الانتقال إلى الديموقراطية التجربة المغربية … في الواجهة

..2013-11-15

 

نص الحوار التليفزيوني المباشر الذي أذاعته القناة الثانية المغربية ضمن البرنامج الشهري “في الواجهة” الذي تعده وتديره الصحفية مليكة مالك. وقد أذيع مساء يوم 18 أكتوبر 2000 وساهم فيه كل من الأستاذ عبده الفيلالي االأنصاري والصحفي إدريس كسيكس والكاتبة ربيعة ريحان.

مليكة مالك :

سنناقش هذه الليلة رفقة المفكر المغربي محمد عابد الجابري موضوع المغرب إلى أين؟ وديمقراطيتنا إلى أين؟ تساؤل يبلور استراتيجيتنا الإعلامية المتمثلة في التتبع الدائم لتجربتنا الديمقراطية وللفعل السياسي المجسد لها. أكيد أن التحولات الجارية في بلادنا تحولات تسير في اتجاه تدعيم وترسيخ الممارسة الديمقراطية. غير أنها تحولات لا تحدث نفسها بنفسها، بل تحدثها ذوات اجتماعية بحمولاتها الثقافية والتاريخية، وبالتالي فهي معرضة للبط ء في وتيرتها وللخطإ في نتائجها. وإذا كان المسار الديمقراطي قد انطلق ببلادنا بشكل لا رجعة فيه، فإنه من الضروري متابعته ومساءلته باستمرار حتى لا يتعثر، لأن دواعي التعثر قائمة بشكل موضوعي، وهو ما يتطلب إعمال العقل والحكمة. إن المخاض الذي تعرفه الممارسة السياسة اليوم، وما ينتظرنا من أوراش سياسية في الأفق القريب، تجعلنا نصر على مساءلة الفعل السياسي. ونتساءل مرة أخرى في حلقة هذا المساء، عن الديمقراطية كفكر وكممارسة، وبما أن التساؤل : إلى أين ؟ يفرض علينا التساؤل : من أين؟ كما يقول الأستاذ محمد عابد الجابري، فإننا سنقف عند التوافق كأسلوب سياسي وعند شروط الانتقال إلى التناوب الديمقراطي. وحيث ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، فإننا سنتساءل عن كيفية تكوين وتربية ديمقراطيي الغد، أي عن دور التربية، أو المنظومة التربوية والتعليمية في الانتقال إلى الديمقراطية. نستضيف لمناقشة هذه القضايا أحد أعمدة الفكر، ليس فقط المغربي، بل والعربي، مفكر كرس كل نشاطه الفكري لمساءلة العقل العربي نقدا وتحليلا. إنه الأستاذ محمد عابد الجابري الذي نشكره على قبوله الدعوة لأول مرة على شاشة التلفزيون المغربي. فمرحبا بك الأستاذ الجابري أولا.

محمد عابد الجابري : شكرا لك.
مليكة مالك:

إلى جانب الأستاذ الجابري سيناقشه كل من الأستاذ عبده الفيلالي الأنصاري، مدير المجلة الفكرية “مقدمات” : مرحبا بك. والزميل إدريس كسيكس كاتب وصحفي، ثم الأستاذة ربيعة ريحان كاتبة وقاصة وعضوة المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب. مرحبا بالحضور الكريم، المتميز، ضيوف الأستاذ محمد عابد الجابري. الأستاذ عابد الجابري : لا يمكن أن نبدأ هذا البرنامج اليوم دون التذكير بالأحداث السياسية التي تعيشها فلسطين وأشقاؤنا العرب في هذا القطر، حيث الرصاص والقتلى كل يوم. لذلك أطلب من الزميل مصطفى مضمون صورا بدون تعليق. (هنا بثت صور عن انتفاضة القدس ومشاهد من الجرائم التي ارتكبها الصهاينة في الأراضي المحتلة. إلى جانب مشاهد من مظاهرات المساندة والتأييد في عدد من الأقطار العربية). الأستاذ الجابري! دعم القضية الفلسطينية يتطلب فسح المجال للشعوب العربية. وللتعبير عن هذا الدعم يجب توفير الديموقراطية داخل المجتمعات العربية. والدليل على هذا أن مظاهر التضامن اتسعت في بعض البلدان العربية. وفي المغرب تظاهر أزيد من مليون ونصف متظاهر خرجوا إلى الشارع، وعلى رأسهم رئيس الحكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الذي كان حاضرا في مسيره الرباط. والملاحظ أن هذه التظاهرات ضعفت في بعض الدول العربية. ألا ترتبط، أستاذ الجابري،مظاهر المساندة الشعبية لفلسطين بمدى توسيع الفضاء الديمقراطي؟

