تونس.. احتجاجات ضد سعي حكومة النهضة للهيمنة على القضاء

 

الحكومة التونسية تتولى عمليا تسيير القضاء وتحرّك الملفات التي تخدم مصلحتها وتغض النظر عن ملفات أخرى.

 

عن صحيفة العرب  [نُشر في 16/11/2013، العدد: 9381،

تونس – يبدأ القضاة التونسيّون اليوم سلسلة جديدة من التحرّكات الاحتجاجيّة للتشهير بالإجراءات التي اتخذتها حكومة حزب «حركة النهضة» الإسلامي مؤخرا لإحكام قبضتها على قطاع القضاء، ولاسيّما من خلال تعيين رؤساء المحاكم الكبرى ونقل القضاة من أماكن عملهم، على أساس الولاء السياسي لسياسة الحكومة وللحزب الحاكم.

دعت كلثوم كنو، رئيسة جمعية القضاة التونسيين، منظوري الجمعية إلى تنظيم وقفة احتجاجية اليوم السبت أمام قصر الحكومة بساحة القصبة بتونس العاصمة، وذلك احتجاجا على التعيينات المُتعلقة بتعيين قاضيين من بين أعضاء «هيئة القضاء العدلي» في منصبي متفقد عام بوزارة العدل ورئيسة للمحكمة العقارية يوم 7 نوفمبر 2013.

واعتبرت كنو هذه التعيينات بمثابة الخرق من قبل السلطة التنفيذية لضرب استقلالية الهيئة المذكورة. جاء ذلك التصريح على هامش الوقفة الاحتجاجية التي نفذها القضاة، أمس الأول الخميس، أمام محكمة التعقيب بالعاصمة لمساندة الهيئة الوقتية للقضاء العدلي على إثر التعيينات الأخيرة.

كما تمّ، الخميس، تعليق العمل بمختلف محاكم الجمهورية التونسية لمدة ساعتين، بما أدى إلى تأخير جلسات المحاكمات ومختلف الأعمال المكتبية ذات الصلة.

ومن جهتها، أعلنت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي، في بيان أصدرته عقب جمعيّتها العامة، تعليق جلساتها العامة وأعمال مجلس التأديب مؤقتا، وذلك على خلفية صدور أمري التعيين المذكورين رسميّا بتاريخ 7 نوفمبر الجاري.

ونبّهت الهيئة إلى ما شاب الأمرين المعنيين من خرق لقواعد الاختصاص وإلغاء لدور الهيئة وللتداعيات الخطيرة لمآل الطعون التي قد ترفع في الأمرين السابقين وتأثير ذلك في شرعية تركيبة هيئة القضاء العدلي وصحة إجراءاتها، لاسيما أنها مدعوة في هذا الظرف إلى البتّ في مطالب الاعتراضات على حركة نقل القضاة في الآجال القانونية، بالإضافة إلى الملفات التأديبية.

ويقود القضاة منذ أشهر معركة ضد حكومة «حركة النهضة» الإسلامية التي تسعى إلى وضع يدها على السلطة القضائية من خلال إجراء تسميات لقضاة على أساس الولاء، ودون استشارة جمعية القضاة التونسيين بهدف تجريد سلك القضاء من استقلاليته ليكون وسيلة يتم توظيفها لتصفية الخصوم السياسيين.

من جانبها قالت روضة القرافي، نائب رئيسة جمعية القضاة، إنّهم يرفضون التسميات التي تتم على أساس الولاء السياسي وأنهم يبرقون برسالة إلى الحكومة مفادها أن القضاة «لن يستسلموا وسيدافعون عن استقلال وحرية القضاء».

وقالت كلثوم كنو «سننفذ وقفة احتجاجية يوم السبت أمام مقر رئاسة الحكومة لتبليغ صوتنا ولكي نبيّن للحكومة أننا سلطة ولا بد من احترامنا وعدم إهانتنا»، مؤكّدة أنّ تلك التعيينات من شأنها أن تؤثر في استقلالية السلطة القضائية وأن تزرع الخوف لدى القضاة».

