كريم مروة: لا مستقبل للإسلاميين وانهيار الرأسمالية قادم

المفكر اللبناني كريم مروة يعتبر أن مجيء الإسلاميين إلى الحكم كان ضروريا لكي تكتشف الشعوب طبيعة برامج هذه القوى عن وحقيقة أهدافها.

 عن صحيفة العرب عبد الحاج

[نُشر في 15/11/2013، العدد: 9380،

بيروت- بالطبع، في وسع كريم مروة أن يواصل القول عن اليسار العربي أو أيّة مجموعة يسارية أخرى، وفي وسعنا نحن أن نقول: لا ضرر، ولا ضرار! ما يقوله واضح لنا نحن، بل إنّه كثير ومتعدد، بفضل ذلك التفاعل السرّي بين غريزة التحليل الآني للواقع وغريزة التفكير في ما مضى، عند مفكر من عيار مروة، الذي خص جريدة «العرب» بهذا الحوار.

عند سؤاله عن الأزمة التي يعيشها اليسار اليوم، وهل هي أزمة يسار في مواجهة مشكلات العصر، أم إنها أزمة يساريين لم يتمكنوا من تجاوز إخفاقاتهم؟ أجاب كريم مرة بأن مشكلة اليسار الراهنة، عربيا وعالميا، «إنه أضاع البوصلة في ظل التحولات الكبرى التي حصلت حتى قبل انهيار التجربة الاشتراكية وتحديدا بعد انهيارها، ولا شك في أن انهيار هذه التجربة كان حدثا مدويا، أذكر عندما دخلت إلى الشيوعية في مطلع شبابي أن الرفاق كانوا يعلموننا بأن القرن العشرين، لاسيما بعد تشكيل المنظومة الاشتراكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، هو قرن انتقال البشرية من النظام الرأسمالي إلى النظام الإشتراكي». «وكان من المفترض نظريا أن تأخذ قوى اليسار بعين الاعتبار، حتى قبل انهيار التجربة الاشتراكية، أن الحياة تتغير وتتجدد والأحول والشروط التاريخية كذلك. وعليها أن تكون متهيئة للانتقال من حال إلى آخر وفق هذه التغيرات.

ما حصل في الواقع هو أن قوى اليسار التي لم تكن مؤهلة لمواجهة الواقع الجديد انهارت بأشكال مختلفة مع انهيار التجربة الاشتراكية، قسم من أهل اليسار القديم وحتى الجديد، ظل يكابر غير معترف بما جرى، مصرا على البقاء في أفكاره القديمة ذاتها، منتظرا عودة الاشتراكية، كيف؟ ومتى؟ وبأية قوى ووسائل دون جواب.

وآخرون انتقلوا إلى مواقع النقيض مقلدين بذلك قادة الدول الاشتراكية السابقة الذين انتقلوا من مواقعهم في دولهم وأحزابهم إلى مافيات».

لكن هناك فريقا ثالثا أعتبر نفسي واحدا منه يحاول أن يبحث عن العوامل التي ساهمت وتساهم في التحولات الجارية، قبل انهيار التجربة الاشتراكية ولا سيما بعده، والسعي إلى تجديد الأفكار وعدم البقاء في الماضي، هذا الفريق لم يتحول بعد في بلداننا ولا في بلدان العالم إلى قوة حقيقية لكنني أعتبر الوجهة التي يعبر عنها لاخيار لمن يعتبرون أنفسهم من أهل اليسار إلا أن يأخذوها في الاعتبار.

وأشير هنا بخلاف كثيرين إلى أن أزمة النظام الرأسمالي عميقة وتزداد عمقا لكن لا تسمح لنا بأن نتصور أن انهيار الرأسمالية قادم غدا.

فالرأسمالية كما عودتنا، في مواجهة أزماتها منذ البدايات، على التكيف، والخروج بصيغ مختلفة من هذه الأزمات والوقوع في أزمات قادمة.

وحتى لو انهارت الرأسمالية، فإن الاشتراكية القديمة، لم تعد صالحة للعصر الراهن ولا للمستقبل، وأن القوى التي تفترض أن الأشتراكية الجديدة هي التي ستكون البديل، هذه القوى غير متكونة حاليا حتى وإن كانت من الناحية الموضوعية موجودة، إذا خلاصة ما أريد قوله إن الأزمة الحقيقة هي أزمة أهل اليسار وأزمة الفكر اليساري.