محمد عابد الجابري :

قبل كل شيء لابد من أن أشكرك على هذا التقديم، وأؤكد أن حضوري هنا يرجع في قسم كبير منه إلى إصرارك وإلحاحك منذ سنة أو أكثر، كما يعبر أيضا عن مساندة هذا العمل الذي يقصد التجديد ويريد أن يدشن مرحلة جديدة في العمل التلفزي والإعلامي بكيفية عامة في بلادنا، ولابد أن أشكر زملائي ورفاقي في النضال وفي المهنة وفي الثقافة وفي درب الحياة بصفة عامة، هؤلاء الذين تحملوا المشاق وجاءوا لمساندتي بحضورهم، وهذا شيء أعتز به كثيرا.
بالنسبة للقضية الفلسطينية والديمقراطية، بطبيعة الحال، تفاوتت مظاهر التضامن في الأقطار العربية مع انتفاضة القدس حسب الوضع القائم في هذه الأقطار: حسب هامش الحرية الموجود، وأيضا حسب الوعي السياسي في كل بلد. هناك ظاهرة أريد أن ألفت النظر إليها، ذلك أنه من الأمور العادية أن يقول الإنسان إنه كلما كانت الديمقراطية متوفرة كان من الممكن قيام تضامن. ولكن قد يحدث العكس، وهو أن التضامن مع فلسطين يمكن أن يكون وسيلة لممارسة مظهر من مظاهر الديمقراطية أو القيام بشكل من أشكال النضال من أجل الديمقراطية. وقد ذكرتني بوضعنا في المغرب في وقت من الأوقات. فمازلت أذكر أننا في مرحلة من مراحل حياتنا الحزبية بالمغرب، في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، كان الاتحاد الاشتراكي من الناحية العملية ممنوعا تقريبا، وصحفنا موقوفة، فوجدنا أنفسنا أمام سؤال: كيف نمارس السياسة؟ أعني كيف نواصل النضال من أجل الديموقراطية؟ لتجاوز هذه المشكلة نوعا من التجاوز أنشأ حزبنا جريدة “فلسطين”. ومن خلال هذه الجريدة مارسنا السياسة وواصلنا النضال من أجل الديموقراطية هنا في المغرب باسم فلسطين. وكانت هذه الجريدة المختصة فقط بفلسطين، وبأخبار فلسطين ومساندة الكفاح الفلسطيني، مركزا للقاء وتبادل الأخبار الخ. وأذكر أنه في ذلك الوقت توفي جمال الناصر، فكان لا بد من الكتابة في هذا الحدث الخ. وبطبيعة الحال لم يضايقنا الحكم في المغرب الذي له تقاليد خاصة، فهو يترك عملا من هذا النوع يمضي، وهل من المعقول أن يقمع جريدة “فلسطين”؟
وإذن فقد كنا نمارس السياسة والحرية السياسية في المغرب زمن القمع من خلال القضية الفلسطينية. والواقع أن العمل النضالي من أجل الديمقراطية، أو من أجل فلسطين، أومن أجل الاستقلال، أو من أجل التضامن مع قضايا التحرر هو عمل مراتبط. يمكن للإنسان، من خلال النضال مع فلسطين في أي بلد عربي الآن، أن يدعم القضية الديمقراطية. ولاشك أنه لأول مرة تقريبا، تحدث مظاهرات في بعض الأقطار العربية تضامنا مع فلسطين. والمظاهرات الآن، مستمرة. وهذا شيء مهم جدا.
هذا من جهة ومن جهة أخرى أوضحت لي هذه الانتفاضة وهذا التضامن العربي معها مسائل لم تكن واضحة في ذهني. منها هذا الذي سأذكره الآن.
منذ ثلاث سنوات تقريبا كان لي لقاء مع أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وكان هو الذي بادر إلى هذا اللقاء ليطلب مني أن أساهم في بناء تصور لدولة فلسطين في الغد، ولكيفية بناء الديمقراطية في هذه الدولة. وطلب مني أن أكتب ذلك في أي جريدة، وأنهم سيعيدون نشرها لتكون مادة للتأمل والتفكير. والحق أنني لم أستطع أن أكتب إلى الآن شيئا يمكن أن يقال عنه:”تصور لدولة فلسطينية”، لأن الأفق لم يكن واضحا بما فيه الكفاية. لكن الآن، وبعد هذه الانتفاضة، بدأت تتضح أمام عيني أمور لم أكن أراها من قبل.
ماذا حدث؟
لقد اعتدنا أن نرى الأمور من زاوية هزائمنا نحن. في حين أن النظرة الموضوعية تقتضي أن ننظر إلى الموضوع أيضا من خلال خسارات الخصم. فماذا خسر الخصم الصهيوني؟ لقد مرت مائة وأربع سنوات على قيام الفكرة الصهيونية كمطلب لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ومنذ ذلك الوقت والحركة الصهيونية تبني عملها على المسكنة، وعلى أنها مظلومة، وعلى أن اليهود مشردون الخ. وكما نعرف جميعا فقد كانت مناصرة الرأي العام لهم في أوربا وأمريكا، مبنية في جزء كبير منها مع التعاطف مع هذه القضية التي كانت تقدم بهذا الشكل. كما استفادت الدعاية الصهيونية من الحرب الباردة، وجندت الإعلام الدولي لصالحها بوصفها طرفا معتدى عليه.
واليوم، مع انتفاضة الأقصى يقف الرأي العام العالمي ولأول مرة مع فلسطين، وتنطلق مظاهرات في أوروبا نفسها تأييدا لانتفاضة الأقصى. ولأول مرة تضطر أمريكا إلى عدم استعمال الفيتو والإمساك عن التصويت. وهذا تطور مهم جدا، لأنه يفتح أمامنا آفاق التفكير الجدي في كون المشروع الصهيوني من النيل إلى الفرات ما عاد ممكنا أن يكون موضوعا للتفكير حتى في إسرائيل نفسها. وهذا تطور تاريخي.