وخلال الفترة الأخيرة تمت تسمية قضاة على رأس عدد من المحاكم، كما تم نقل قضاة آخرين بناء على مذكرة أصدرها وزير العدل نذير بن عمّو، وهو أستاذ قانون، تمّ تعيينه على أساس حياديّته بعد استقالة حكومة حمادي الجبالي على إثر اغتيال المعارض السياسي البارز شكري بلعيد، غير أنّه فاجأ القضاة بممارسة السياسة الفوقية والأحادية نفسها لسلفه نور الدين البحيري الذي أصبح وزيرا مستشارا لدى رئيس الحكومة، لكن يُشاع بين معظم القضاة والمحامين التونسيين أنّه لا يزال المتحكّم الأساسي في قطاع القضاء.

وترى جمعية القضاة أن التسميات والنُقل، بناء على مذكرة صادرة عن السلطة السياسية دون التشاور مع الجمعية، هو انتهاك لاستقلالية السلطة القضائية وحريّتها، بما يؤكد سعي الحكومة إلى توظيف القضاة توظيفا سياسيا يتناقض قانونيا ومبدئيا مع طبيعة عملهم ومع المنطق والمبادئ التي أتت بها الثورة.

كما أكدت رئيسة الجمعية أن القضاة التونسيين يرفضون أن ينقل القاضي أو تتمّ ترقيته حسب ولائه السياسي، مُشدّدة على أن القضاة سيتصدّوْن إلى مثل هذه الممارسات وإلى كل محاولة لتوظيف القضاء في مآرب سياسية. وتوجهت كنو بالكلام إلى وزير العدل، قائلة «لا نقبل بك وزيرا، لأنّك لا تحترم القضاة ولا تصلح لوزارة العدل وإني أعدك بأنك ستعود من حيث أتيت».

وعلى الرغم من أن وزير العدل «مستقل» إجرائيّا، فإن القضاة يعتبرونه مواليا لحركة النهضة ويدير شؤون القضاء والملفات القضائية وفق ما يُرضي الحكومة، والحال أن المطلوب منه هو الدفاع عن حقوق القضاة وفي مقدمتها استقلاليتهم عن التجاذبات السياسية.

وعموما يتذمّر القضاة التونسيون من إمعان حكومة «حركة النهضة» الإسلاميّة في التدخل في عملهم، مؤكدين أن القضاء المستقل حق من حقوق الشعب.

وقد أعرب أحمد الرحموني، رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء، عن استغرابه من إصرار السلطة التنفيذية على التدخل في القضاء، مؤكدا أنه على الحكومة التراجع عن التسميات التي قامت بها بناء على مذكرة صادرة عن وزير العدل لأن فيها انتهاكا لاستقلاليّة القضاء وحياده. ولاحظ أن «القضاء المستقلّ من حق الشعب التونسي ومن دونه لن تكون هناك عدالة وحرية ومساواة» .

ويلقى القضاة التونسيون مساندة قوية من سائر القوى الديمقراطية والحقوقية في البلاد، على غرار المحامين والإعلاميين. وكثيرا ما رفع الإعلاميّون، خلال التحركات الاحتجاجية التي نظمتها «النقابة التونسية للصحافيين التونسيين» شعارا أساسيّا وهو:»إعلام حرّ.. قضاء مستقلّ».

كما أنّ المنظمات الحقوقيّة غير الموالية لحزب «النهضة» كثيرا ما طالبت الحكومة ولا تزال، بالكفّ عن وضع يدها على القضاء وتجريد القضاة من حريتهم واستقلاليتهم، محذّرة إيّاها من التداعيات الخطيرة لهذه ممارسات باعتبارها تتناقض مع مبدأ استقلالية السلطات التي تعد خطّا أحمر بالنسبة إلى عملية الانتقال الديمقراطي في تونس.

كما تقول أحزاب المعارضة الديمقراطية إن القضاة يتعرّضون إلى «نوع من المؤامرة» بهدف الزجّ بهم في التجاذبات السياسية، مؤكدة أن الحكومة تتولى عمليا تسيير القضاء وتحرّك الملفات التي تخدم مصلحتها وتغضّ النظر عن ملفات أخرى.