الحراك السوري

حول الملف السوري وتوقعّاته يقول مروة إن لسوريا موقعا خاصا في العالم العربي عبر عنه في زمن ما شعار «سوريا قلب العروبة النابض».

ومشكلة سوريا أنها وقعت، منذ مطلع الخمسينات، تحت نظام حكم شمولي (انقلابات عسكرية- وحدة قسرية مع مصر- حكم بعثي متواصل حتى هذه الحظة) وهي جميعها أنظمة تعارضت وتناقضت مع المرحلة التي قادت فيها الحركة الوطنية السورية هذا البلد العربي إلى الاستقلال في أواسط القرن الماضي.

نظام الاستبداد، لا سيما نظام البعث الذي طال تحكمه بمسار سوريا، هو الذي جعل الثورة السورية تدخل في مأزقها الراهن، إلا أن كثرة من الدول الأقليمة والدولية دخلت إلى جانب النظام لمصالح لا علاقة لها بالشعب السوري، الأمر الذي دول الأزمة السورية الراهنة وأضعف دور القوى التي بدأت بالثورة، علما أن الثورة منذ بداياتها كانت تفتقر إلى قيادات أسوة بالثورات العربية الأخرى وبرغم كل هذه التعقيدات ففي رأي أنه لا مخرج من الأزمة إلا بحل سياسي تشارك فيه جميع القوى بما في ذلك، مؤسسات الدولة القائمة، شرط أن يقود هذا الحل السياسي إلى إنهاء نظام البعث وإقامة نظام ديمقراطي، لا أسمح لنفسي بالتسرع بإعطاء طابعه وسماته وقواه، فهي مسألة يحددها التوافق بين مصالح الشعب السوري ومصالح القوى الإقليمية والدولية التي دخلت على الأزمة السورية وصارت جزءا مكونا منها.

التحولات في العالم العربي

تحدثت مع مروة حول التحولات التي تجري الآن في العالم العربي، وهل هي فعل واع يستطيع أن يحقق التراكم الثوري المطلوب ويحقق بذلك تطلعات الثورة وأهدافها؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون رد فعل عن أوضاع استبدادية، لا يلبث أن يفقد البوصلة ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها ببعض الاختلاف في الصور والأشكال، وقد أجاب عن هذه التساؤلات قائلا: جوهر هذا الرأي عندي يقوم على اعتبار أن ما حصل هو ثورات بكل المعاني، والثورات في تاريخ العالم لم تتخذ صيغة واحدة محددة من حيث البرامج والقوى وأشكال النضال.

ولا انتهت جميعها بتحقيق ما قامت من أجله ووعدت به، وفي مقدمة هذه الثورات، ثورة أكتوبر الاشتراكية في 1917 في روسيا، وانتهت بعد ثلاثة أرباع القرن في الاتجاه النقيض لما قامت من أجله ووعدت به، إلا أن هذا الحديث عن الثورات بأنواعها المختلفة لا يقلل من شأن أي منها على الإطلاق فهي جميعها شكلت في تاريخ البشرية محاولات حقيقية عند بداياتها من أجل تحقيق أهداف عظيمة.

واستنادا إلى هذا التاريخ أقول إن الثورات التي قامت في مطالع 2011 في أكثر من بلد عربي، تحمل سمات الثورات التي عرفها تاريخ العالم، مع فارق قد يكون أساسيا هو أن الثورات السابقة جميعها قامت سلفا على برامج محددة وقيادات تاريخية وأفكار.

في حين أن الثورات العربية الراهنة قامت بشكل عفوي في معظمها كردة فعل متأخرة على ظلم قديم وقهر واستغلال واستعباد لا مثيل له في كل البلدان العربية التي قامت فيها هذه الثورات، إلا أنها لم تكن في نظري بنت ساعتها، بل كانت نتيجة تراكم لحركات متعددة هنا وهناك قمعت، والتراكم الكمي، عادة في الطبيعة وفي حياة البشر، ينتهي إلى ثورة وهذا ما حصل. وبهذا المعنى مازلت عند رأيي بأن هذه الثورات قد فتحت صفحة تاريخ جديد في العالم العربي.