مليكة مالك:

طيب أستاذ الجابري، أريد أن نرجع إلى السؤال الأول الذي هو محور هذا المساء. وفي هذا الإطار أذكر بخلاصة محاضرة لك تحت عنوان “الانتقال إلى الديمقراطية : أسئلة وآفاق”، تقول فيها: “المغرب الآن يمد رجله ليخطو نحو الجديد، ومعلوم أن الذي يمد رجله ليخطو ليس له إلا أن يتبعها بالثانية ويتابع الخطى. إن الخطو في هذا المجال لا يقبل الانعكاس. ليس هناك وراء، فإما إلى الأمام وإما السقوط “. الأستاذ الجابري! ما مدى مصداقية هذا القول أو النهج اليوم؟ علما بأن أصواتا ترتفع للقول بتوقيف الخطى، بدعوى أنه لا مجال للديمقراطية دون توفير كل الشروط الضرورية، بما في ذلك تعديل الدستور، ومعاقبة المسؤولين على الفساد والقمع الخ.

محمد عابد الجابري :

عندما نقول يجب أن نخطو، فهذه الأمور التي ذكرت هي في واقع الأمر خطوات يجب أن نخطوها. قد لا يكون من الضروري معاقبة المسئولين على ما اقترف في الماضي ضد الديموقراطية، لأن التحول يجري على الطريقة المغربية، المعروفة الآن بـ”التراضي”. قد يكفي القيام بالحد الأدنى خاصة في الأشياء التي من الصعب السكوت عنها. لكن يجب أن ندرك أن التغيير الذي يجري بالثورة، أية ثورة، شعبية أو غير شعبية أو عسكرية الخ، قد يأت بالأسوأ أو بما هو أحسن قليلا و كثيرا . هذا شيء آخر. لكن في بلادنا لم تجر أية تغييرات من هذا النوع. لقد جرى ما سمي ويسمى بـ “التراضي”. وذلك يعني أن المعارضة رضيت بأن تجلس على مقاعد الحكومة، مع القبول بإجراء إصلاح بدون هزات، وكما عبر الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي: “نحن نحاول أن نلين المفاصل”. ومن جهة أخرى قبلت الجماعات التي كانت في الحكومات السابقة أن تترك الحكومة إلى المعارضة وتتعلم كيف تعارض. المهم هو أن الجميع قبل أن يتعايش، ويجتمع في البرلمان، ويخلق تقاليد جديدة للاعتراف بالاختلاف. وهذه ميزة مغربية من الصعب وجودها في بلد آخر في العالم الثالث. لقد صارت السياسة في المغرب كالولائم والأعراس. ومعروف أن من التقاليد المغربية أن يلتقي الناس في اللائم والأعراس رغم ما يفرق بينهم من خصومات سياسية فيجلسون، بعضهم إلى جانب بعض. والآن هاهم يلتقون حول “وليمة السياسة” بنفس الروح. وهذا شيء مهم.
ومع هذا كله لا بد من خطوات على طريق التغيير. فما تراكم من فساد ومعوقات، معوقات بنيوية كما عبر عن ذلك صاحب الجلالة محمد السادس في يوم من الأيام. هذه يجب أن تدرس وتكون موضوعا للتحليل.
وكمراقب من بعيد، فأنا شخصيا لست الآن في المعمعة، يبدو لي أن المغاربة كانوا خائفين جدا على مصير البلاد عندما كانوا يسمعون أن المرحوم الحسن الثاني كان مريضا، فكانوا منشغلين بالتفكير في “المرحلة الانتقالية”، فيما سيحدث بعد موته، ونفس السؤال كان يطرحه الأوربيون وغيرهم. وعند تعيين حكومة التناوب تنفس الجميع الصعداء. لكن الخوف بقى مع ذلك. غير أنه عندما تم الانتقال بكيفية عادية وسلسة شعر الجميع بالارتياح. فما كان يبدو مخيفا مر في لحظه خاطفة. وأعتقد أن الناس قد اعتقدوا يومها أن التغيير، بمعنى الانتقال إلى الديموقراطية، سيحدث بنفس السرعة والسهولة، في حين أنه ليس هذا كذاك. فتغيير المجتمع والقضاء على الفساد يحتاج إلى بناء، خصوصا وأن المشاكل كثيرة متعددة متداخلة، والجفاف يزيد في تعقيدها. وأتذكر الآن كلمة للجنرال ليوطي يقول فيها إن الجفاف هو الذي يصنع السياسة في المغرب. ولكن يجب أن لا ننسى أن ليوطي أيضا كان يمارس السياسة في المغرب إلى جانب الجفاف!

