النظام الدولي الجديد يخلق للدولة الوطنية عدوا من داخلها

محمد بوبكري


تقتضي التحولات الكبيرة في النظام الدولي، وفي طبيعة العلاقات الدولية، تغييرا مهما في القواعد الرئيسية التي تنهض عليها استراتيجيات السياسة الخارجية للدول وخاصة القوى العظمى منها…
هكذا فبعد نهاية الحرب الباردة، انتقل خط المواجهة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى داخل دولها نفسها، حيث بدأ هذا المسلسل منذ بداية التسعينيات بخطى سريعة، ليتم خلق عدو صريح للدولة الشرق الأوسطية من داخلها نتيجة مجهود بذلته بعض القوى العظمى للتمكن من اختراق بعض التنظيمات المحلية المتطرفة، وتجنيدها لمعاداة الوطن والدولة والمجتمع في آن..
ويعود هذا التطور إلى التوجه الجديد الذي تقوم عليه استراتيجية السياسة الخارجية للقوى العظمى التي تستغل هشاشة النسيج المجتمعي، لتخترقه وتتحول إلى طرف في الصراع الداخلي عبر جعل بعض التنظيمات والجهات المحلية تخوض حروبا داخلية بالوكالة عنها، بهدف ضرب الوحدة الوطنية لدول المنطقة وتركيز نفوذها فيها وتغيير خريطتها…
لقد سعت القوى الغربية العظمى، طوال الحرب الباردة، إلى تحجيم نفوذ الاتحاد السوفييتي وتقليصه في مختلف مناطق العالم… وحين انتهت هذه الحرب، أصبح ضروريا أن تعيد هذه القوى التفكير في الأسس التي تنهض عليها استراتيجية سياستها الخارجية من أجل صياغة دور جديد لها في العالم…
تبعا لذلك، انكبت مختلف مراكز البحوث الأمريكية على دراسة التحولات العالمية الجديدة عبر الإجابة عن أسئلة جوهرية مثل: ما هي المناطق العالمية الأهم بالنسبة للأمن القومي الأمريكي؟ ما هي كلفة الالتزامات والتحالفات الدولية والإقليمية لأمريكا؟ هل من مصلحة هذه الأخيرة أن يكون هناك استقرار إقليمي في منطقة ما؟ ما هي العوامل التي ينبغي استغلالها والأساليب التي يمكن استخدامها لتحقيق مصالحها في هذا الإقليم أو ذاك بكلفة أقل؟ كيف ستتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من إقامة توازن بين التزاماتها الدولية وحاجاتها الداخلية؟…
من المعلوم أن البيت الأبيض كان قد أعلن ضمن استراتيجيته الجديدة للأمن القومي في شهر شتنبر 2002 عن مبدأ الهجوم الوقائي على عدو محتمل يُهدِّد مصالح أمريكا، ونقل المعركة إلى داخل أرضه للحيلولة دون أن يتمكن من الحصول على استقلال قراره، أو يسبق هو ذاته للقيام بالهجوم عليها… وهذا ما عبَّر عنه الرئيس بوش مرارا وتكرارا في خطبه، حيث قال ما مفاده: لن ننتظر بعد الآن إلى أن يتوفر لنا دليل على وجود نية الهجوم علينا من قبل أعدائنا، بل ينبغي لنا اتخاذ المبادرة للدفاع عن نفسنا في الخارج… وقد أكد هذه الفكرة «دونالد رمسفيلد» الذي كان حينئذ وزيرا للدفاع، حيث قال: «من الممكن أن تقوم الولايات المتحدة بعمليات داخل دول، دون علم حكومات هذه الدول بذلك»، وهذا ما يشكل دليلا قاطعا على اعتماد الولايات المتحدة مفهوم نقل خط المواجهة إلى داخل الدول، عبر توظيف وكلاء وعملاء محليين، واستخدام مختلف وسائل الضغط الاقتصادية والسياسية…

..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..11/14/2013