لكن من الخطأ التسرع في الحكم على نهاية هذا الطريق، فهذا الطريق شائك ومليء بالصعوبات والأخطاء، لذلك قلت إنه إذا كان من فضائل هذه الثورات أنها لم تستند إلى قيادات وأحزاب تاريخية، فإن من عناصر الخلل فيها أنها كانت عفوية في معظمها ولم تستند إلى برامج إلا إلى شعار واحد أطلقته جميعها وهو المطالبة بإسقاط النظام وتأمين الحرية والكرامة للإنسان لكن ذلك لا يكفي.

وفي يقيني أن التجارب التي مرت بها هذه الثورات تؤكد أمرين، الأمر الأول ،وهو إيجابي، أن الأكثرية الساحقة من شعوبنا لم تعد تقبل أن تستمر حياتها في ظل القهر والظلم اللذين تمارسهما عليها أنظمة الاستبداد. واستمرار الكفاح بأشكاله المختلفة يشير إلى هذا الجانب الإيجابي في الثورات.

الأمر الثاني، وهو سلبي، يتمثل في بعض عناصر الخلل التي أشرت إليها، وفي خطرين، الخطر الأول برز منذ البدايات من خلال محاولة استيلاء بعض الحركات الإسلامية على هذه الثورات وهو ما شهدناه في مصر وتونس وليبيا بشكل خاص والخطر الثاني يتمثل في دور القوى الخارجية الإقليمية والدولية التي يريد كل منها التحكم في مسار الثورة تأمينا لمصالحه التي تتعارض مع الأهداف الأساسية التي قامت من أجلها هذه الثورات، وفي ضوء ما تقدم يكون الجواب بأن التحولات التي أشرت إليها هي تحولات حقيقة لكن من السابق لأوانه الحكم على نتائجها.

الإسلاميون في السلطة

مجيء الإسلاميين إلى الحكم يبدو لكريم مروة أنه كان ضروريا لكي تكتشف شعوبنا طبيعة برامج هذه القوى ولترى حقيقة أهدافها التي لا تربطها أية رابطة بمصالح بلداننا ومصالح تطورها وتقدمها ولا تربطها أية رابطة بالقضايا الأساسية لشعوبنا، لذلك لا مستقبل لهذه القوى الإسلامية في قيادة بلداننا.

وأنا على يقين بأن كثرة من الجماهير المؤمنة الإسلامية قد بدأت تقتنع ببطلان فكرة الدولة الدينية، لذلك فإن على المفكرين الدينيين المستنيرين أن يقدموا المزيد من الحجج المقنعة لهذه الجماهير وعدم زج الدين في السياسة وفي الشؤون العامة للدولة والمجتمع، وليبقى ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

نهضة اليسار

كيف يمكن أن ينهض اليسار في مجتمع عربي بلا سياسة، وفيه نظم طاردة للسياسة؟، يشير كريم مروة إلى أن السياسة في الواقع العربي، فقدت الكثير من معانيها، ومن الوظائف المتصلة بها، وساهم في ذلك الضُعف الذي ساد الأحزاب على اختلافها.

والأحزاب اليسارية ورغم الجهود التي بذلتها في هذا المجال في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإن تأثيرها ظل محدودا. وفي بعض البلدان العربية ساهمت الأنظمة الاستبداد العسكرية التي جاءت عن طريق الانقلابات في تحجيم دور السياسة لصالح نظامها الاستبدادي الأمر الذي زاد في إضعاف دور الأحزاب اليسارية على وجه الخصوص.

ويختم كريم مروة حديثه، برغم أنف ستالين وضد مقولته، «لا يمكن تغيير إنسان جاوز الأربعين إلا إذا كسرته»، الذي كان هو ذاته ضدها في ممارسته لحكم الاتحاد السوفيتي فأنا برغم الأربع وثمانين عاما من عمري فإن ما اكتسبته من تجربة في حياتي، يعطيني القدرة على الأستمرار، بصحة عقلية وجسدية ممتازة، ليس لعمل قيادي، فقد قمت بواجبي في هذا المجال، إنما للأستمرار في تجديد أفكاري وتقديم خلاصة تجاربي و خلاصة أفكاري لأجيالنا الجديدة وهذا ما أقوم به حاليا بمتعة كبيرة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.