مليكة مالك :

طيب أستاذ الجابري، الكلمة الآن للأستاذ عبده الفيلالي الأنصاري.
عبده الفيلالي الأنصاري :
الأستاذ الجابري أقترح أن نعود إلى نقط نظرية، أن نقوم بوقفة نظرية إذا أمكن، حول حاضر ومستقبل الديمقراطية في المغرب. سؤالي الأول يتمحور حول العلاقة بين أعمالكم الفلسفية والأكاديمية وبين المواقف التي اتخذتموها في النقاش السياسي. في عملكم المهم “نقد العقل العربي” خاصة في الجزء الثالث منه “العقل السياسي العربي” حاولتم النفاذ إلى الآليات الأساسية التي تتحكم في التصرفات السياسية وخلصتم إلى نظرية تؤكد خصوصية الممارسة السياسية في المجتمعات العربية، وخضوع تلك الممارسات لعدد من المحددات والتجليات. وفي مجموعة من المقالات نشرت في إحدى الجرائد الوطنية، قبل أن تجمع في كتاب، تلاحظون أن الديمقراطية أصبحت الآن مطلبا في المجتمعات العربية، وأكثر من ذلك إنها أصبحت تحدد الشرعية الوحيدة المقبولة اليوم. سؤالي هو : هل يمكن أن نستنتج من هذا أن تحولا جذريا قد حصل، وأننا قد طوينا صفحة الماضي، وأننا انخرطنا في حداثة سياسية حقيقية؟ هل يمكن اعتبار هذه المقالات بمثابة إعلان عن “نهاية العقل العربي” بما أنه عقل له خصوصيات مميزة، وحلول عقل عالمي مكانه؟
محمد عابد الجابري:
لا أعتقد أنه من الممكن أن نقيم مثل هذا الفصل ما بين العقل العربي في الماضي والعقل العربي، أو الممارسة الديمقراطية، في الحاضر. نحن دائما نتحدث عن طي الصفحة، هذا ممكن، ولكننا عندما نطوي الصفحة، فإننا نحتفظ بالكتاب وفيه الصفحة المطوية، ويمكن أن تفتح أو يفتحها غيرنا. لذلك فالمسألة هي مسألة تطور. بطبيعة الحال هناك قفزات، أو يمكن أن تكون هناك قفزات. وأنا أعرف جيدا أنك تتابع ما أكتب، وتعرف وجهة نظري في كيفية تجاوز هذه الهوة التي تفصل بين ما ينتمي إلى الماضي عندنا وما ينتمي إلى المستقبل الذي نريده لنعيش عالمنا. وجهة نظري تتلخص في أن هذه الهوة لا يمكن أن تردم إلا بجسور نبنيها من داخلنا، طبعا بأدوات جديدة، وبالتفتح على كل ما يمكن أن يساعدنا. ولذلك فـ “الصفحات المطوية” ستبقى في الكتاب، ويجب أن تبقى لتفتح من جديد، ولنصحح قراءتنا لها من جديد. والعملية يجب أن تتم هكذا.
كان هناك طريقان، هما اللذان سلكهما الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر: هناك الدعوة إلى سحب الماضي وإلغائه وتبنى الحداثة كما هي، وهناك الدعوة إلى فعل العكس. هذان الاتجاهان وصلا في النهاية إلى طريق مسدود! إذ منغير الممكن صناعة بشر آخر بتراث آخر وبمفاهيم أخرى. فأوربا عندما استفادت من التجربة الحضارية العربية بكل جوانبها، أعادت بناءها من داخل أوربا نفسها. لقد استرجعوا ابن رشد، ولكن ليس ابن رشد كما نعرفه نحن، بلكما صنعوه هم. استرجعوا ابن سينا بنفس الطريقة وهكذا… وهذا ما يلزم أن نعمل. اعتقد أن واجب الفكر في هذه المرحلة هو التخلي عن منطق “إما… وإما”. لابد من التغلب الجدلي، وبمجهود فكري وعملي على مثل هذه الوضعية. وهذا شيء ليس سهلا ولكن لابد من القيام به.

