة برموزه الوطنية و عدم تشويه الرموز وتقديم تاريخ الوطن ورموزه بأكثر من طريقة لتناسب عمر الطفل مشيرة إلي نموذج الموسوعة البريطانية التي تقدم بثلاث مستويات للقراءة للمبتدئين و للطلبة وللمتبحرينفي العلم.

وهنا أدعي أن الأمثلة التي طرحتها د. القاضي من واقع خبرتها كاستشارية للأمراض النفسية والتشخيص الذي قدمه الباحث المغربي للأزمة و الذي تجاوز حدود القطر العربي الشقيق ليتماس, بل و يتطابق مع الأزمة المصرية,كلها تضعنا أمام أكثر من سؤال و مواجهة علينا أن نتوقف أمامها, فالتاريخ يؤكد التلازم الضروري بين التعليم والتطور المجتمعي. و لعل عودة سريعة لأيام عميد الأدب د. طه حسين و أوراق الشيخ علي عبد الرازق و مذكرات سعد زغلول كفيلة بأن تعيد للذاكرة الدور الذي لعبه الأزهر و الجامعة المصرية في بداية القرن العشرين في تطور المجتمع المصري و الحفاظ علي الموروث الثقافي بما فيه من ثوابت وتراكمات تاريخية شكلت هويتنا المصرية..

و السؤال الذي لابد أن نجد إجابته الآن كيف نبدأ كي لا نضيع إنسانا أو نهدر الوقت كما قال كونفوشيوس قبل25 قرنا من الزمان.. كيف نواجه عملية تآكل الهوية و إفراغ الذاكرة الجمعية الذي حدد ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء لدولة إسرائيل ملامحها عندما قال الكبار يموتون والصغار ينسون كيف؟!!!…

…………

عن جريدة الوطن

12 نونبر 2013