عبده الفيلالي الأنصاري :

أستاذ الجابري، اقترحتم في دراساتكم الفلسفية عبارة أو وصفا للممارسة السياسية في مجتمعاتنا القديمة، أعتبره مثيرا. قلتم إن السياسة كانت تمارس داخل الدين، بمعنى أنه في تلك المجتمعات لم يكن هناك مجال سياسي مستقل، ولم يكن هناك حقل للسياسة مستقل، لم تكن هناك مؤسسات وتنظيمات وأحزاب، وأن الممارسين كانوا، من أجل التعبير عن أفكارهم، يعتمدون رموزا ومفاهيم مستقاة من الدين، فالماسكون بالحكم كانوا يبررون مواقفهم بالمشيئة الإلهية. كيف تفسر اليوم، ونحن نتوفر على حقل سياسي مستقل تضبطه قوانين ومعايير واضحة، كيف نفسر أن بعض الاتجاهات تطالب بممارسة السياسة داخل الدين؟ هل نعتبر ذلك محاولة لإقحام الدين في مسائل دنيوية؟ أم أن هناك عوامل موضوعية تبرر استدعاء التوجهات الدينية والعمل على إقرارها في مجتمعاتنا اليوم؟

محمد عابد الجابري:

عندما مورست السياسة في الدين في تاريخنا كانت المصطلحات السياسية غير موجودة، فالمفاهيم الدينية هي التي كانت سائدة. وحتى علم الكلام كان كلاما في السياسة وليس شيئا آخر. المفاهيم التي مورست بها السياسة هي مفاهيم دينية لأن المفاهيم السياسية لم تكن حاضرة، خصوصا بالنسبة للعرب الذين كانوا قبائل تعيش مجتمع اللادولة واللاقانون واللادستور. وحتى عندما ترجم المصطلح اليوناني السياسي كما هو في نصوص أفلاطون وأرسطو، كان قد استقر مصطلح سياسي آخر، هو المصطلح السياسي الفارسي الكسروي. أعتقد أن هناك أضواء مهمة جدا سيجدها القارئ في الجزء الرابع من “نقد العقل العربي” الذي يحمل عنوان “العقل الأخلاقي العربي”، وسيظهر بعد ثلاثة أشهر. وكما تعلم فالأخلاق والسياسة في الفكر القديم كانتا متلازمتين.
أريد أن أقول إن ممارسة السياسة في الدين كانت شيئا طبيعيا، وقد حدث نفس الشيء في أوربا حيث كانت تمارس السياسة بالدين (وبالمصطلح الديني)، واليوم أيضا تمارس السياسة بالدين ولكن ليس في المجتمع ككل. هناك جماعات على هامش المجتمع تمارس السياسة في الدين، مثل الأصولية الأمريكية (وبعض الجماعات في أوربا وغيرها). لقد سبق أن أبديت وجهة نظري في هذه المسألة منذ سنوات.
لنسم الأشياء بأسمائها! الأمر يتعلق بظاهرة التطرف. والتطرف، بما فيه استعمال الدين في السياسة، هو ظاهرة ملازمة للتاريخ ولجميع البشر، ولكن مكانها في الغالب هو الهوامش، كما كان الخوارج والقرامطة والحنابلة أحيانا قبل أن يكون لهم الحكم. وهذه الهوامش لا تصنع التاريخ. التاريخ يصنعه الوسط. لكن عندما يقفز التطرف من الهوامش ليصبح مهيمنا على المجتمع ككل، فحينئذ يجب البحث عن السبب في الوضع الاقتصادي الظالم وفي غياب الديمقراطية وفي أشياء أخرى من هذا القبيل، وليس في الدين.

عبده الفيلالي الأنصاري :

سؤالي الآن حول إمكانية وجود ديمقراطية حقيقية في مجتمعنا، هناك بعض الملاحظين والأخصائيين يميزون بين ديمقراطيات ليبرالية حقيقية، وديمقراطيات إجرائية أو مسطرية، حيث إن هذه الأخيرة، ولو تم فيها تداول السلطة حسب آليات ديمقراطية كالانتخابات النزيهة والشفافة، ولم تم فيها تناوب حقيقي للحكم، تبقى دون المطلوب، حيث أنه في تلك المجتمعات، وضمنها مجتمعاتنا، تظل محكومة بخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. فمن جهة يظل حكم القانون محدودا، تظل هناك جهات ومصالح لا تخضع لحكم القانون، ومن جهة أخرى تظل حرية التعبير أيضا محدودة، تظل هناك رموز وتصورات لا تطالها حرية التعبير. وكما نعرف فإن حكم القانون إما أن يكون شاملا أو لا يكون. وإذا كان محدودا يصبح تعسفا يمارس على بعض الفئات، وكذلك إذا كانت حرية التعبير محدودة فيتفشى وينتشر نوع من النفاق، ويفتح ذلك الأبواب لإمكانيات القمع، قمع أغلبية من طرف أقلية. سؤالي هو : هل توافقون على هذا التحليل؟ وفي نظركم، هل يمكن الوصول إلى ديمقراطية حقيقية فقط بواسطة انتخابات نزيهة وتداول سلمي للسلطة دون الشرطين الآخرين؟

محمد عابد الجابري :

مع الأسف الشديد ليس هناك طريق لبناء الديمقراطية غير الديمقراطية نفسها. لا يمكن أن نبني الديمقراطية بحكم شمولي استبدادي أو عسكري أو حتى جماعي فوضوي من النوع
الذي أطلق عليه أفلاطون اسم “الديمقراطية كما كانت عندهم في ذلك الوقت. الديمقراطية كما نفهمها اليوم لا تبنى ولا يمكن أن تبنى إلا بالديمقراطية نفسها. ليس هناك طريق آخر.

عبده الفيلالي الأنصاري :

معنى ذلك أنك ترى أنه يمكن البدء بديمقراطية مسطرية للانتقال فيما بعد إلى ديمقراطية حقيقية.

محمد عابد الجابري:

التجارب الديمقراطية في الغالب تطبعها الخصوصيات، فالطريق الفرنسي إلى الديمقراطية ليس هو الطريق الإسباني، وليس هو الطريق الألماني أو الإنجليزي، الطريق إلى الديمقراطية متعدد، بمعنى أنه تحكمه خصوصيات كل بلد، أنا أدعو إلى التجديد من الداخل. بالأمس كنت أتحدث مع أحد أفراد هذه الدار (القناة الثانية) وقلت إنه من جملة المسائل التي يجب الانتباه إليها هي أن المغربي مثلا إذا رأى ما يشبه الفوضى في الشارع يرد الفعل قائلا: “هل خلت البلاد من المخزن” أي من الدولة؟ أما إذا ظلمه القائد أو موظف من موظفي الدولة، أو صاحب سلطة أو مال، فهو يصرخ قائلا: “أنا بالله وبالشرع”، بمعنى: أنا أحتكم إلى القانون! “المخزن” هو الدولة، و”أنا بالله وبالشرع” هو القانون. فالمغربي إذن يطلب الدولة والقانون. الدولة التي تحكم بالقانون ويحكها القانون، أي ما نعبر عنه بـ”دولة الحق القانون”.

عبده الفيلالي الأنصاري :

بناء على هذا الطرح الأخير، هناك سؤال طرح عليكم في الماضي وتفرض الظروف الحالية إعادة طرحه، وهو: هل يمكن الوصول الآن إلى تصور واضح وتوافقي حول نوعية حضور الدين في السياسة؟ سبق أن قلتم في دراسة العقل السياسي العربي إن الشريعة أو الفقه لم يقنن للسياسة مثلما قنن لميادين أخرى كالأحوال الشخصية. هناك فراغ وخصاص اعتبرته شيئا سلبيا في الماضي، هل يمكن أن نعتبره الآن شيئا إيجابيا ونبني عليه نوعا من التوافق الجديد بين كل القوى يسمح بانطلاق حوار ديموقراطي؟

محمد عابد الجابري :

أعتقد أن طرح الدين كمشكلة في المغرب فيه نوع من المبالغة. فالدين يكون مشكلة عندما يكون هناك تعدد ديني أو طوائف أو تعدد مذهبي، إذ تدعي كل فرقة أنها وحدها على الدين الصحيح وأنها هي وحدها الفرقة الناجية. المغاربة والحمد لله كلهم فرقة ناجية، فهم سنة ومالكيون. ليس هناك طوائف دينية أخرى مسيحية أو غير مسيحية، وليس عندنا شيعة ولا حنفية ولا… فكلنا إذن فرقة واحدة … ناجية. وإذن فمسألة الدين بالنسبة لنا ليست مطروحة كشيء يمزق الهوية. أما التوظيف السياسي للدين فهو إما أن يكون في الأطراف، وهذا شيء طبيعي. أما عندما يميل إلى الهيمنة على المجتمع ككل، فمعنى ذلك أن الظلم الاجتماعي والسياسي قد جاوز الحد وولد نوعا من ردود الفعل السلبية بما في ذلك الغلو والانغلاق. هنا في هذه الحالة لا يبقى إلا التمسك بالمطلقات كوسيلة للدفاع والمقاومة. إنه سلاح التطرف. أما ما عدا ذلك فالمطلوب في المجال السياسي في بلد إسلامي هو الخلقية الإسلامية، وهي لا تتنافى مطلقا مع أي منظور حداثي أو تقدمي الخ. وهذه أمثلة:
إننا نتحدث اليوم عن الحق في الاختلاف وعن التسامح، وهذه مفاهيم غربية بدون شك على الأقل في استعمالها المعاصر، لكنها ليست من خصوصيات الثقافة الغربية وحدها. هناك في تراثنا الفقهي وغيره ما يكرس التسامح والحق في الاختلاف. من ذلك مثلا هذه القولة الشهيرة للشافعي، وهو إمام وصاحب مذهب وله أتباع وأشياع مما يعطي للتسامح وحق الاختلاف عندما يصدران عنه دلالتهما الحديثة الكاملة. يقول الشافعي:”رأيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب. ومن جاء بأحسن من رأينا قبلناه منه”. هذا هو نوع التعامل الذي كان سائدا بين الأئمة الكبار. وهناك مبدأ معروف يقول “كل مجتهد مصيب”.
مثال آخر: عندما اشتد النزاع بين الأمويين وخصومهم ساد الإرهاب الفكري، فصار الإنسان يسأل: ماذا تقول في معاوية أو عثمان، وفي علي؟ فإن قال ما يفيد إدانة معاوية أو عثمان كان مصيره السجن أو الموت، وإن قال ما يفيد إدانة علي وقع في أزمة ضمير لأن الحق كان مع علي. وللخروج من هذا المأزق أفتى واصل بن عطاء بفتوى مفادها أن الذين كانوا في صفين، أصحاب معاوية وأصحاب علي الذين تقاتلوا وتسببوا في مقتل عدد كبير من المسلمين، فريق منهم مخطئ ولكن لا بالتعيين. وقال إنهم كـ”المتلاعنين”. ومعلوم أن الرجل إذا قال إنه رأى زوجته في وضع الزانية وليس معه شاهد، وأنكرت الزوجة، فأحدهما كاذب ضرورة. ولكن ليس هناك ما يشهد على أحدهما بالكذب دون الآخر. فالحكم الشرعي فيهما هو القسم: كل منهما يحلف على صحة ما يدعي ويختم القسم بـ “ولعنة الله على الكاذبين”. ومن هنا سموا متلاعنين.

مليكة مالك :

أستاذ الجابري، أرجع معك إلى أولئك الذين ينتقدون التجربة الديمقراطية. فالعديد من المتتبعين لهذه التجربة، في اليسار، يقولون: إن هذه التجربة بدأت بالتوافق أو بالتراضي وليس بصناديق الاقتراع. هل التوافق كأسلوب سياسي وكمنهج للخطو نحو الأمام يسيء إلى التجربة الديمقراطية أم أنه ممر ضروري؟ وتقول، أستاذ الجابري، في مقال لك : “آمل أن تتحول قاعة الانتظار المغربية إلى قاعة مرور وجواز إلى ما هو منتظر”. ما هي في رأيكم الشروط الضرورية للانتقال إلى الديمقراطية؟

محمد عابد الجابري:

في قضايا من هذا النوع، كل شيء يتوقف على الإرادة: إرادة الانتقال إلى الديمقراطية. يجب أن تتوفر الإرادة، وأعتقد أنها متوفرة. واعتقادي مبني على حدوس وربما على معلومات أيضا. فعندما استدعى المرحوم الحسن الثاني الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي كانت له إرادة حقيقية إرادة الانتقال إلى الديمقراطية. طبعا الديمقراطية تعني محاربة التزوير في الانتخابات والسماح للقوى الأخرى بالصعود إلى الحكم. وبطبيعة الحال كان لابد من وقت حتى يفهم الناس هذا التحول. وقد مرت الأمور بصورة حسنة وكانت ستمر بأحسن لو أطال الله في عمره مدة أخرى من الزمن. وعندما جاء الملك محمد السادس تبنى نفس الطريق، لكنه كملك شاب وحديث العهد يحتاج إلى وقت ليرتب بيته كما يقال. وهكذا أصبحنا أمام بداية جديدة. لقد تم تركيز التناوب وإقرار اختيار اليوسفي في أول خطاب للعرش للملك محمد السادس. وكما نعرف جميعا فقد قال الحسن الثاني رحمه الله في تصريح صحفي له : إن الملك الجديد سيكون له أسلوبه. فنحن في نفس الخط ولكن بأسلوب آخر. واعتقد أن سنة واحدة غير كافية لاستخلاص نتائج نهائية. لأن المغرب عليه مسئوليات وهناك عدد من المشاكل. والانتقال إلى الديمقراطية من أصعب الأمور. فلا يكفي أن تكون صناديق الاقتراع من زجاج، بل هناك أشياء أخرى. نعم كان يمكن أن تسير الأمور بأسرع مما كان. ولكني مع ذلك، ولحد الآن، لا أرى مبررا للقول إننا فشلنا، وأن الطريق غير صالح. ليس هناك طريق آخر. اليوسفي هو الذي اختار التناوب والاتحاد الاشتراكي وافق بلجنته المركزية على هذا الطريق، وذلك بعد أربعين سنة من المعارضة. لقد كان يبدو أنه من المستحيل التعامل مع الذين زوروا الانتخابات، من المستحيل مد اليد إليهم. والذين يقولون اليوم إن هذا الطريق غير صالح يعرفون أننا نحن كنا نقول قبلهم هذا الكلام، كنا نقول ونكتب هذا الكلام في ظروف حقيقية. لكن بعد التطورات التي شهدها العالم والمغرب قررنا في سنة 1975 أن نغير الطريق. ولذلك فأنا لا أبني موقفي على ما أراه اليوم فقط، بل إنني أحمل ورائي تجارب وإخفاقات ونجاحات. والإخوان الذين دخلوا الميدان الآن لابد لهم من أن يستفيدوا من تجارب إخوانهم، حتى نتجنب تكرار نفس التجارب ونقع في نفس الإحباطات

عن موقع ملتقى ابن خلدون للعلوم والفلسفة  والادب